شعار قسم مدونات

وحي السينما الخفي!

FW: مادة/ لص بغداد.. معرض ملصقات لزمن السنيما الذهبي
وحي السينما الخفي.. يرسم صورة البطلة النسوية القادرة بنفسها على كل شيء (الجزيرة)

من بين كراسي الطائرة أمامي استرقت النظر إلى فيلم تتابعه فتاة مراهقة على شاشة المقعد أمامها، ما شد نظري أن الأحداث تدور حول شابة تطاردها عصابة أو جيش كامل فتقتل منهم الواحد بعد الآخر، وينجحون بإصابتها لكنها تصبر وتقاوم وحدها.

وتستمر المطاردة في البر وأعماق البحر وهي وحدها، لا والد ولا ولد معها، بل ولا حتى بطل وسيم عاشق!

كان الأبطال يجتمع فيهم صفتان وهدف مشترك، أنهم خارقون في قواهم، وأنهم مقنعون مجهولون في هوياتهم، وهدف الجميع هو إقامة العدل والإنقاذ السريع.

هذا ما أسميه (وحي السينما الخفي)، ولن يظهر للفتاة التي أسترق النظر إلى مشاهدتها أن هذا الوحي اخترق وعيها ووصل إلى صفحة التأثير خارج الوعي، وكتب فيها أخطر أفكار النسوية المتطرفة، ورسم فيها صورة البطلة النسوية التي تهرب وحدها، وتحارب العالم كله وحدها، وتنتصر وحدها، ولا تكسرها الجراحات والإصابات، تشق من ثيابها وتضمد جراحها وتكمل هروبها ونضالها.

هذه البطولة تشبه التحول الأخير في شخصية (باربي)، هذه البطولة تختلف تماما عن البطولة التي تنتمي إلى فلسفة غربية سابقة. فقد كان الأبطال يجتمع فيهم صفتان وهدف مشترك، أنهم خارقون في قواهم، وأنهم مقنعون مجهولون في هوياتهم، وهدف الجميع هو إقامة العدل والإنقاذ السريع. (الرجل الوطواط، والرجل البرق، سوبرمان..) كل هؤلاء صنعهم (وحي السينما) ليجسدوا فلسفة سابقة تنتمي إلى فلسفة إعلان موت الإله وتربع الإنسان على عرشه.

هذه الفلسفة التي عبر عنها الفيلسوف الألماني نيتشه لما تقمص شخصية رجل أخرق وهو يحكي مشهدا يصور به نشوة اللحظات التاريخية في نجاح الثورة على الكنيسة، فيقول: (أما سمعتم بذلك الرجل الأخرق الذي أوقد فانوسه في وضح النهار ثم صار يجري في ساحة السوق ويصيح دون توقف: أبحث عن الاله، إني أبحث عن الإله!

ولما كان كثير ممن لا يؤمنون بالإله متواجدين فقد أثار ضحكا كثيرا، فقال أحدهم "هل فقدناه؟". وقال آخر "هل شرد مثل طفل؟"، "أم هل يختفي في مكان ما؟ هل هو خائف منا؟ هل أبْحَر؟ هل هاجر؟ "هكذا كانوا يصيحون ويضحكون جميعاً في ذات الـوقت.

سارع الأخرق إلى وسطهم واخترقهم بنظراته، أين الإله؟ صاح فيهم، أنا سأقـوله لكم! لقد قتلناه. أنتم وأنا! نحن كلنا من قتله!).

مات الإله! ويظل الإله ميتا! ونحن هم الذين قتلناه، كيف سنعزي أنفسنا؟ نحن أكبر القتلة؟

إن أقـدس وأقوى ما ملك العام إلى الآن قد نزف دمه بطعنات خناجرنا.

من سيمسح هذا الدم عن أيـدينا؟ أي ماء سيطهرنا؟ أية مراسيم تكفيرية؟ أي ألعاب مقدسة يجب علينا أن نبتكر؟ وعظم هذه الفعلة أليس شيئا يفوق طاقتنا؟

ألا يجب علينا أن نصير نحن أنفسنا آلهة كي نبدو جديرين بهذه الفعلة؟ ولا ريب أن السُّكر في شخصية نيتشه تعبر عن النشوة والحماسة التي تجسد اندفاع الغرب وانفلاته من قيود النصرانية المحرفة.

وكان من المنطقي أن ترفع الثورة من شأن الفلاسفة لتتربع على العرش المزعوم، وظنت أوروبا أنها لم تعد بحاجة إلى إله تتحاكم إلى شرعه وتنطلق من ثوابته في الفصل بين الخير والشر والقيم والثوابت والمقدمات التي تؤسس للتوسع الصحيح في معرفة الكون وقوانينه.

كل ذلك لم يعد منطقيا بعدما أصبح الفيلسوف الأحمق جديرا بالتربع على عرش الإله.

الغريب أن سوبرمان ليس مقنعا، فهل شذ بذلك عن الصفة التي تعوض عن كون الإله من عالم الغيب؟ على العكس من ذلك تماما، فقد كان هذا الخارق من كوكب غير كوكب الأرض، هذا وحده يعوض جزءا من صفة الإله.

من يومها بدأت الفلسفة مع الأدب في تأليه هذا الإنسان، ومن مظاهر ذلك خلق شخصيات خيالية لأبطال يجمعهم وصفان، أنهم خارقون ومقنعون. فالرجل الوطواط يكتسح القصص والمجلات ودور السينما. بطل خارق! ومقنع، يحارب الجريمة.

(خارق) حتى يعوض عن صفة القدرة المطلقة للإله، وهو (مقنع) لأن الإله من عالم الغيب وما وراء الطبيعة. و(يحارب الجريمة) حتى يغني عن عدل الله وحسابه ويعوض الإنسان عن عبوديته وافتقاره إلى الله. هذا الافتقار أودعه الله في وجدان الإنسان وتكوينه. لأن الإنسان ربما يغتر بقوته وقدراته، لكن الله يضطره إليه في لحظات الشدة فلا يبقي له عونا ولا نصيرا.

لذلك يقال إن أحد الملحدين سُئل: متى يمكن أن تؤمن بالله؟ فقال: إذا قفزت بالمظلة من الطائرة ولم تنفتح المظلة، عندها لن يبقى كِبر ولا غرور ولا صديق ولا معين.

لكن فلاسفة الثورة على الدين لن يقبلوا بهذا المنفذ سبيلا يعود بالمضطرين إلى الإله، هذا الإنسان الذي يهوي إلى الأرض لم يعد محتاجاً إلى الله، سينقذه مقنع ذو قدرة خارقة، فالرجل العنكبوت سيختطفه بشباكه قبل أن يصل إلى الأرض.

يتكرر مثل هذا المشهد مع إنسان آخر يهوي من أعلى ناطحة سحاب فيطلق استغاثته بسوبرمان، وفعلا يسمعه سوبرمان بسمعه الخارق من مكان بعيد، فيستجيب ويطير إليه ويعود به إلى الطابق الذي سقط منه.

الغريب أن سوبرمان ليس مقنعا، فهل شذ بذلك عن الصفة التي تعوض عن كون الإله من عالم الغيب؟ على العكس من ذلك تماما، فقد كان هذا الخارق من كوكب غير كوكب الأرض، هذا وحده يعوض جزءا من صفة الإله.

شخصيات كثيرة أخرى حاولت الفلسفة السابقة مع الأدب والإعلام أن تعوض بها النقص والفراغ الكبير الذي يتركه إعلان موت الإله، وشخصيات نسائية مثيرة أخرى تجسد أحلام النسوية في تحرير المرأة من حصن الأسرة.

وما بقي من صفاته وشخصيته يؤكد قصد الأدباء والفلاسفة إلى التعويض به عن الإله، فهذا الخارق له شخصية أخرى يختفي فيها في حياته بين الناس، فهو صحفي خجول انطوائي، لكن من يدري لعل من تراه إنسانا خجولا يخفي تحت ثيابه قوة خارقة وثيابا خارقة. في ظاهره إنسان وفي حقيقته وباطنه وتحت ثيابه خارق أتى من كوكب آخر يمكنه أن يطير ويغيث، حتى أنه يمكن أن يسابق الرصاصة التي انطلقت من مسدس المجرم إلى صدر الشرطي فيحول بينها وبينه ويتلقاها بجسده الخارق فترتد عنه كما ترتد الحصى.

شخصيات كثيرة أخرى حاولت الفلسفة السابقة مع الأدب والإعلام أن تعوض بها النقص والفراغ الكبير الذي يتركه إعلان موت الإله، وشخصيات نسائية مثيرة أخرى تجسد أحلام النسوية في تحرير المرأة من حصن الأسرة.

وما يثير القلق أننا نواجه هذا الوحي الإعلامي بكتب عارية، نناقش فيها الشبهات كما كان آباؤنا يفعلون في زمن الاستشراق والتلفزيون الأرضي والقناة الواحدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.