شعار قسم مدونات

هل يمكن الجمع بين السياسة والأخلاق؟

Domino effect shot on black background
الالتزام بالمبادئ الأخلاقية هو الذي يحقق مصالح الأفراد والجماعات والدول على المدى الطويل (شترستوك)

(لا أخلاق في السياسة) عبارة نسمعها كثيرا ومعظمنا يوافق عليها دون أن يفكر في صحتها ويدرك النتائج الخطيرة التي تترتب على الاقتناع بها.

لمناقشة هذه العبارة لا بد من تعريف كل من (الأخلاق) و(السياسة) وسأعرفهما بشكل مبسط بعيدا عن المناقشات الفلسفية التي ليس مكانها هذه المقالة.

الأخلاق هي ما اتفقت الشرائع السماوية والأرضية على اعتبارها صفات محمودة يجب التحلي بها. الأمانة والصدق والاحترام والتعاون والعدل والوفاء والرحمة صفات وسلوكيات لا يختلف عاقلان على اعتبارها (أخلاقية) واعتبار ضدها (لا أخلاقي) كالخيانة والكذب والإهانة والأنانية والظلم والغدر والوحشية.

أما السياسة فهي إدارة الشأن العام بما في ذلك إدارة مؤسسات الدولة وإدارة الخلافات بين مكونات المجتمع، وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الدولة وغيرها من الدول والمنظومات الإقليمية والدولية.

 

قد يحقق التخلي عن المبادئ الأخلاقية مصلحة على المدى القريب لكنه يؤدي إلى الخسارة على المدى الطويل، قد يزيد التاجر أرباحه مؤقتا بغش الناس، لكن عندما يكتشفون غشه سيخسر كل ما كسبه

السياسة بهذا المعنى لها تأثير كبير في حياة الناس ومصائرهم والاشتغال بها يندرج ضمن فروض الكفاية الواجبة شرعا، وإذا كان الالتزام بالأخلاق واجب شرعي أيضا فالجمع بين الأخلاق والسياسة ليس أمرا ممكنا وحسب بل هو أمر واجب، والقول باستحالة الجمع بينهما يعني أن الله أوجب علينا الجمع بين أمرين يستحيل الجمع بينهما وهذا عبث ننزه الله عنه.

السياسة هي تحقيق مصالح الناس، والالتزام بالمبادئ الأخلاقية يحقق مصالح الناس أيضا، لقد جعل الله الاستقامة على المبادئ الأخلاقية كالصدق والعدل والأمانة واحترام كرامة الإنسان هي السبيل إلى تحقيق الحياة الطيبة ومصالح البشر أفرادأ وجماعات {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: 97) {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا} (الجن: 16)

قد يحقق التخلي عن المبادئ الأخلاقية مصلحة على المدى القريب لكنه يؤدي إلى الخسارة على المدى الطويل، قد يزيد التاجر أرباحه مؤقتا بغش الناس، لكن عندما يكتشفون غشه سيخسر كل ما كسبه، قد يكسب السياسي مزيدا من الأصوات بخداع الناس، لكن عندما يكتشفون خداعه سينفضون عنه، قد يوطد حاكم حكمه بظلم الناس، لكن الظلم يخلق في المجتمع مشاكل وتناقضات لا تلبث أن تنفجر في وجه الظالم فتهدم كل ما بناه، قد تكسب دولة قوية مؤقتا عندما تقيم علاقاتها مع الدول الأضعف على الظلم والعدوان، لكن العدوان في العلاقات الدولية يخلق اضطرابات وحروب لا ينجو منها أحد في نهاية المطاف، وتاريخ العالم وحاضره يشهدان على ذلك.

إن الالتزام بالمبادئ الأخلاقية هو الذي يحقق مصالح الأفراد والجماعات والدول على المدى الطويل أما التخلي عنها في سبيل المصالح فسيؤدي في نهاية المطاف إلى خسارة المصالح والمبادئ معا، وهذه هي البوصلة الأخلاقية التي يجب أن ترشدنا ونحن نعيش مخاضا حضاريا عنيفا تواجه فيه شعوبنا الثائرة على الاستبداد التائقة إلى الحرية والعدالة والكرامة قوى عالمية وإقليمية ومحلية لا تهمها إلا تحقيق مصالحها ولو على حساب مصالح الشعوب وتطلعاتها.

ما من سياسي يرضى عنه الجميع ولابد من وجود معارضين ومنتقدين، لكن الناس تحكم في نهاية المطاف على النتائج  وتحترم من يشرح لها ويحترم عقولها.

تتوهم اللا أخلاقية في عمل السياسي عندما يقدم على خطوة ظاهرها سلبي على المدى القريب أو إذا نظرنا إليها من زاوية واحدة ولكنها إيجابية على المدى البعيد أو إذا نظرنا إليها من كل الزوايا (قالوا أخرقتها لتغرق أهلها؟)، وقد يتهم السياسي بالكذب عندما يستخدم التورية ليفهم من كلامه عدة معاني في سبيل احتواء المتناقضات وامتصاص الضغوط وهذا ليس كذبا بل جزء من المناورات السياسية.

بالمحصلة ما من سياسي يرضى عنه الجميع ولابد من وجود معارضين ومنتقدين، لكن الناس تحكم في نهاية المطاف على النتائج  وتحترم من يشرح لها ويحترم عقولها.

إن الاقتناع باستحالة الجمع بين السياسة والأخلاق سيدفع أهل الأخلاق إلى الزهد بالمناصب السياسية وبما أن هذه المناصب لا تحتمل الفراغ فسيشغلها من لا خلاق لهم وهذا سبب الثورات والأزمات والكوارث والحروب عبر التاريخ فالسياسات القائمة على الظلم والعدوان  والعلو في الأرض لا تسبب إلا الانهيارات والصراعات ولو وفرت لأصحابها فوائد مؤقتة.

إن تحقيق العدل أو القسط في الأرض مطلب إلهي (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بالقِسْط) (الحديد: 25) والركون إلى الظلم والظالمين هو ذنب يعاقب عليه الله (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود :113)  وبما إن تحقيق العدالة ومقارعة الظلم في عصرنا هذا لا يتحققان إلا ببرامج عملية تتبناها أحزاب سياسية تملك رؤى واضحة واستراتيجيات محددة، تصبح المشاركة السياسية و اجبا شرعيا وصمام أمان يحمي المجتمع من المستبدين والمفسدين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.