شعار قسم مدونات

بالطبع أنت تمزح يا سيد فاينمان!

كتاب Surely You're Joking, Mr. Feynman
غلاف كتاب "Surely You're Joking, Mr. Feynman" (بالطبع أنت تمزح يا سيد فاينمان!) للفيزيائي الأميركي ريتشارد فاينمان (الجزيرة)

سأكون صادقة، لقد قرأت عشرات الكتب الفكرية والتقنية والفلسفية في مجال الفيزياء، وحتى كتب السيرة الذاتية لعلماء وشخصيات بارزة في المجال. وفي أفضل حالاتي كان يصيبني نهم شديد أعجز عن اشباعه وابتسامة لا تفارقني لأيام كما المخمور من فرط المتعة، ولمعة في عيني بالكاد تخفت وأنا أسترجع تفاصيل ما قرأت، أضم الكتاب بين جوانحي وأغوص في تفاصيله كمن وقع على كنز ثمين.

لكن لم تصل بي المتعة حد الضحك بصوت عال إلا مع كتاب السيرة الذاتية لفاينمان: "Surely You’re Joking, Mr. Feynman!" (بالطبع أنت تمزح يا سيد فاينمان!).

لقد ارتبط اسم فاينمان في ذهني دائما بما يسمى: "مخطط فاينمان" في فيزياء الجسيمات، وهي تمثيلات بيانية تساعد الفيزيائيين في حساب الاصطدامات والتفاعلات بين الجسيمات الأولية (الجسيمات الأساسية التي تتكون منها باقي الجسيمات الأكبر والأعقد) دون الحاجة إلى معادلات رياضية معقدة.

كتاب "Surely You’re Joking, Mr. Feynman" رحلة ممتعة في حياة واحد من أعظم العقول الفيزيائية في القرن العشرين. وليس فقط مجموعة من الحكايات الطريفة والمغامرات التي عاشها الفيزيائي الشهير ريتشارد فاينمان

هذا الابتكار لم يسهل فقط عملية الحسابات الرياضية بل أيضا أتاح فهما أعمق للطبيعة الأساسية للتفاعلات الكمومية. لقد كان مجرد السير على مخططاته -بالنسبة لي- متعة بالغة، كأنك تجرب بهجة تتبع خطوات الكون على طريقة فاينمان؛ مع كل سهم يتدفق الزمن من بين يديك وأنت تغوص في عمق الكون اللامتناهي، وفي كل تلاق فرصة لسرد تفاصيل حكاية تفاعلات اصطدامات جديدة. فكيف تكون تجربة التعرض لبهجة الحياة والعلم على طريقته؟

كتاب "Surely You’re Joking, Mr. Feynman" رحلة ممتعة في حياة واحد من أعظم العقول الفيزيائية في القرن العشرين. وليس فقط مجموعة من الحكايات الطريفة والمغامرات التي عاشها الفيزيائي الشهير ريتشارد فاينمان والمأخوذة من محادثات عفوية مسجلة له مع صديقه رالف لايتون، والتي لا ترتبط مباشرة بحياته المهنية. بل يفند الصور النمطية الشائعة حول العلماء؛ فيصور نفسه كعالم مجرد من هالته المرموقة من جهة (وفاينمان لمن لا يعرفه متحصل على نوبل الفيزياء عام 1965 وعقل إحتسابي computational جبار)، وشخصية ذات مهارات اجتماعية من جهة أخرى. إذا كنت فيزيائيا، فإن هذا الكتاب لا غنى لك عنه. وإذا لم تكن، فستستمتع بكل كلمة فيه، حيث يأخذك في مغامرات لشخصية عبقرية فريدة.

الكتاب مقسم إلى خمسة أجزاء، كل منها يحتوي على قصص ومواقف مختلفة تبرز جوانب متعددة من حياة فاينمان. سوف يشعر العديد من محبي العلوم بالارتباك حيال هذا الكتاب. فهنا ريتشارد فاينمان -الذي يعتبره معظم زملائه أفضل فيزيائي نظري في العالم- يتصرف كطفل مشاكس، يشم آثار أقدامه وهو على أربع ليرى ما إذا كان يستطيع تتبع خطواته كما يفعل كلبه، ويقبل بكل سرور شرب "الكريمة والليمون" في حفل شاي ببرينستون.

يظهر فاينمان نفسه كوقح وغير مهذب. حسنا، يجب على القارئ ألا يأخذ كلام فاينمان مأخذ الهزل دائما، ما ستدركه وأنت تقرأ بحذر أن إحدى حيله المفضلة هي خداع الناس بقول الحقيقة البسيطة. غالبا ما يكون أكثر فكاهة عندما يكون جادا. إنه ببساطة يمزج الحقائق بالهزل، يجعلك تضحك بصوت عال وأنت مستغرق في التفكير العميق في نفس الوقت. إنه يخدعنا، ويبدو أنه شيء يجيده كثيرا.

ففي الوقت الذي تظن أنك تشاهد رسما كاريكاتوريا لرجل عظيم، إلاّ أنك في الواقع تقرأ رسائل مدسوسة بين السطور. يظهر فاينمان كراوي قصص تقليدي على غرار مارك توين. إنه سيد في تلخيص موقف معقد في بضع كلمات مختارة جيدا، تماما كما تبسط مخططاته الشهيرة التفاعلات دون الذرية المعقدة في بضعة خطوط. يصل إلى الجوهر مباشرة، متخليا عن "التفاهات". إلى جانب الطرافة في الكتاب، هناك نمطان سلوكيان بارزان في حياة فاينمان: فضوله ونزاهته.

ذهب فاينمان إلى أبعد الحدود في تعلم مهارات جديدة. في مؤتمر في اليابان، حيث دُعي لإلقاء محاضرة، تعلم اليابانية حتى يتمكن من التواصل مع الآخرين.

فضوله لتعلم مهارات جديدة

خلال فترة الكساد الكبير، عندما كان فاينمان طفلا صغيرا، طلبت منه عمته التي كانت تملك فندقا أن يصلح جهاز راديو. لم يكن لديه أي معرفة بإصلاح الراديوهات، لكنه قرر المحاولة على أي حال. وتمكن من ذلك. مع مرور الوقت، أصبح أفضل في إصلاح الراديوهات واكتسب سمعة في الحي. في إحدى المرات، طلب منه إصلاح راديو، وكان يحاول بجدية معرفة المشكلة. فقال له الرجل: "ماذا تفعل؟ لقد جئت لإصلاح الراديو، لكنك تمشي ذهابًا وإيابا فقط!" فأجاب فاينمان: "أنا أفكر"، وبعد بضع دقائق اكتشف المشكلة. أعجب الرجل به كثيرا، وبدأ يروج له قائلا إنه "يصلح الراديوهات بالتفكير".

عندما كان يعمل في لوس ألاموس على مشاريع تتعلق بالقنبلة الذرية، لم يكن راضيا عن أمن الملفات والخزائن. فتعلم كيفية فتح الأقفال وكسر الخزائن ليظهر سوء الأوضاع الأمنية. اكتسب سمعة بأنه الشخص الذي يلجأ إليه لفتح الخزائن عندما يحتاج الفريق إلى وثائق من خزائن أشخاص كانوا في إجازة.

ذهب فاينمان إلى أبعد الحدود في تعلم مهارات جديدة. في مؤتمر في اليابان، حيث دُعي لإلقاء محاضرة، تعلم اليابانية حتى يتمكن من التواصل مع الآخرين. أصبح لاعبًا ماهرًا في الموسيقى البرازيلية (السامبا)، ولاحقًا عازفًا على الطبول. كما أصبح فنانًا جيدًا إلى حد دفع الناس لشراء أعماله الفنية.

فاينمان كان يؤمن بأن التعليم يجب أن يكون محفزا للفضول والاكتشاف، وليس مجرد تلقين للمعلومات.

النزاهة

كان لدى فاينمان حس فريد بالنزاهة. فرغم طرافته فقد تجلت في مواقفه الصرامة تجاه ما اعتبره خطأ. مثال على ذلك واقعة منشآت أبحاث لوس ألاموس، حيث كان يكسر الأقفال لإثبات وجهة نظره. مثال آخر كان حول براءات الاختراع الحكومية. في ذلك الوقت، كانت الحكومة تسجل براءات اختراع لأي فكرة يقدمها الباحثون. كان الباحثون يوقعون على وثيقة تتنازل عن حقوقهم للحكومة. طلب من فاينمان توقيع وثيقة لفكرة عشوائية حول طائرة تعمل بالطاقة النووية، والتي نصت على "مقابل مبلغ قدره دولار واحد، أتنازل أنا ريتشارد فاينمان عن هذه الفكرة للحكومة.." فوقع الوثيقة وقال:

  • "أين دولاري؟"
  • "هذا مجرد إجراء شكلي، ليس لدينا أموال لدفع دولار."
  • "أنا أوقع للحصول على الدولار. أريد دولاري!"
  • "هذا سخيف."
  • "لا، ليس سخيفا. هذه وثيقة قانونية. جعلتموني أوقع عليها وأنا رجل صادق. إذا وقعت على شيء يقول إنني حصلت على دولار، يجب أن أحصل على دولار."
  • "حسنًا، سأعطيك دولارا من جيبي."

لم تسر الأمور بشكل جيد بعد ذلك. فسرعان ما اكتشف جميع من وقعوا عقود مشابهة أن فاينمان حصل على دولاره، وأرادوا جميعا نيل دولاراتهم. مما اضطر الحكومة إلى إنشاء صندوق لدفع الدولارات.

يروي أيضا في القسم الأخير من سيرته أنه دعي للمشاركة في لجنة مراجعة كتب العلوم المدرسية (والتي بلغ ارتفاعها 17 قدما أي ما يتجاوز الخمسة أمتار). على عكس الأعضاء الآخرين، قام فاينمان بمراجعة كل كتاب طلب منه بدقة. وخلال اجتماع اللجنة لمناقشة تقييمات كتاب معين. قال فاينمان إنه لم يتلق نسخة. أوضح الرجل من مستودع الكتب أن الكتاب لم يكتمل حينها بعد، وتم إرسال أغلفة بين دفيتيها صفحات بيضاء إلى المراجعين. والصادم أنه تبين أن الكتاب الفارغ قد حصل على تقييمات من بعض الأعضاء الآخرين! لم يستطع تحمل الفساد، ولم يتمكن من إصلاحه. في المرة التالية التي دُعي فيها للمشاركة في اللجنة، رفض.

أحسبُ أن فاينمان لاقى شهرة عظيمة في الأوساط العامة ربما أكثر من أي فيزيائي معاصر، لأنه تجاوز حدود العلم التقليدي بفضوله ونزاهته.

يشارك فاينمان كذلك تجاربه في التدريس والعمل الأكاديمي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة كاليفورنيا. يوضح رؤيته لنظام التعليم وأهمية التشكيك والتفكير النقدي، مما يجعله قدوة للطلاب والمعلمين على حد سواء. فاينمان كان يؤمن بأن التعليم يجب أن يكون محفزا للفضول والاكتشاف، وليس مجرد تلقين للمعلومات.

أحب "بل جيتس" محاضراتِه المعروفة وروج لها كثيرا وتكفل بشراء حقوقها ونشرها مجانا للجميع، وهو من أعلن سابقا أنه لو أتيحت له الفرصة للعودة بالزمن فلن يدرس سوى الفيزياء على يدي فاينمان.

أحسبُ أن فاينمان لاقى شهرة عظيمة في الأوساط العامة ربما أكثر من أي فيزيائي معاصر، لأنه تجاوز حدود العلم التقليدي بفضوله ونزاهته. بأسلوبه الطريف والسلس، نجح في جذب شخصيات من مختلف الخلفيات، سواء كانوا علماء أو غير ذلك. فالطريقة التي يتحدث بها عن فتح الخزائن السرية في لوس ألاموس لا تختلف كثيرا عن الطريقة التي يتحدث بها عن كشف أسرار الكون، كأنه يخبرك أن العلم يمكن أن يكون مسليا بقدر ما هو جاد. بالرغم من الطابع غير الرسمي للكتاب، إلا أنه يقدم رؤية واضحة لماهية العلم بالنسبة لفاينمان. فهو يرى أن العلم هو "تاريخ طويل لتعلم كيفية عدم خداع أنفسنا". يمكن للقارئ أن يستمتع بكتاب "Character of Physical Law" أو "Feynman Lectures on Physics" لفهم أعمق لفكره العلمي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.