شعار قسم مدونات

العلمانية بين الأيديولوجيا والحيادية (6)

ليس العيب أو الخطأ في وجود أيديولوجيا، أو فكرة عقدية أو سلوكية معينة، تحت أي عنوان، لدى أي طرف، بل في مدى صواب أو خطأ هذه العقيدة، أو الأيديولوجيا. (رويترز)

بما لا يخلو من طرافة ومفارقة شكلية، ولكنها من حيث المغزى ذات دلالة مشابهة جدا- نختتم مناقشتنا عن العلمانية بين الأيديولوجيا  والحيادية، بالإشارة إلى الجدل في كون الأيديولوجيا ملازمة لأي  فكر أو سلوك إنساني، مهما نفى عنه صاحبه ذلك، وهو ما  يذكرنا بالجدل الذي دار – ولا يزال- في  الإطار  الإسلامي" السلفي- المذهبي والطرقي (الصوفي) المعاصر"- بالخصوص-، منذ زمن.

حيث يتوافق جميع فرقائه على الرفض النظري لفكرة الانتماء، ولكن مع الانغماس العملي – في اللاوعي-  في بؤرة الانتماء ذاتها، وهو ما يظهر واضحا، بشكل لافت بالنسبة للباحث والمهتم بدراسة الظواهر السيكولوجية، ذات المنحى الأيديولوجي -بالخصوص- مع التأكيد على اختلاف طبيعة هذا الانتماء بعد ذلك، فبعض فصائل السلفية -مثلا- ترفض الاعتراف بالمذاهب الفقهية والأحزاب والجماعات والطرق الصوفية جميعها، بمعزل عن المعتدل منها والمغالي.

بدأت تشتهر بعض هذه الأنظمة بمحاربة الفضيلة والعفة والأصالة، وتتبنى ما يضادها، فتقف مع أعداء الأمة، بمن في ذلك الكيان الصهيوني مؤخرا، ويتبجح بعضها بهذا جهارا نهارا، فيصطف مع العدو علانية، للمشاركة في القضاء على أبناء غزة وفلسطين، بدعوى أنهم "إسلام سياسي" و "إخوان مسلمون" و "خوارج" و "دواعش".

وفي المقابل تدعو -بشدة- بعض الجماعات الطرقية الصوفية والتقليدية الأخرى، بعناوينها المختلفة، إلى التمذهب تارة، والالتزام الطرقي تارة أخرى، ولكنها جميعا (السلفية والصوفية) ترفض القبول، أو حتى الإقرار بمشروعية الانتماء إلى التحزب "السياسي" -بالخصوص- أو الانتماء إلى أي من الجماعات الإسلامية الدعوية أو الحركية السائدة على الساحة اليوم، أو التبرير لمن يسلك ذلك، على نحو يدفع بعض الجماعات الطرقية  للتفاخر بأنها اتجاه روحي، غير سياسي، وليست "وهابية" أو " سياسية".

مع أن من المعلوم أن بعض هذه الجماعات الطرقية تقوم بأدوار "سياسوية" وظيفية، غاية في القبح، بانحيازها الأعمى لأنظمة سياسية، ذات سمعة سيئة معروفة، فيما يتصل بعلاقتها  بالشريعة – مثلا- على نحو فعلي، وليس دعائيا، أو في ملف الحقوق والحريات والعدالة.

كما بدأت تشتهر بعض هذه الأنظمة بمحاربة الفضيلة والعفة والأصالة، وتتبنى ما يضادها، فتقف مع أعداء الأمة، بمن في ذلك الكيان الصهيوني مؤخرا، ويتبجح بعضها بهذا جهارا نهارا، فيصطف مع العدو علانية، للمشاركة في القضاء على أبناء غزة وفلسطين، بدعوى أنهم "إسلام سياسي" و "إخوان مسلمون" و "خوارج" و "دواعش"، وغير ذلك من الدعايات السوداء المعروفة عن تلك الأنظمة وأبواقها، العلمانية و"الدينية".

علاوة على محاربتها خصوم الأنظمة السيئة ذاتها، من السلفيين" الصحويين" أو "الحركيين" الإسلاميين الآخرين، وبذلك تستمر هذه الجماعات  في شرعنة جرائم تلك الأنظمة وطغيانها، وتمضي في دعمها ببجاحة، مسوغة لذلك بكونها تقوم بواجب الالتزام بطاعة لـ "الحاكم" أو "ولي الأمر".

والمفارقة، أن بعض الجماعات (السلفية) التي توصف بـ"الوهابية"، لا سيما ما يعرف منها بالمدخلية والسلفية الحكومية؛ تقف الموقف الإيجابي ذاته من تلك الحكومات، فتعلن ولاءها المطلق لها، وترفع شعار البراءة من السياسة، مؤكدة أنها اتجاه علمي فقط، على حين أنها تقوم بالأدوار الوظيفية ذاتها لتلك الأنظمة السياسية ذاتها في الغالب، وتتهم كل من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر بكونه من "الإخوان المسلمين" و "الخوارج" و"الدواعش"…إلخ ، وربما تغدو "الوهابية" واحدة من التهم ذاتها، التي يصمها بها الطرف الأول، وسبحان من له الدوام!

وجدنا جماعات سلفية ترفع  شعار "اللامذهبية واللاحزبية"، وتجاهر بالحرب على  تلك العناوين، وما يشبههما، قائلة: لا مذهبية ولا حزبية في الإسلام، بل إسلام واحد، بفهم واحد، كما يريده الله، في الكتاب الكريم والنبي -عليه الصلاة والسلام- في السنة المطهرة.

وعلى ذلك فكلا الاتجاهين المتناحرين (الطرقي  والسلفي) – مثلا- يتقربان بخدمة "ولي الأمر المشترك"، في حين يمضي كل واحد منهما متخندقا حول جماعته أو مذهبه أو طريقته وحدها، مدعيا نظريا وعمليا، أن الحق كله معه، نازعا عن خصمه تلك الصفة، وبذلك وجدنا جماعات سلفية ترفع  شعار "اللامذهبية واللاحزبية"، وتجاهر بالحرب على  تلك العناوين، وما يشبههما، قائلة: لا مذهبية ولا حزبية في الإسلام، بل إسلام واحد، بفهم واحد، كما يريده الله، في الكتاب الكريم والنبي -عليه الصلاة والسلام- في السنة المطهرة، والسلف الصالح، بلا رأي للإمام فلان أو الفقيه فلان، أو المذهب الفلاني.

كما وجدنا الطرف الآخر لا يختلف عن سابقه في الشعار، باستثناء "المذهبية" من بين تلك العناوين السابقة، ويردد أن الخروج عن المذاهب السائدة، يعني تفلتا من الشرع، واتباعا للأهواء، وضياعا للدين، حتى لو امتلك من يسلك ذلك أدوات البحث، مع سعة في الاطلاع، واحتكاك بالمذاهب والاتجاهات المختلفة، القديمة منها والحديثة، أو اقتصر الفرد على تقليد واحد أو أكثر من علماء العصر ومجتهديه، ذوي السمعة الطيبة في العلم  والمسلك الحر النزيه، غير المتقيدين بواحد من المذاهب الأربعة الشهيرة.

أما الجامع بين الطرفين المتعارضين السابقين فيكمن في تلك الممارسة العملية- كل بطريقته- للتمذهب والتحزب والانحياز السياسي أو الفكري أو الفقهي لهذا الطرف أو ذاك، على مستوى جماعات أو مذاهب أو أنظمة سياسية، أو غيرها، تماما كما يسلك- من هذه الناحية- دعاة العلمانية الزاعمون أنهم براء من الأيديولوجيا، وأن علمانيتهم عصمتهم من التعصب والتخندق وجعلتهم في مربع الحياد، ولكنهم عمليا يصدرون في تفكيرهم وسلوكهم عن أيديولوجيا علمانية معينة.

لا أدري إن كنت فطنت الآن قارئي العزيز إلى مغزى إيرادي لهذه الظاهرة، على نحو ما رأيت، مع ما قد يبدو من ابتعاد كبير بينها وبين العلمانية والأيديولوجيا الخاصة بها.

ظهرت في الآونة الأخيرة، فئة علمانية، تحت عناوين مختلفة، تجمعها تلك  القراءة "العلمانية"، ولكن بنكهة "دينية"، هذه المرة، من حيث زعمها الاتكاء على القرآن وحده، وإنكار حجية السنة، مع رفض التمذهب بأي مذهب من المذاهب التقليدية السائدة، وكأنها بهذا جاءت بكلمة الفصل.

أظنك أدركت مدى الرابط " الطريف"، بل المفارقة اللافتة، بين الفكرتين (الأيديولوجيا العلمانية واللامذهبية أو اللاحزبية "الإسلامية")، في جانب خداع الذات، بظن التحرر من الأيديولوجيا في الحالة العلمانية، والتحرر من المذهبية والحزبية السياسية، في حالة السلفية المدخلية  أو الحكومية من جهة، وفي الحالة الطرقية (الصوفية)، وما في حكمها من جهة أخرى، هذا دونما تعميم على كل أطياف السلفية أو الصوفية بطبيعة الحال.

ولولا أنني لا أريد الاستطراد أكثر لضممت إلى هاتين الفئتين فئة ثالثة، قد تبدو أكثر عجبا وطرافة، حيث ظهرت في الآونة الأخيرة، فئة علمانية، تحت عناوين مختلفة، تجمعها تلك  القراءة "العلمانية"، ولكن بنكهة "دينية"، هذه المرة، من حيث زعمها الاتكاء على القرآن وحده، وإنكار حجية السنة، مع رفض التمذهب بأي مذهب من المذاهب التقليدية السائدة، وكأنها بهذا جاءت بكلمة الفصل.

على حين أنها ما زادت عن أن  شايعت -من حيث لا تقصد-  الاتجاه "اللامذهبي" السلفي "الماضوي"، من حيث المنزع الصريح في رفض المذاهب الإسلامية السائدة، وإن بطريقتها "العلمانية" الخاصة المفضلة عندها، وكلا الاتجاهين: السلفي الماضوي والعلماني "الديني"، لم يزد أي منهما عن الدعوة  إلى  قراءة "مذهبية" جديدة، كل على طريقته، سواء وصفها الأول  بـ"السلفية" أم وصفها الآخر بـ" العلمانية الإسلامية" أو "القرآنية" أو حتى "المدنية" أو غير ذلك من العناوين الخادعة كذلك.

وبذلك تأكد بالقطع أن لا أحد، من الطرفين العلماني أو الإسلامي بشقيه السلفي (التقليدي الماضوي) والطرقي (الصوفي)، أو حتى العلماني" الإسلامي"، يبرأ عمليا من الأيديولوجيا، أو الاعتقاد بصواب حزبه أو جماعته أو مذهبه أو طريقته، على نحو دوغمائي مطلق، على حين ينزع تلك الصفة عن  خصمه التقليدي الآخر، في الوقت الذي ما برح يعلن براءته من التخندق والتعصب والتحزب، وحتى التمذهب بالنسبة للطرف السلفي، أو "العلماني" "الديني".

وبعبارة جامعة: فمع التأكيد- بالنسبة لكاتب هذه السطور- على حق حرية التحرر من الأطر المذهبية والحزبية والمشيخية، لكل من امتلك أهلية النظر والبحث والاختيار بين البدائل، مع التحلي بروح التواضع والمنهجية والإنصاف.

فليس العيب أو الخطأ في وجود أيديولوجيا، أو فكرة عقدية أو سلوكية معينة -بتعبير أدق- بحد ذاتها، تحت أي عنوان، لدى أي طرف، بل في مدى صواب أو خطأ هذه العقيدة، أو الأيديولوجيا -إن صحت المرادفة بين المصطلحين- وسلامة الأسس والمعطيات التي قامت عليها.

زد على ذلك  بالنسبة للطرف الإسلامي -بشقيه (الطرقي والسلفي (دعونا  الآن من الطرف العلماني "الديني")- مدى الاعتراف المتبادل بالمشروعية والحقانية والحضور والتعايش، ولا يكون ذلك كذلك إلا حين يتحرر  كلا الطرفين "الإسلاميين" من  التبعية للأطراف التي تفرض عليهما هذا  المسلك أو ذاك.

وأهم من هذا وذاك، كيف يتحرر ابتداء كل طرف في تربيته الفكرية، وتنشئة أفراده عمليا، من الاعتقاد باليقين الدائم في كل شيء، الأمر الذي يتحول بعد ذلك إلى سمة "الدوغما"، أي الاعتقاد  المطلق القائم على مجرد اليقين "الأيديولوجي"، ولو من غير بينة علمية أو عقلية أو شرعية  مؤكدة، تؤهل لذلك المستوى من الثقة" اليقين".

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.