شعار قسم مدونات

الثورة التونسية ورقصة "الفالس" التي لم تكتمل!

غلاف كتاب الكوليبري وشجرة الأكاسيا
غلاف كتاب الكوليبري وشجرة الأكاسيا (الجزيرة)

مثلت الثورة التونسية حدثا سياسيا بامتياز، لكن الروايات التي كتبت عنها لم تنضبط لمدارها، بل طالت الاجتماعي والثقافي والنفسي والجمالي، بين رواية الأحداث ورواية الشخصيات ورواية الأمكنة، لتأخذ وجهين شديدي الوضوح، فهي "بداية جديدة للعالم" حسب إدوارد سعيد، و"شهادة أدب" وفق إلياس خوري.

ولم يكن الحدث الثوري سوى قادحا أوليا، فالإرهاب والهجرة غير النظامية والعنف والعنصرية والسقوط الأخلاقي والذكورية والفساد والاغتيالات والإسلام السياسي والأقليات الدينية، والإعلام والصحافة والثورة ، مثلت سندا روائيا وأفقا تخييليا لأغلب الروائيين، وتراوحت حيلهم الأسلوبية لتقديم نظرتهم إلى العالم، ومنهم ماهر عبد الرحمان في روايته "الكوليبري وشجرة الأكاسيا"، التي صدرت في نسختها العربية منذ أسابيع عن دار الكتاب بتونس بعد أن صدرت باللغة الإسبانية عن منشورات دار سيال-بيغماليون بمدريد.

يدمج الكاتب نصا موازيا بعنوان "كراريس الذاكرة"، وهي تدوينات/ اعترافات بإيقاع داخلي ونفس حكمي، منشؤها حدس البطل الذي يقول "الحدس هو تجليات الصدق الكامن فينا"، وكأن بطل ماهر عبد الرحمان، يذكرنا ببطل جبرا إبراهيم جبرا في رواية البحث عن وليد مسعود عندما يقول "الحدس هو المهم".

الرواية الواعية بذاتها

يشتغل الكاتب على الحقل الإعلامي، وتحديدا التصوير التلفزي، في عملية السرد وتطوير الأحداث والشخصيات، وأيضا من خلال المعجم الدلالي، وهو حقل ظلَّ ثانويا في المدونة الروائية التونسية، فأغلب الروايات حامت حوله دون سبر أغواره وأدواره في مسار الثورة التونسية، ولذلك يمكن تصنيف هذه الرواية فيما يعرف بـ "الرواية الواعية بذاتها"، فماهر عبد الرحمان يكسر الحدود بين الواقع والخيال، فضلا عن جمالية التصوير والكتابة المتخففة من السرد النرجسي، والتوظيف البليغ للرموز السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية، والمحاكاة الساخرة لواقع أليم، وخلق بنية وصفية تقوم على التصوير الفنتازي/ الكاريكاتوري، يوظفها بوتيرة تصاعدية، وبشكل "صارم" لتأمين حياده وردم الهوة بين وهج خيال الروائي وسطوة ذاكرة الإعلامي.

يتتبع الكاتب سيرة البطل سمير التوزني ورحلته في عالم الصحافة والإعلام بين 2007 و2016، فينشئ له علاقة سببية/ سحرية مع عنصرين اثنين من غير جنس البشر، طائر الكوليبري بما يحمله من دلالات الطيران والتحليق والتحرر والحركة والهشاشة والجمال، وشجرة الأكاسيا، بما تحمله من دلالات الثبات والمقاومة والتجلد والتجذر والتأقلم ، كما يدمج الكاتب نصا موازيا بعنوان "كراريس الذاكرة"، وهي تدوينات/ اعترافات بإيقاع داخلي ونفس حكمي، منشؤها حدس البطل الذي يقول "الحدس هو تجليات الصدق الكامن فينا"، وكأن بطل ماهر عبد الرحمان، يذكرنا ببطل جبرا إبراهيم جبرا في رواية البحث عن وليد مسعود عندما يقول "الحدس هو المهم".

إنه زمن الخوار، زمن إعلام الإفك، المتقوقع في الأسوار

زمن إعلام الإفك

تبدأ الرواية من نهاية بطلها، فتقدم نهاية صحفي مغامر "يحبّ اللعب مع الموت"، ويتذكر "ضريبة الدم التي ندفعها كمصورين وصحافيين"، فتحوّله إلى "صاحب إعاقة" بسبب إصابته بشظية في أحداث بنقردان، ولن يكتشف القارئ ذلك إلا في الفصل الأخير من الرواية، حيث يفترض تسلسل الأحداث أن تكون نهاية الرواية الطبيعية، فالكاتب يعيد بعثرة الأوراق، ويبدأ السرد من حيث يتوجب أن ينتهي.

ويراوح الكاتب بين زمني السرد والحكي، ويبني قصصا مفتوحة يعود إليها في فصول لاحقة، ويمنح شخصياته مسافات متفاوتة تجعلهم متحررين في التنقل بين الأزمنة، كاسرا تعاقبية الزمن وسيرورته المنطقية، رغم انسجام الإشارات التاريخية، لكن هذا الزمن يتحرر من حياديته؛ لأنه زمن نفسي مشحون بالتحولات الحسية والمشاعر التي عاشها البطل أو تنبأ بحدوثها، عندما نكتشف أنه دوّن منذ أبريل/ نيسان 2007 في كراريس الذاكرة: "إنه زمن الخوار، زمن إعلام الإفك، المتقوقع في الأسوار"، والبطل شخصية إشكالية/ مركبة يغلب عليها الطابع المأساوي، وحياته تبدو مسارا لا نهائيا من التراجيديا السوداء، كحال البلد والثورة والأمنيات المهدورة على قارعة الخذلان، لذلك يجد ملاذه في عملية التطهر/ الكاترسيس أمام شجرة الأكاسيا عساها تمنحه الأمل.

مكان السرد في بداية الرواية هو نفسه مكان الأحداث في الفصل الأخير، أقصى الجنوب التونسي، مكان يحضر بتمظهرات مختلفة تتعلق بالحالة النفسية للبطل في أماكن أخرى تعمق غربته واغترابه. وتظل مدينة بنقردان المكان الطاغي على الرواية، يحملها البطل في داخله، وتتنقل معه مثل جذور الأكاسيا أينما حلق بجناحي الكوليبري، ويأخذنا الكاتب في رحلة إتنوغرافية للجنوب، ويفرد لوحة فسيفسائية عن الأصول والأعراق، والتقاليد والعادات، واللهجات والهجرات، والثورات وتحالفات القبائل، والتفاصيل اليومية وطبيعة الناس، ولا يكتفي الكاتب بكتابة القصص بالصور، بل يقدّم صورا مكتوبة بلغة حية وجمالية مرهفة، صورا كثيرة بالأبيض والأسود وقليلة بالألوان، ويترك للقارئ مهمة تحميضها وتجفيفها، ليكتشف فترة عصيبة من تاريخ تونس.

ويوظف ماهر عبد الرحمان الإشارات التي تتعلق بعالم الصحافة والإعلام بشكل يخدم القص، يوردها بشكل برقيّ في سياق تطوير الأحداث؛ ليكسب صفة الروائي دون أن يكشف صفة الإعلامي فيه، فالمصورون – مثل بطله- "هم جنود الخفاء الذين يكسبون المعارك ولا يراهم أحد".

السؤال الذي يطرحه الكاتب ليس: كيف يتحول الإنسان إلى حيوان؟ بل: كيف يفقد الإنسان إنسانيته، ويفقد الوعي بأنه فقد كينونته؟

عوالم سحرية عجائبية

يطير الكاتب بالقارئ إلى عوالم عجائبية يمتزج فيها الخيالي بالواقعي، وتمنح السرد غموضا وسحرا من خلال استثمار ما يبدو متناقضا وغير منطقي؛ لبناء قصص "مقنعة"، حيث يغامر الكاتب، بلغة بسيطة وسرد غير معقد، وبأسلوب يستند إلى التصوير والمحاكاة والسخرية والتشخيص والتحول والتهويل، فيضعنا أمام مسوخ بشرية تحولت إلى حيوانات، في محاكاة ساخرة، بل كاريكاتورية، للمشهد السياسي التونسي بعد الثورة، فنستحضر رواية "فرنكشتاين في بغداد" للكاتب أحمد السعدواي، وبطله هادي العتاك، الذي يقوم بجمع بقايا جثث ضحايا تفجيرات شتاء 2005 ليشكل كائنا غريبا غير متناسق، ولكنْ عندما نقترب أكثر من "تقنية" ماهر عبد الرحمان نجد أن مسوخه أقرب إلى شخصية غريغورسامسا في رواية التحول لفرانز كافكا.

والسؤال الذي يطرحه الكاتب ليس: كيف يتحول الإنسان إلى حيوان؟ بل: كيف يفقد الإنسان إنسانيته، ويفقد الوعي بأنه فقد كينونته؟ عندما يجد القارئ نفسه أمام قيادات حزبية تأخذ هيئة الجراد، ويبرز الكاتب العلاقات السببية بين حزب الجرادة وأيديولوجيته وتحالفاته وإجرام قواعده، الذي بلغ حد الاغتيالات السياسية والتفجيرات الإرهابية، ومن هذه الهيئة الحيوانية فرخت هيئات شبيهة بها تدور في فلكها، منها حزب الذباب الأزرق وحزب الجعلان وحركة الدبابير، وكل هذه الحشرات وزّعت الأدوار فيما بينها تحت قبة البرلمان وخارجه وشرعت في تقسيم الغنائم بعد انتخابات خريف 2011، ولن يتوه القارئ عن الأحزاب العقائدية التي اغتالت الثورة باسم الرب، والتنظيمات الإرهابية التي اغتالت الأبرياء باسم الرّب، والصحافيين والقنوات التلفزية التي غلفت دعوات القتل باسم الرّب..

ولا يستثني الكاتب أحدا من هذا التحول والتشوه، فأحزاب اليسار القريبة من بطله بدفاعها عن العدالة والمساواة والعمال والفقراء، تأخذ قياداتها هيئة حيوان الورل بلسانه المشقوق، ضمن "ائتلاف الورل"، تحولا منطقيا، فالورل عنيد ومتغير المزاج وتصعب تربيته، تماما مثلما يصعب تدجين اليساريين، وائتلاف الورل لا يمتلك "أي برامج سياسية سوى معارضة أي برامج للأحزاب الأخرى"، والشخصية الوحيدة التي تفلّتت من كل هذا التشوه فتحي سيدهم، الناطق الرسمي باسم ائتلاف الورل، في إحالة على الشهيد اليساري شكري بالعيد، الذي ينجو من حضيرة الحشرات والزواحف بفضل الظهور المغاير للكوليبري.

وفي سياق التحولات الهجينة، يلقي الكاتب الضوء على زمن كتابة الرواية (2020/2021)، بظهور جسم سياسي جديد يسميه "حزب الضب" سيبتلع "كل الأحزاب الأخرى كبيرها وصغيرها؛ لأنه بدا مسالما وادعى نظافة اليد"، في إحالة على ظهور وتغلغل التيار الشعبوي بعد انتخاب قيس سعيد رئيسا للجمهورية التونسية في 2019.

يقول السارد "مات الشباب في المظاهرات فزحف الجراد والجعلان والذباب الأزرق والأورال وعجائز السياسة"؛ لنكتشف الخراب المعمم في الفصول اللاحقة حيث يتتبع المصور التلفزي/ البطل أحداثا واقعية أليمة عاشتها تونس بين 2012 و2016، أحداثا واقعية يمزجها الكاتب مع أحداث متخيلة تعيشها الشخصيات الروائية المحيطة ببطله.

ماهر عبد الرحمان يعتني بالصحافة والإعلام في روايته، ويفرد لها الحيز الأكبر؛ ليكشف الغطاء عن تلك المتهمة دائما، البريئة أحيانا، وعن دورها وتقنياتها وأخلاقياتها وكواليسها وتأثيرها وانحيازها ومآسيها..

الصحافة المتهمة والبريئة

يدمج الكاتب نصا موازيا، يوزعه في شكل شذرات، حيث يورد تدوينات للبطل ترفد الرواية وترافق تطورها وتجاور وتيرتها، ولئن وردت وحدات مستقلة بذاتها، فهي على اتصال وثيق بالنص الأصلي، تحيل إليه أو تأخذ منه، تضيء جوانب منه أو تفسر غموض أحداثه، عتبات لدخول فصل أو الخروج من آخر، تنتج دلالاتها من ذاتها وتصبغها على ما سبقها أو ما لحقها من أحداث، في معمار متناسق، تندمج في الوحدة النصية الكاملة دون أن تفقد استقلاليتها ووحدتها، فكل ما في الرواية له دلالة مثلما يقول رولان بارت.

تنهض التدوينات على التكثيف والإيحاء والترميز، ولا تقدم شرحا أو تفسيرا أو توضيحا، فبنيتها اللغوية تختلف عن بنية السرد، وإحالاتها ومرجعياتها تختلف عن إحالات ومرجعيات السارد، رغم أنه كاتبها، نصوص مثلما يعرّفها جيرار جينيت "أقل وضوحا وأكثر اتساعا"، لذلك اتسمت بقدرتها التحفيزية وهي تنسج خطابا ميتا- روائيا يسور النص الإبداعي، وتنتج تقبلا جماليا مضاعفا، بل هي "البهو" – وفق لوي بورخيس- الذي ندلف منه إلى دهاليز نتحاور فيها مع المؤلف الحقيقي والمتخيل.

تدوينات، تراوح بين التعبير عن الحالات النفسية للسارد، أو عن مواقفه وفكره تجاه جملة من القضايا، وتعبر عن تطور شخصيته، يرفدها الكاتب بإحالات من الأسطورة والتاريخ، والفلسفة والشواهد، والتراث الديني والسير الشعبية، والحكم والمواعظ والشعر والأدب، وتقوم على بنية لغوية قوامها السجع والإيقاع الداخلي، والكثير من المجاز والاستعارة والتكثيف.

يكسر الكاتب/ الإعلامي ماهر عبد الرحمان جمود القصة الخبرية المكبلة بالتقارير الإخبارية الجافة من خلال المشي باتزان فوق الخيط الرفيع الفاصل بين الرواية والصحافة، فلا يترك القارئ ليفْصل بين صحفي يكتب رواية وروائي ينقل قصصا من الواقع، متحررا من "اضطهاد المهنة"، مثلما يصفها همنغواي، ولأنها "أفضل مهنة في العالم" مثلما يقول غارسيا ماركيز، فإن ماهر عبد الرحمان يعتني بالصحافة والإعلام في روايته، ويفرد لها الحيز الأكبر؛ ليكشف الغطاء عن تلك المتهمة دائما، البريئة أحيانا، وعن دورها وتقنياتها وأخلاقياتها وكواليسها وتأثيرها وانحيازها ومآسيها..

ويورد كل ذلك في سياق السرد وبما يخدم بناء الشخصيات وتطور الأحداث، فينقلنا من الصحافة "التقليدية" إلى صحافة المواطنة، أو ما يعرف بصحافة الموبايل "mobile journalisme"، وبين بداية الرواية ونهايتها يتدرج الكاتب في توظيف أساسيات هذا الميدان، في مسارين متوازيين، واحد يفضح ممارسات السلطة ومواخير الإعلام، وثان ينتصر لشرف المهنة، ولشغف المتشبثين بإعلام حر ومستقل، "فالأبطال الحقيقيون هم صانعو المضامين".

يمكن تشبيه رواية ماهر عبد الرحمان بشجرة الأكاسيا الصغيرة التي تنبت من أمها العجوز، فعروقها تنمو نضرة من خياله ولغته وأسلوبه، ومن رواياته السابقة: "عين الحمام"، "شجرة التين الأسود"، "كلاريناتشماتلوخ"، في معمار سردي وفني لا يشبه أحدا سواه، وهي تأخذ من أجنحة طائر الكوليبري؛ لتحلق في سماء مفتوحة مازال فيها لصاحب كتاب "سيرة حامل ميكروفون" ما يروي ويسرد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.