شعار قسم مدونات

العقل الإسرائيليّ المُتعب!

Israel flag with human head and brain -3D illustration
لا يوجد شيء يتعب العقل الإسرائيلي أكثر من "الذاكرة" التاريخ دوما يسير صوب "الكشف" ما يحاول ستره (شترستوك)

لا يوجد شيء يتعب العقل الإسرائيلي أكثر من "الذاكرة" التاريخ دوما يسير صوب "الكشف" مهما حاول السدنة إظهار الوجه الجميل له، كما لا يوجد شيء يفرح إسرائيل أكثر من سقوط التاريخ -لا نهايته- حولها باعتبار سردية روايته واحدة تسرد فيه -إسرائيل- سيرتها وحكايتها الدينية والأسطورية والعنصرية و الإقصائية.

لكن السياسي في الشرق -العربي- يملك إصرارا اعتياديا في التعامل مع "العدو" من اللحظة لا من الفكرة، رغم أنه محبط ومصاب بالملل، لا يمتلك عبقرية التفاوض والصبر، يصر على مخاطبة "العدو" ككل متماسك واحد، لا متعدد متنوع متصارع، يراه مرعبا، فيما يرى العدو ذاته مهددة في بحر من محيط بدأ وكأنه يعيد النسق لحركته التاريخ، لا على مستوى الإقليم الجغرافي بل العالم.

هذا النسق المتجدد، لم يحرف مسار السياسي -الأمني كما العسكري- إذ مازال مصرا على فعله، رغم أن أحادية نظرته أخذته إلى أسطرة السيرة، إسرائيل في خياله "كيان" متماسك، قراراته ذات مشرب واحد، لكن عند تعامله المباشر يجده متعدد الأذرع والعقول، فتنقلب نظرة الحمل الوديع الى ذئب مفترس، يجند من خلاله هؤلاء وكأنهم جزء يتسق مع مشروعه.

هل يجب على السياسي في المنطقة التفكير في استبدال طريقة التعامل لا الاسترسال مع الحذر من النظر -للعدو- مباشرة وإلا تحول إلى حجر

  • فهل عقل السياسي الذي يقيم في تل أبيب، متخلف ومختلف جذريا عن العقل المتواجد في القدس؟

السياسي -الشرقي- يعتقد أن الخطورة تأتي من شواطئ البحر المتوسط، فيما الحقيقة والخطر يأتي من جبال القدس، الأمر ببساطة، أنت أمام دولة داخل دولة متعددة الرؤوس -ميدوسا Medusa- علمانية في تل أبيب، ودينية في القدس، الأولى تسيطر على أجهزة الأمن والمخابرات، فيما الثانية تسيطر على الجيش الديني المتطرف، الأولى تعشق التفاوض الأبدي الذي لا ينتهي، فيما الثانية من رأسها تخرج الأساطير بكل ما فيها من تاريخ ومرويات ودمار واستعباد وسير وحكايات متطرفة، توجه العالم إلى إشعال حرب دينية، المطلوبة بشدة للخلاص!

وعليه، هل يجب على السياسي في المنطقة التفكير في استبدال طريقة التعامل لا الاسترسال مع الحذر من النظر -للعدو- مباشرة وإلا تحول إلى حجر، لاسيما وأن قادة الأنظمة مازالوا يصدقون رواية "بوسيدون" وفي عين اللحظة ينتظرون "بيرسيوس" لقطع رأس الأفعى حتى يولد "بيغاسوس" المجنح، مع أن العدو ينظر لهم لا كأعداء بل كشركاء، مصيرهم مرتبط بمصير و وجود إسرائيل .!

هذا الاستبدال يمهد الطريق لإعادة "تموضع" التفكير الشرقي الكلاسيكي القائم أساسا على العقيدة والحرب، والقائل بضرورة أسلمة السياسة، كدرع للرد وردع "العدو"، أسلمة لا تتهرب من تدشين الصراع والحرب الدينية ضدها إن أخذت لها.

هذه المنطقة من الجغرافيا تمثل ميزان العالم، لهذا كتب على العالم أجمع النظر لرؤية ما ينتج فيها وعنها، فأثر الفراشة يطال الجميع، مصر في الشرق مثل اليابان في أقصى الخارطة

أليست كل الطرق -حاليا- تقود لذلك؟

انظر إلى ما يجري في الضفة الغربية بكل تطرف حتى في ظل الإنكار من الأطراف كافة؟، الجغرافيا قد تكون عاملا لكنه جانبي، أما العامل الأساسي الذي يشغل الجميع يتجسد في الدين، الدين الذي يحرك الشعوب والأساطير والجيوش ويعيد ترتيبها حسب مساراته، مسارات تمهد بل تخلق حروب الجميع ضد الجميع، حروب مكتوبة على الغرب كله، لا لأنه يريد فرض سيطرته وسلطته الرأسمالية النفعية ما بعد الشاذة، بل لأنه يمشي ويعيد صياغة داخله، وهذا لا يصح إلا بخلق حروب تعطيه روح البقاء، حروب تعيد تشغيل وتشكيل مكانته و ماكنته الاقتصادية والسياسية والعسكرية والصناعية على حساب الاجتماعية والدينية والثقافية، لحفظ بقائه وإلا اشتعل داخله، وأدى إلى تقسيمه وسقوطه وربما احتلاله، احتلال يسقط معه مستعمراته المتقدمة ووظائفها.

هذه المنطقة من الجغرافيا تمثل ميزان العالم، لهذا كتب على العالم أجمع النظر لرؤية ما ينتج فيها وعنها، فأثر الفراشة يطال الجميع، مصر في الشرق مثل اليابان في أقصى الخارطة، وجنوب أفريقيا مثل لبنان في قلبها، يطال نيكاراغوا كما يضع ألمانيا كمتهم أمام الجميع، فالعدالة تصنع ذاتها -بالدماء والأرواح- ومن هذه المنطقة يعاد تشكيل العالم من جديد، انطلاقا من فلسطين، حتى وإن بقي العالم الرأسمالي الغربي ينظر للصراع في كل مكان من عين المصالح المادية -المكيافيلية- والنفعية وما بعد الشاذة، لا من عقل الدين، فيما ينظر الشرق لكل ذلك من عين العقائد الجغرافية المقدسة، ربما لأن إيمانه الخفي يجعله مؤمنا بالوعد الحق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.