شعار قسم مدونات

المقاومة في مفهوم العقل الجمعي!

جدارية على الجدار الفاصل بين لبنان وفلسطين المحتلة
جدارية على الجدار الفاصل بين لبنان وفلسطين المحتلة (الجزيرة)

المقاومة لغة هي "الممانعة، وعدم الرضوخ لتغييرات وقوى مفروضة من الخارج".

بهذا المفهوم فإن المقاومة تحمل وجهين؛ أحدهما إيجابي، وهو دفع محاولات التغيير، والتمسك بالثوابت، لاسيما إن كانت هذه التغييرات تأتي من الخارج، أي تأتي من مجال بعيد عن المجال الذي نشأ وتربى فيه المقاوم؛ لكن هذا المعنى أيضاً يحمل من السلبية ما يجعل مفهوم المقاومة مرفوضاً بالكلية إذا كانت هذه التغييرات، التي تأتي من الخارج والتي لم يألفها المقاوم، تحمل الخير له ولمجتمعه.. فليس كل ما يأتي من الخارج ضارّاً، وليس كل ما هو غير مألوف مرفوضاً.

يقول الإمام علي رضي الله عنه: "الإنسان عدو ما يجهل"، ومن ثم فإن كل مقاومة لما لا يعرفه الإنسان جهل، وكل ممانعة لكل تغيير جهل، وكل دفع لكل مستحدث بغير معرفة ماهيته جهل.. إذن، فالمقاومة من غير علم تضر أكثر مما تنفع، وتُخرج الفعل المقاوم من الحالة الإيجابية وما تعنيه من التمسك بالثوابت، إلى حالة عرقلة حركة تقدم، أو منع خير قد يعم المجتمع. والعكس بالعكس فيما لو علم الدافع ماهية المدفوع.

من جملة ما هدم هذا الطوفان تصورنا لأعدائنا، وتصورنا لأنفسنا.. ومن الغريب أننا كنا نقاوم أنفسنا، ونمرر تيار التغيير الذي أوصلنا إلى هدم أنفسنا وتنحية ثوابتنا، لنصدق فِرًى لم تكن لنصدقها لولا بعدنا عن منهجنا

في الفيزياء، تُعرّف المقاومة الكهربائية بأنها قابلية المواد لمقاومة مرور التيار الكهربي فيها، أي إعاقة المادة مرور التيار الكهربي.. وإن بين الأنظمة التي تدفع بالتغيير وبين الشعوب التي تقاوم مرور هذا التغيير تبادل أدوار؛ ففي بعض الأحيان تلعب الأنظمة دور التيار الكهربي، وفي بعضها الآخر تلعب دور المادة، وبين هذا وذاك تتجلى معاني المقاومة، بين خير أريد لمن في الأرض أو شر أحيط بهم، ويتوقف تقييم الأمر على مدى وعي وإدراك أهل تلك الأرض، ومدى فهمهم لأسس وقواعد الصراع.

في السابع من أكتوبر من العام الماضي، أحدث طوفان الأقصى زلزالاً في منطقتنا العربية، وُجد أثره في العالم أجمع، فهدم ما هدم، وصدّع ما قاوم وتماسك، لكنه في النهاية هز كل الثوابت التي ترسخت على مدى ثمانين عاماً أو يزيد، وأحدث فهماً جديداً لكثير من القيم.

ومن جملة ما هدم هذا الطوفان تصورنا لأعدائنا، وتصورنا لأنفسنا.. ومن الغريب أننا كنا نقاوم أنفسنا، ونمرر تيار التغيير الذي أوصلنا إلى هدم أنفسنا وتنحية ثوابتنا، لنصدق فِرًى لم تكن لنصدقها لولا بعدنا عن منهجنا، ولم يكن ذلك ليحدث إلا بغياب معارفنا الملحّة، وأولى هذه المعارف هي معرفتنا بديننا، وما نزل على نبينا من تربية تقوّي فينا العزيمة، وتزرع فينا المقاومة.. فالصلاة قال فيها رب العزة: {واصطبر عليها}، وفي الصوم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والصوم نصف الصبر". ولعل صاحب المنهج هو أول من قاوم ثوابت قومه فغيرها، وعلّم صحابته في المقابل الثبات على ما أتى به.

المقاوم لا يمكن أن يحصل مرتبة المقاوم وهو مثقل بأعباء الحاجة، التي زرعتها الرأسمالية لتذل بها الناس وتستعبدهم، كما أن زرع الإحباط هو ديدن النظم الدكتاتورية لتُقعد الناس عن طموحهم

للمقاومة أشكال، لعل أظهرها تلك المقاومة التي تدفع المحتل، وهي فطرة إنسانية، لم يختص بها شعب دون آخر، ولم يمارسها الأبيض ويتركها الأسود امتهاناً أو ضعفاً؛ إنما مارسها الأوروبيون فيما بينهم لما نهب بعضهم في أرض بعض، وفعلها الأميركيون اللاتينيون حين غزاهم الأوربيون، واستبسل فيها العرب والمسلمون عندما طمع الأوربيون والأميركيون والفرس في خيرات بلادهم.. والتاريخ سطر سير آلاف من المقاومين ومجدهم، مثل خوسيه أنطونيو ماسيو وسيمون بليفوار، وجيفارا في أمريكا اللاتينية، ومحمود الغزنوي في الهند، والحبيب بن عبد الرحمن الزاهر في إندونيسيا.. والقائمة تطول، لكن الشاهد أن المقاومة المسلحة هي ما رسخ في أذهان العقل الجمعي.

للمقاومة أشكال أخرى، أهمها مقاومة النفس والشهوات، ومقاومة الإحباط، ومقاومة المغريات، ومقاومة حب المكتسبات والمتحصلات؛ فإن المقاوم لا يمكن أن يحصل مرتبة المقاوم وهو مثقل بأعباء الحاجة، التي زرعتها الرأسمالية لتذل بها الناس وتستعبدهم، كما أن زرع الإحباط هو ديدن النظم الدكتاتورية لتُقعد الناس عن طموحهم، وتحوّلهم من مادة قابلة ودافعة للتغيير إلى عنصر خامل أو مقاوم لذلك التغيير.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.