شعار قسم مدونات

مسؤولية المسلم الفردية

لا عذر لأحد في إلقاء التبعة على أحد، فالمسلم متحرك في عبادته ودعوته بدافع ذاتي داخلي، ولا يحتاج لمحركات ودوافع خارجية. (شترستوك)

نعني بالمسؤولية الفردية: مسؤولية الإنسان نفسه وليس غيره أمام ربه عما يقوم به من نية أو قول أو عمل. حيث يمضي الإنسان في حياته فيعمل ويجتهد، ويخطئ ويصيب، ويطيع ويعصي، ويعيش بين الناس، لكنه في النهائية مسؤول لوحده عما عمل واقترف، وسعيه وعمله لوحده هو الذي سينجيه أمام الله.

ولقد كان إعلان القرآن الكريم واضحا حين تحدث عن تحمل الإنسان لمسؤوليته لوحده أمام الله تعالى فقال: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴿٣٩﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴿٤٠﴾ سورة النجم.

لا عذر لأحد في إلقاء التبعة على أحد، فالمسلم متحرك في عبادته ودعوته بدافع ذاتي داخلي، ولا يحتاج لمحركات ودوافع خارجية، فاعتقاده أنه سيلقى الله وحده يوم القيامة يحركه ويدفعه للعمل ولو قعد أو تخلى الجميع.

وعن المسؤولية الفردية في الحساب فقال: فَإذا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴿٣٣﴾ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ لِكُلِّ أمرئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴿٣٧﴾ سورة عبس.

وعن المسؤولية الفردية في التفكير والاختيار فقال: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِواحدةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّـهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَأحبكم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴿٤٦﴾ سورة سبأ.

وعن المسؤولية الفردية في الدعوة إلى الله فقال: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٣﴾ سورة فصلت. وعن المسؤولية الفردية في العبادة وفعل المعروف والنهي عن المنكر: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿١٧﴾ سورة لقمان.

واكده حديث رسول الله ﷺ حين قال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". صحيح مسلم

وعن المسؤولية الفردية في الثبات على دينه فقال: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٤٣﴾ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴿٤٤﴾ سورة الزخرف.

فلا عذر لأحد في إلقاء التبعة على أحد، فالمسلم متحرك في عبادته ودعوته بدافع ذاتي داخلي، ولا يحتاج لمحركات ودوافع خارجية، فاعتقاده أنه سيلقى الله وحده يوم القيامة يحركه ويدفعه للعمل ولو قعد أو تخلى الجميع، وسيأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد كما في الحديث النبوي.

إن الإسلام يجعل الفرد متحركا وفاعلا لبناء أمته من تلقاء نفسه، ولا يحتاج لمحفزات خارجية، فمحفزاته الداخلية من ابتغائه رضا الله تعالى وجنة عرضها السماوات والأرض تكفيه وتعتبر وقوده وزاده الذي يحافظ على ديمومة عمله.

وقد حكى الله تعالى لنا عن هدهد سليمان ﷺ واستشعاره المسؤولية عن العقيدة والدين: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّـهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السماوات وَالأرض وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿٢٥﴾ اللَّـهُ لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٢٦﴾ سورة النمل.

فهو مدرك للخطأ والانحراف ومدرك للصواب وما ينبغي في حق الله عز وجل، ولم ينتظر تكليفا برصد الخطأ أو تعلم وتعليم الصواب.

ونحن نرى محنة المسلمين الآن وتكالب أعدائهم عليهم من كل حدب وصوب، ونرى الانحراف في كل صوره من كفر بواح، ومجاهرة بالمعاصي، وضياع للأخلاق، واستهداف للقيم، وتدمير للإنسانية، وإراقة للدماء البريئة، وظلم واستباحة للحرمات، أفلا يحرك فينا كل هذا شعور المسؤولية الفردية؟

لدينا نموذج القمة في استشعار المسؤولية في الأمم التي سبقتنا وهو مؤمن آل فرعون الذي جهر بالحق.

إن المسلم غير معفو عنه أن يتخلى عن مهمته ويستشعر مسؤوليته في نصرة الدين والحق، ونحن اليوم بحاجة لمراجعة جادة مع أنفسنا للوقوف على حقيقة الدور الذي نؤديه، فالمسؤولية فردية ابتداء وجماعية انتهاء.

ولو جئنا للنماذج العملية التي أدت مسؤوليتها الفردية على أتم وجه نجد منها مثلا، الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- حيث بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة ونصحوا الأمة بمفردهم وربما لم يستجب لهم أحد.

ولدينا نموذج القمة في استشعار المسؤولية في الأمم التي سبقتنا وهو مؤمن آل فرعون الذي جهر بالحق: وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّـهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴿٢٨﴾ سورة غافر.

ولدينا المؤمن الذي قص الله علينا خبره، حيث انتدب نفسه دفاعا عن الرسل الذين أرسلهم الله إلى القوم المكذبين المعاندين: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٠﴾ سورة يس.

ولدينا في الصحابة نماذج فذة منها: الصديق رضي الله عنه في مفاتحة كثير من الصحابة في دخول الإسلام وإعتاق العبيد والنفقة على الدعوة ونبيها، وعثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يجهز ثلث جيش العسرة في غزوة تبوك، ويشتري بئر رومة، وأبو ذر الغفاري رضي الله عنه حين يأتي بقبيلتي غفار وأسلم مسلمتين، ومصعب بن عمير رضي الله عنه حيث يهاجر مضحيا ليكون سفير الدعوة في المدينة.

وأخيرا، فلا أبلغ من أن ننهي كلامنا بقول الله تعالى: وَكُلُّهُم آتيهِ يَومَ القِيامَةِ فَردًا ﴿٩٥﴾ سورة مريم.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.