شعار قسم مدونات

حكاية أكبر مشروع ترميم للمسجد الأقصى

تنظيف صخرة المعراج للمرة الأولى بشكل كامل ومناسب بعد تنظيف صلاح الدين الأيوبي لها بعد احتلالها من الصليبيين. (الجزيرة)

في مسجد كامبريدج الجامع تعلقت عيناي بأعمدته التي تشبه غابة من الأشجار، توقفت في الطريق لصلاة العصر إلا أنني صليت وحدي؛ لم يدخل العصر بعد على مذهب الأحناف وهو مذهب اغلب المسلمين فكدت أكون وحدي في بيت الصلاة الفسيح.

حاجز خشبي بسيط يفصل بين الرجال والنساء في المسجد، لا أظنني استطعت رؤية مسجد كامل إلا أن يكون أثريا، انتهزت الفرصة واقتربت من المحراب لأرى تصميمه عن قرب. لم أكن أدري أن هذه لحظة من لحظات الارتباط ببلادي. التي تصيبك منها بقدر إقبالك عليها.

تحولت عيناي بين قطعتين من بلاط الخزف العثماني على يمين المحراب وشماله، أعرف لتوي أنهما من المسجد الأقصى المبارك، من قبة الصخرة بالتحديد، بتبرع للمسجد من المملكة الأردنية الهاشمية، خزف، حجارة، فسيفساء. كامبريدج، الأردن، القدس؛ كلمات تفضي بعضها إلى بعض.

وضعت يدي وتذكرت الحكاية، وعزمت روايتها، فإن أهملنا نحن رواية حكاوينا، فمن يحفظها لنا؟

زاوج الفنان المسلم في قبة الصخرة بين فن الخط العربي وفن الفسيفساء في تمازج من الألوان لا نظير له، استورد الفن البيزنطي لكنه عبر فيه عن شخصية الإنسان المسلم الذي ورث هذا المكان إلى يوم الدين.

تبدأ الحكاية من مدينة مأدبا الأردنية، وهي واحدة من أهم المدن الحرفية في عالم فن الفسيفساء الكنسية، توأم مدينة رافينا الإيطالية. نعم، لإيطاليا نصيب أيضا من الحكاية، فهي محرك وجهتها إلى القدس، حين لا تعني المسافات شيئا للمريد.

نشأ الدكتور محمد أبو عيشة في مأدبا، وبعد تخرجه في مدرسة مأدبا للفسيفساء اتجه لدراسة ترميم الآثار بعد الثانوية في إيطاليا بدعم من حكومتها، حدثته نفسه صبيا بأنه يوما ما سيوظف هذا العلم من أجل قضية أسمى، من أجل القدس.

أكمل السلم الأكاديمي في إيطاليا، وأنهى الدكتوراه في تخصص ترميم الآثار ليصبح مرمما معتمدا. وبدا أن إيطاليا هي المستقر وبدأ مساره المهني مريحا متوقعا، لكن من وقت لآخر راوده حلمه القديم ثم جاءت ساعته على قدر.

ففي إحدى دوراته في أوروبا، عرف مصادفة أن أحد أواسط طلابه مسؤول رئيسي عن ترميم فسيفساء المسجد الأقصى المبارك.

شيء ما حاك في صدره، وتوجه إلى عمان مستفسرا عن التفاصيل. وكان نصيبه أن يستطيع تسلم ملف مشروع ترميم الزخارف الفسيفسائية في المسجد الأقصى المبارك بدلا من الشركة الإيطالية التي كانت ستكلف الحكومة الأردنية وصندوق الإعمار الهاشمي أموالًا طائلة مقابل إنجاز بسيط، ولم يعرف أبو عيشة يومها أنه يبدأ رحلة تستمر عشر سنوات.

استطاع مشروعه، الذي يعد أهم ترميم حدث في المسجد الأقصى خلال 70 عامًا، ترميم 1600 متر مربع من الزخارف الفسيفسائية، بقيادة فريق عمل بجهد مضنٍ في ظل مضايقة مستمرة من الاحتلال. وفسيفساء المسجد الأقصى هي درة الإبداع الإسلامي الأموي، مكعباتها وحجارة صغيرة جدا توضع بجانب بعض بشكل دقيق ومتقن. المتر الواحد من الفسيفساء يصل إلى عشرة آلاف مكعب فسيفسائي (حجري أو زجاجي).

زاوج الفنان المسلم في قبة الصخرة بين فن الخط العربي وفن الفسيفساء في تمازج من الألوان لا نظير له، استورد الفن البيزنطي لكنه عبر فيه عن شخصية الإنسان المسلم الذي ورث هذا المكان إلى يوم الدين.

عندما شرع الدكتور في العمل، لم تكن هناك أي مراجع تاريخية أو مخططات يعتمد عليها ولا صور فوتوغرافية شاملة. صخرة المعراج كانت من ضمن مشروعه أيضا.

إن التوثيق هو ما يحفظ حق المكان من النسيان والعدوان والزلازل والحرائق المفتعلة، وهذا ما تواجهه الأرض المقدسة وساكنوها، ولا أدل على ذلك مما تكابده المدينة المحاصرة، التي هبت لنصرة المسجد الأقصى، من إبادة ممنهجة، ومحو للبشر والحجر.

هذه الصخرة التي باع رهبان الصليب من قطعها ذهبا للحجيج، طُهرت بماء الورد والبخور بعد الفتح الصلاحي، وكان للدكتور محمد أبو عيشة قدر جميل في أن يكون هو أول من قام بتنظيفها بشكل علمي. وأول من يحافظ على طبيعتها وألوانها.

إن التوثيق هو ما يحفظ حق المكان من النسيان والعدوان والزلازل والحرائق المفتعلة، وهذا ما تواجهه الأرض المقدسة وساكنوها، ولا أدل على ذلك مما تكابده المدينة المحاصرة، التي هبت لنصرة المسجد الأقصى، من إبادة ممنهجة، ومحو للبشر والحجر.

يغتال الاحتلال الذاكرة باستهداف البيت والمسجد والجامعة وحتى أجساد موتانا، إن كان مجرد تواجدنا فوق أراضينا أو تحتها يغضب هذا المحتل. فكيف نأمن على تاريخ مقدساتنا من همجيته؟

من يروي بعدنا حكايتنا إن لم نحفظها؟

من جهته قام الاحتلال بواجبه لعرقلة مهمة التوثيق، لم يسمح بإدخال المعدات الأساسية اللازمة للمسجد الأقصى، حتى منع إدخال الكاميرات الاحترافية. ولكن بأدوات بدائية واستفراغ الجهد والممكن، أنهى فريق الترميم بإشراف الدكتور أبو عيشة توثيق ملايين الأحجار الفسيفسائية، توثيقا خطيا وفوتوغرافيا.

بعدها جاءت المرحلة التالية من تشخيص حالة الأحجار وما فيها من مشاكل مثل الأملاح الذائبة، والترسبات المختلفة، والانتفاخات، واستخدام مكعبات زجاجية غير شبيهة بالأصلية إثر محاولات ترميم قديمة غير مناسبة.

ثم شرع بالعلاج حسب الأصول، مسخرا كل ما تعلمه لإنجاز مشروع يضاهي بإتقانه وصعوباته مشاريع الترميم الكنسية في أوروبا.

جمعت هذه الرحلة الطويلة من التوثيق وحتى الترميم بكتاب ضخم يروي قصة الفسيفساء والعمارات الهاشمية في المسجد الأقصى المبارك. وكما يفعل الاحتلال بجعل فكرة التواجد فضلا عن العيش داخل القدس مهمة صعبة، لم يكن المشتغلين بالمشروع ليواجهوا شيئا مختلفا.

كان أبو عيشة يدرك أحوال القدس وأهلها جيدا، وهو حين ترك إيطاليا بعد عشرين عاما ليستقر في القدس، أدرك أن على تلك الأمانة أن تلقى على كاهلهم ككل أمانات المدينة المقدسة.

حاول الاحتلال تضييق الخناق على الفريق المرمم الذي كان يأتي من إيطاليا، يتشدد معهم في التحقيق بالمطار، ولا يجدد إقاماتهم إلا لأيام معدودة.

لكن أبو عيشة كان مصمما على الصمود وإتمام المهمة لإكمال مشروعه المقدس. ولأن هذه الحياة الشاقة، لم تكن ممتعة للعاملين من العالم الأول الذين يجوبون البلاد الواسعة من غير عوائق، لم يقدر جميعهم على الاستمرار.

أما عند أهل هذه المدينة الشريفة، فحبها ما جعلهم يصبرون على المكوث فيها، وهم المروعون في طرقاتها، والمهددون بالطرد من دورها أو الطرد عنها إلى المنفى أو غيابات السجون.

فكان أبو عيشة يدرك أحوال القدس وأهلها جيدا، وهو حين ترك إيطاليا بعد عشرين عاما ليستقر في القدس، أدرك أن على تلك الأمانة أن تلقى على كاهلهم ككل أمانات المدينة المقدسة. واستطاع في آخر ثلاث سنوات من عمر المشروع تدريب طلاب المدينة الشريفة من خريجي كليات الآثار والعمارة والفنون، فكان تمام المشروع على أيديهم.

أعود إلى الخزف العثماني من جديد، الذي سيق من قبة الصخرة إلى ذلك المحراب في كامبريدج ليؤنس الغربة ويذكرني بحكاية أبو عيشة والفسيفساء، إننا أينما ولينا وجوهنا سنطارد غايتنا، وربما لو صدقنا النية فإنها كذلك ستطاردنا. ولا يتوقف تداعي الأفكار عن هذه الحكاية، فما زال المسجد الأقصى عقدة حكايات أخرى نتبادل الأدوار فيها بيننا وبين عدونا.

فإذا كانت حكاية أبو عيشة استغرقت عشرين عاما للإعداد بين مأدبا وإيطاليا ودول أخرى، وعشر سنوات أخرى في جهاد البقاء بالقدس، فالعدو له حكايات أخرى، بدأب وببطء ومراوغة، من ستينيات القرن المنصرم، يحاك للمكان مشروع تهويد وإحلال، فكل قوى الشر تتكاتف معهم، كي نعتاد مشهد طقوسهم وتراتيلهم في ساحات المسجد.

على بعد أمتار من السور الغربي يقع متحف هيكلهم المزعوم يحيون تاريخا هجينا ومتوهما، يعيدون سبك الأواني ونسج ملابس الكاهن وبناء المذبح، يعدون الجوقة التي ستنشد الصلوات في جنبات المعبد.

هذه حكايتهم ولا سبيل لنا لمواجهتها، نحن الذين لا نملك إلا أنفسنا وأعمارنا، إلا بألف حكاية وحكاية من حكايتنا التي رويناها.

وكما صرح أبو عيشة مرة بقوله إن من أحبه الله أتى به إلى القدس. فاللهم إنا نسألك حبك، وأن تذهب بنا إلى بلادنا نافعين إن لم نكن محررين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.