شعار قسم مدونات

ماذا وراء الرصيف الأميركي العائم في بحر غزة؟

صورة جوية للرصيف العائم بعد تركيبه من قبل الجيش الأميركي (الجزيرة)

أخيرا تم تشغيل الرصيف الأميركي العائم في قطاع غزة، والذي كلف الخزانة الأميركية حوالي ٣٢٠ مليون دولار، وقد تم نقل حوالي ٦٠٠ طن متري من المساعدات الإنسانية إلى مخازن برنامج الغذاء العالمي (WFP) التابع للأمم المتحدة، في محافظة دير البلح، تمهيدا لتوزيعها على المواطنين في قطاع غزة.

ويأتي هذا التطور ليفتح الباب واسعا أمام العديد من الأسئلة التي طرحنا بعضها في مقالنا قبل شهرين من تشغيل الرصيف، والتي مازالت تحوم في الأرجاء دون إجابات، رغم التوضيحات التي قدمتها الولايات المتحدة، لأنها ظلت إجابات غير شافية وغير مقنعة، وغير كافية لإزالة الشكوك المتنامية في أوساط المعنيين والمراقبين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين.

خصوصا وأنها تأتي من دولة شريكة للكيان الصهيوني في حرب الإبادة الجماعية التي يشنها ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، دولة تغذي حرب الكيان الصهيوني بالمال والسلاح والعتاد والمشورة والتغطية السياسية والقانونية، وتدعي الشفقة والرحمة لضحايا هذه الحرب من المدنيين الفلسطينيين.

لو كانت الولايات المتحدة صادقة في حرصها على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، لما وقفت في وجه قرارات مجلس الأمن المطالبة بالإيقاف الفوري الشامل للحرب، ولسعت إلى إيجاد حلول سياسية تحتوي بها الأزمة.

تأكيدات غير مؤكدة

حرصت مديرة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية "سامانثا باور" في بيانها الصادر الأسبوع الماضي بمناسبة بدء وصول شحنات المساعدات الإنسانية إلى غزة عن طريق الرصيف العائم؛ على معالجة الشكوك وتقديم إجابات للأسئلة التي الحائرة لدى المعنيين والمراقبين، مؤكدة على ما يأتي:

  • أن الرصيف العائم تم إنشاؤه لسد النقص الحاد في الغذاء والمأوى والدواء وغيرها من المساعدات وإيصالها إلى المحتاجين، وأن على المجتمع الدولي أن يقوم باستغلال الرصيف إلى أقصى حد لإيصال المساعدات المنقذة للأرواح والتخفيف من معاناة المدنيين المستشرية في قطاع غزة.
  • أن الرصيف يمثل جهدا مشتركا بين الولايات المتحدة (بقيادة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووزارة الدفاع الأميركية) وجمهورية قبرص وإسرائيل والأمم المتحدة وجهات مانحة دولية، بما فيها الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
  • أن المساعدات يتم نقلها إلى المنظمات الإنسانية لتسهيل توزيعها على المجتمعات الفلسطينية في مختلف أنحاء غزة.
  • أن الرصيف ليس بديلا للمعابر البرية، وأن الولايات المتحدة ستواصل الضغط على الحكومة الإسرائيلية لحماية المدنيين والعاملين وتسهيل نقل المساعدات المتزايدة برا وبحرا، وتسريع عمليات التفتيش، وفتح كافة مسارات الوصول، وتسهيل الحركة الآمنة لقوافل المساعدات حتى تصل إلى المحتاجين.
  • أن الولايات المتحدة ستواصل أيضا الضغط بقوة من أجل وضع حد لهذا الصراع والتوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار بما يضمن عودة الرهائن إلى ديارهم ويتيح زيادة المساعدات الإنسانية ويحمي المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ولنفس الغرض، عقد مدير الاستجابة في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية "دان ديكهويس" ونائب قائد الأسطول البحري الأميركي، نائب قائد القيادة المركزية البحرية "براد كوبر"؛ مؤتمرا صحفيا منتصف الشهر الجاري، قبل يومين من صدور بيان سمانثا، في المركز الإعلامي الدولي في لندن التابع لوزارة الخارجية الأميركية، أكدا فيه على ما يأتي:

  • أن دعم جهود الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في توريد المساعدات إلى سكان غزة يمثل أولوية قصوى بحسب توجيهات وزير الدفاع.
  • أن الدور الوحيد للجيش الأميركي في هذا المشروع هو توفير القدرات اللوجستية التي تمكن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والشركاء الدوليين من إيصال المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة. وأن سياسة الولايات المتحدة الحالية إغراق المنطقة بالمساعدات الإنسانية.
  • أن الرصيف مؤقت بطبيعته، ويمثل المسار البحري مسارا إضافيا كما ذكرنا، وليس بديلا عن الطرق البرية.
  • أن القوات العسكرية الأميركية لن تتواجد على الأرض في غزة.
  • أن هذه مهمة إنسانية مئة بالمئة، وأي هجوم على العاملين فيها وعلى هذه المهمة هو هجوم على المساعدات المقدمة لسكان غزة.
  • أن المشروع يحظى بدعم دولي بالتنسيق مع الأمم المتحدة، التي تساعد في تنظيم المساعدات في قبرص، وتتولى قيادة عملية تنسيق المساعدات وتوزيعها بمجرد وصولها إلى الأرض في غزة.
  • تمت مناقشة المشروع مع السلطة الفلسطينية، وهي تقدم دعما عاما له.
  • أن المساعدات الإنسانية تصل في البداية إلى قبرص عن طريق الجو أو البحر، ويتم هناك فحصها ووضعها على منصات وإعدادها للتسليم. هناك آلاف الأطنان من المساعدات قيد الإعداد، ونتوقع أن يستمر هذا التدفق من الجهات المانحة الدولية.
  • تم إنشاء الرصيف لغرض إنساني بحت، بهدف تسهيل التوزيع المستقل للمساعدات الإنسانية للمحتاجين أينما وجدوا، وليس هناك أي هدف آخر، بما في ذلك التهجير أو أي أهداف سياسية أو عسكرية أخرى.
  • القدرة اللوجستية المشتركة فوق الشاطئ والممر البحري مستقرة، وغير معرضة لأي خطر إضافي يتجاوز ما هو قائم أصلا في غزة، ويجري مراقبة العملية وإجراء التعديلات عليها بحسب ما تفرضه المخاطر. وندعو كافة الأطراف إلى عدم التدخل في عملية إيصال المساعدات إلى المحتاجين.
  • هناك خليتا تنسيق، أحدهما في قبرص والثانية في إسرائيل، والعمل جار مع فريق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والقبارصة والإسرائيليين والأمم المتحدة منذ أسابيع لزيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة.
  • طورت الولايات المتحدة وإسرائيل في الأسابيع الماضية خطة أمنية متكاملة لحماية كافة الموظفين الذين يعملون في موقع القدرة اللوجستية المشتركة فوق الشاطئ والمنطقة المحيطة، ونحن واثقون من قدرة هذا الترتيب الأمني على حماية المشاركين فيه.
  • يوجد خليتان كبيرتان للاتصالات والتنسيق، إحداهما في قبرص والثانية في إسرائيل، تم إنشاؤهما كآليات لتولي كافة التنسيق المرتبط بتسليم المساعدات عبر القدرة اللوجستية المشتركة فوق الشاطئ، على غرار الوصول من قبرص، والتوزيع من قبرص إلى البحر، ومن البحر إلى غزة ثم إلى داخل القطاع، وهناك بروتوكولات لإدارة نقاط التفتيش ومراقبة القوافل كآلية لزيادة هذا التنسيق.

التنسيق الأمني الكامل في هذا المشروع محصور بين الطرفي التحالف الصهيو-أميركي، وهذا يعزز الرأي بأن المصلحة العليا للمشروع هي مصلحة التحالف وليست مصلحة الشعب الفلسطيني، كما يظهر على السطح.

الشكوك مازالت قائمة

التوضيحات والتأكيدات السابقة التي قدمها مسؤولو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووزارة الدفاع الأميركية، والتي تركزت حول ثلاثة محاور رئيسية هي:

تأكيد الدافع الإنساني لإنشاء الرصيف. مساهمة الأمم المتحدة وشركاء الولايات المتحدة الإقليميين والدوليين في المشروع. نفي وجود أي أهداف أخرى للرصيف، وأن دور الجيش الأميركي هو دور لوجيستي فقط.

ومع ذلك، فقد أثارت هذه التوضيحات والتأكيدات المزيد من الشكوك المدعومة بالكثير من المعطيات الموضوعية، التي أشرنا إلى بعضها في مقالنا المشار إليه آنفا، وفي مقدمتها:

  • أن الولايات المتحدة ليست طرفا محايدا، فهي شريك للكيان الصهيوني، وتتحمل معه المسؤولية الكاملة عن حرب الإبادة الشاملة الدائرة في قطاع غزة منذ حوالي ثمانية أشهر.
  • أن الولايات المتحدة لو كانت صادقة في حرصها على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، لما وقفت في وجه قرارات مجلس الأمن المطالبة بالإيقاف الفوري الشامل للحرب، ولسعت إلى إيجاد حلول سياسية تحتوي بها الأزمة وفقا لسياسات احتواء الصراعات التي تروج لها هنا وهناك.
  • أن الإجراءات التنسيقية التي قامت بها الولايات المتحدة لنجاح عمل الرصيف، كان يمكن القيام بها من اليوم الأول لإدخال وتوزيع المساعدات عن طريق الممرات البرية، ولكن الولايات المتحدة تركت المجال أمام الكيان الصهيوني، ليفعل ما يريد.
  • أن هذه الأعمال من اختصاص الأمم المتحدة، وكان من المفترض أن يقوم مجلس الأمن منذ بداية الحرب بإصدار القرارات اللازمة للقيام بمهامها الإنسانية والقانونية.
  • أن الأدوار التنسيقية التي يتحدث عنها مسؤولو الإدارة الأميركية بين الولايات المتحدة وشركائها؛ تبقي السيادة الكاملة على المشروع للجيش الأميركي.
  • أن المشروع تم إنشاؤه على أرض ليست خاضعة للولايات المتحدة، ولم يطلب أهلها منها القيام بذلك، وأنها باشرت بإنشاء الرصيف ضمن سياسات العربدة الدولية التي تقوم بها دون أي مرجعية قانونية.
  • أن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو طلب إنشاء الرصيف من الرئيس الأميركي جو بايدن بعد أسبوعين من بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
  • أن مشروع الرصيف يتصل بمشروع حكومة نتنياهو السابقة الصهيوني الخاص بإنشاء ميناء ومطار وجزر إنسانية لسكان قطاع غزة، وحتى الآن لا أحد يعرف التصور الذي يخبئه نتنياهو للوضع النهائي لقطاع غزة.
  • أن التنسيق الأمني الكامل في هذا المشروع محصور بين الطرفي التحالف الصهيو-أميركي، وهذا يعزز الرأي بأن المصلحة العليا لهذا المشروع هي مصلحة التحالف وليست مصلحة الشعب الفلسطيني، كما يظهر على السطح.
  • أن خدمات الرصيف لا تقتصر على المساعدات الإنسانية، بل على البضائع التجارية كذلك، وهذا يفتح المجال لأدوار أخرى ستأتي بطبيعة الحال في المستقبل القريب.

قد يكون الرصيف مؤقتا فعلا، كما يدعي مسؤولو الإدارة الأميركية، ولكن المؤكد أنه سيستمر لعشرات السنين، لحين اتضاح الرؤية لنهاية هذه الحرب، وترتيب الأوضاع السياسية الجديدة لقطاع غزة، والانتهاء من إعادة الأعمار، وفي هذه السنوات ستتضح الأهداف الحقيقية لإنشاء الرصيف.

وسيتعرض الشعب الفلسطيني للكثير من إغراءات الهجرة الطوعية للتخلص من ضنك الحياة في مراكز الإيواء، وهي الهجرة التي لا تعترض عليها الأمم المتحدة والمحاكم الدولية ولا الولايات المتحدة وشركاؤها.

هذا طبعا، إذا سلمنا بصدق النوايا الأميركية الخاصة بمرحلة ما بعد الحرب.

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.