شعار قسم مدونات

السماوية!

من فيلم "الحب المنسي" (نيتفليكس)
الكلام يبقى كلاما لا يظهر أثره كاملا حتى يتم معناه في النفس بالتأمل والرؤية والتجربة (نيتفليكس)

لم يكن لقاؤه بها عاديا أو مجرد صدفة، بل رتبه قدرهما لحكمة تساءل كثيرا عن سرها، إلى أن أسعفته الأيام ببعض ما أبدته له من جوهرها السماوي، الذي لم ينقطع عطاؤه حتى مات.

كانت في جمال المنظر متفردة، إلى الحد الذي لا يمكن تفسيره، إلا بمعجزة خالق أبدع حُسنا لا يدانيه حُسن، ولا يقارِبه جمال، يوجع القلوب بعد إسعادها، ويشقي الأرواح بعد إحيائها، ولا سبيل للناظرين إلى النجاة من أسره، إلا المرور مرور العابرين المتعجلين، فالإطالة سجن لا خلاص منه، وكيف الخلاص؟ وقد تجلت فيها بأعظم صورة قدرة رب عظيم.

كم رأى فيها من عجائب قدرة ربه ما لم ير مثله في بشر قط، وكم شعر بها ومعها بما لم يشعر به مع أحد

إلا أن كل ذلك -على تفرده وإعجاز خلقه- إذا قارنته بعجائب جوهرها، فلا يغدو أن يكون أكثر من انعكاس لنور داخلي، زينها كمالا، فألبسها سحرا، ورفعها قدرا إلى السماء، وكأنها ليست ابنة عصرها، ولا من طين أرضها، بل من مكان ما هناك، كأنها خلقت من نور يضيء ظلمة كل من اقترب وسمع وأبصر، ففهم وعرف، وغمره الحب حتى نقاه من كل زيف، كانت نورا من نور في نور، تجلى خَلقا فاتنا وخُلقا آسرا.

قال لها ذات لحظة: لو لم يخلق الله إلا "أنتِ" لعبدته.

فكم رأى فيها من عجائب قدرة ربه ما لم ير مثله في بشر قط، وكم شعر بها ومعها بما لم يشعر به مع أحد، وكم علمته أكثر بكثير مما علمها، علمها العلم، وعلمته كمال الفهم، وسلكت به الطريق الأهم، طريق القلب إلى راحته وسعادته.

كان حديثها في بداية الطريق غريبا على مسامعه، مريحا لروحه وقلبه، ربما كان بهما مستعدا له أكثر من استعداد عقله، الذي استمر زمنا في التعجب من بعضه أو جله، قبل أن يدرك كامل معانيه.

ولا عجب في أن يستغرق وقتا طويلا حتى يتعمق فهمه، إذ لا بد من مرور الوقت، فالكلام يبقى كلاما لا يظهر أثره كاملا حتى يتم معناه في النفس بالتأمل والرؤية والتجربة، فإذا تم صادقا وعذبا وغنيا فتن به الإنسان كأنما يولد به من جديد.

قال لها ذات ليلة إذا كنت قد علمتك علما فقد أهديتني طريقا وقلبا، طريق السالكين العارفين، وقلب المحبين المشتاقين المستغنيين بأكرم الأكرمين.

وكم كان كلامها صادقا في نواياه، وعذبا في ثناياه، وغنيا في معناه، أراد أن يستمع إليه كل لحظة في كل يوم إلى يوم القيامة، وبعد القيامة، ظل يسكن إليه ويشفى به.

بها اكتفى ثم اغتنى حتى أصبحت له كل الناس، وكل الأشياء، لا يشغله سواها، ولا يسعى إلا في مسعاها، ولا يشتاق إلا للقياها، يدور في مدارها، ويلمع بإشراقها، وما أعظم إشراقها!

لقد نقلته من أرضيته إلى سماويتها، ومن ماديته إلى روحانيتها، ومن التعلق بوهم الدنيا إلى التعلق بخالقها، فأبدلت خوفه وقلقه أمنا وطمأنينة، وسخطه وحزنه رضا وفرحا، وعجزه ويأسه إقداما وأملا، رفقة رب محب كريم.

قال لها ذات ليلة إذا كنت قد علمتك علما فقد أهديتني طريقا وقلبا، طريق السالكين العارفين، وقلب المحبين المشتاقين المستغنيين بأكرم الأكرمين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.