شعار قسم مدونات

ما أشبه اليوم بالبارحة

يشكل التاريخ محطة إلهام للأمم والشعوب، وبقدر ما يكون هذا التاريخ عظيما تجد الأمم أكثر التصاقا به واعتزازا فيه. (شترستوك)

يشكل التاريخ محطة إلهام للأمم والشعوب، وبقدر ما يكون هذا التاريخ عظيما تجد الأمم أكثر التصاقا به واعتزازا فيه، كما أن التاريخ المتدفق نحو الحاضر يساهم بالضرورة في تشكيل المستقبل لهذه الأمم، والتاريخ ليس مجرد مرآة ترى الأمة فيها ذاتها وتفتخر بماضيها بقدر ما هو دروس وعبر يجب استخلاصها من أجل تعظيم المكتسبات وتجاوز العثرات التي شابت هذا السياق التاريخي بالضرورة.

منذ بداية الثورة الفلسطينية المعاصرة، كان واضحا سعيها الدائم للالتصاق بالتاريخ، فلا غرابة أن تستمد كتائب القسام اسمها من المجاهد السوري عز الدين القسام الذي جاء مجاهدا لفلسطين في منتصف عشرينات القرن الماضي، ولا غرابة أن يستخدم أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام الإمام أبيات الفضيل بن عياض رحمه الله في الرباط على الثغور "يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب" لحث الأمة نحو الجهاد في سبيل الله.

ولا غرابة أن ترى الناس اليوم يستحضرون أحداثا تاريخية ويحاولون إسقاطها على الواقع تارة أو فهم هذا الواقع انطلاقا من أحداث وثقها التاريخ لنا تارة أخرى. والتاريخ الإسلامي يزخر بالأحداث التي تستحق الوقوف عندها لدراسة الحاضر ورسم معالم المستقبل.

اليوم تشير مصادر المقاومة أنه وخلال حرب العام ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩م أصيب الكثير من المقاومين في غزة بالصدمة لحظة رؤيتهم لدبابة "ميركافاه ٤" لأول مرة، لقد كانت ذات هيبة مرعبة دفعت بعضهم للخوف من مواجهتها، والانسحاب من أمامها، هي ذاتها دبابة "ميركافاه ٤" التي شاهد العالم كيف يواجهها شباب المقاومة بقذائف الياسين

يذكر لنا يوم تبوك، حين فتح النبي محمد صلى الله عليه وسلم الطريق للمسلمين نحو بيت المقدس كوجهة إستراتيجية، ونقطة عبور نحو قلب العالم، وملتقى حضاراته. فقد كان المسلمون يومها أقل عددا وعدة، وفي المقابل كان بنو الأصفر "الروم" أكثر نفيرا، فقد هزموا قبل وقت قصير إمبراطورية الفرس وأصبحوا سادة العالم، ومركز الثقل الحضاري، ومعهم بات العالم أحادي القطب.

فكانت هيبتهم سلاحا يخوف به المنافقون المسلمين وهم يبثون روح الهزيمة بقولهم: "أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال"، كانت الرغبة لدى المنافقين أن يبقى الحال على ما هو عليه، فنظرتهم القصيرة تخبرهم أن لا طاقة للمسلمين بالروم، وأن "حفظ المصالح وإيثار السلامة" مع القوة الأولى في العالم في ذلك الوقت أفضل من مواجهتها.

لكن أبى الإسلام بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يكسر هذه الروح المهزومة، ويقلب معها الموازين ويعيد تشكيل خارطة الأحداث والتاريخ من جديد، لقد أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أن قرار المواجهة اليوم سيكسر حاجز الدونية بين العرب والعجم وهو ما تجلى فعلا وواقعا بعد أعوام قليلة حين خرج خالد بن الوليد يوم اليرموك، بعد ٤ سنوات فقط، وأمامه جيش الروم يزدريهم بقوله: "هؤلاء قوم لا علم لهم بالحرب؟

واليوم تشير مصادر المقاومة أنه وخلال حرب العام ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩م أصيب الكثير من المقاومين في غزة بالصدمة لحظة رؤيتهم لدبابة "ميركافاه ٤" لأول مرة، لقد كانت ذات هيبة مرعبة دفعت بعضهم للخوف من مواجهتها، والانسحاب من أمامها، هي ذاتها دبابة "ميركافاه ٤" التي شاهد العالم كيف يواجهها شباب المقاومة بقذائف الياسين، وعبوات العمل الفدائي وغيرها بعد نحو ١٦ عاما.

لم يكن ذلك صدفة، بل كان نتاج تدريب مستمر، حيث عملت المقاومة على بناء هياكل مشابهة تماما لتلك الدبابة الإسرائيلية ووضعتها للتدريب من قبل عناصر المقاومة حتى ألفوها، وسهل عليهم التعامل معها، وكسروا الحاجز النفسي تجاهها.

 

فجاء السابع من أكتوبر استجابة لتلك الصرخات المقدسية، مستهدفا أكثر حصون اسرائيل تحصينا "غلاف غزة"، وأكثر فرق جيشها قوة ومهابة "فرقة غزة"، لينهي بذلك فصلا من فصول حاضرنا الإسلامي وفتح صفحة جديدة عنوانها "اليوم نغزوهم ولا يغزونا"

ويعود التاريخ ليذكرنا بالخليفة العباسي المعتصم بعد ٢٠٠ عام حين اختار عمورية، أكثر الحصون أمنا عند البيزنطيين، لتكون مكاناً للمواجهة ليكسر بذلك هيبة الروم، بعد أن استنصرته سيدة مسلمة نادت "واه معتصماه" فأرسل لها مئة ألف جندي.

لينظم أبي تمام الطائي أبياته:

السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَـاءً مِـنَ الكُتُبِ

في حَـدِّهِ الحَـدُّ بَيْـنَ الجِـد واللَّعِـبِ

بيضُ الصَّفَائِحِ لاَ سُودُ الصَّحَائِفِ في

مُتُونِهـنَّ جـلاءُ الـشَّـك والـريَـبِ

عَجَائِبـاً زَعَـمُـوا الأَيَّامَ مُجْفِلَةً

عَنْهُنَّ في صَفَـرِ الأَصْفَـار أَوْ رَجَـبِ

وخَوَّفُوا النـاسَ مِنْ دَهْيَاءَ مُظْلِمَةٍ

إذَا بَـدَا الكَوْكَـبُ الْغَرْبِـيُّ ذُو الذَّنَـبِبِ

أَبْقَتْ بَني الأصْفَرالمِمْرَاضِ كاسْمِهمُ

صُفْـرَ الوجُـوهِ وجلَّتْ أَوْجُـهَ العَرَبِ

واليوم كان نداء "وا ضيفاه" المنبعث من المرابطات في المسجد الأقصى المبارك مدويا، فقبل أسبوع من انطلاق عملية طوفان الأقصى بلغت الاعتداءات الإسرائيلية على المرابطات في القدس ذروتها، نقلت ذلك شاشات التلفزة العالمية دون أي حراك، بل لم تكلف دول العالم نفسها لاستنكار هذه الجرائم، لقد كان التغييب الإعلامي جزءا من مخطط أكبر يستهدف القضية الفلسطينية، ويريد لها أن تغيب عن وعي المتابع ليسهل بعد ذلك التطبيع ومن خلاله يسهل التخلص من هذه القضية كقضية مركزية.

فجاء السابع من أكتوبر استجابة لتلك الصرخات المقدسية، مستهدفا أكثر حصون اسرائيل تحصينا "غلاف غزة"، وأكثر فرق جيشها قوة ومهابة "فرقة غزة"، لينهي بذلك فصلا من فصول حاضرنا الإسلامي وفتح صفحة جديدة عنوانها "اليوم نغزوهم ولا يغزونا" تماما كما حدث يوم الخندق حين كسرت هيبة ومهابة قريش، ومن بعدها الروم والفرس وغيرهم، إنه التاريخ وما أشبه اليوم بالأمس.

ما أشبه رجال الله اليوم برجال الله بالأمس، الذين آمنوا أن صاحب الحق لا يحتاج أكثر من أن يتمسك به حتى ينتصر، وإن كان مقهورا أو ضعيفا، ينتصر إن امتلك الصبر لا الأدوات، ينتصر حين لا يتنازل ولا يتراجع ولا يستسلم، حين يثبت على معاني الحق

ما أشبه اليوم بالأمس ونحن نرى أميركا وكل القوى الغربية تتداعى لحماية إسرائيل، واستعادة مكانتها وهيبتها التي تحطمت يوم السابع من أكتوبر، فمن أين لنا أن نعرف أن استخباراتهم أكثر هشاشة من تلك الصورة الذهنية التي رسموها عن أنفسهم على مدار سبعة عقود، حتى قال جدعون ساعر "كنا نتفاخر بأننا نعرف الملابس الداخلية لكل شخص في مخيم جباليا أكثر مخيمات اللاجئين كثافة سكانية في قطاع غزة".

ولولا طوفان الأقصى ما كان لنا أن ندرك حقيقة أن جيشهم الذي لا يقهر وفق أدبياتنا البالية، يحتاج إلى "هورايزون" ومئات آلاف الجنود والأساطيل عبر الأطلسي وأسلحة الناتو ليقاتل.

وأن ليلة واحدة من التصدي لمسيرات صغيرة تكلف هذا العدو مليارات الدولارات! كيف كنا سنرى القيادة الإسرائيلية تتهم نتانياهو بقيادة "حرب بلا معالم" لولا الغرق في وحل غزة؟ حقا ما أشبه قول خالد بن الوليد بقول أبو عبيدة في خطابه الأخير "جبناء غارقون في رمال غزة!"، وها هو محور نتساريم يشهد على هيبتهم المكسورة.

ثم من أين لنا أن نعرف بأن منظومة الأخلاق العالمية هشة لهذه الدرجة؟ وأن الولايات المتحدة نفسها أوهن من بيت العنكبوت؟ نعم كان لا بد للطوفان أن يكسر هذه العقدة، عقدة بني الأصفر في عصرنا الحديث.

وفي السياق نفسه، المنافقون اليوم ما أشبههم بالمنافقين بالأمس، يعيشون عقدة النقص ذاتها تجاه كل ما هو غربي وأعجمي، عقدة الدونية ذاتها التي تجعلهم عبيدا لكل ما هو أقوى وإن كان على حساب الأرض والعرض.

المنافقون اليوم تفوقوا على منافقي الأمس، تجدهم يحاربون المقاومة بأنفسهم، على منبر يتهمونها بأنها أخذت زمام المبادرة لمقاومة الاحتلال، وأنها تتفرد بقرار السلم والحرب، وعلى منبر آخر يخرجون يطالبون بحق إسرائيل في العيش بسلام.

فهل يستوي الطرحان؟ وكما في الأمس، يأخذ هؤلاء على المقاومة جرأتها على أميركا وإسرائيل وسلاحهم وقوتهم التي تساوي 80% من قوة العالم، وغدا سنعرف أن طاولات صنع قرار القضاء على غزة ومقاومتها إما شملت هؤلاء وإما وقّعوا على مقرراتها. هؤلاء الذين ينتظرون على أعتاب غزة "اليوم التالي بعد الحرب".

وما أشبه رجال الله اليوم برجال الله بالأمس، الذين آمنوا أن صاحب الحق لا يحتاج أكثر من أن يتمسك به حتى ينتصر، وإن كان مقهورا أو ضعيفا، ينتصر إن امتلك الصبر لا الأدوات، ينتصر حين لا يتنازل ولا يتراجع ولا يستسلم، حين يثبت على معاني الحق، حين يعتصم بصبر بعيد المدى، حين لا يقبل بحلول ضعيفة تتآكل وتتحول إلى مهادنات ومداهنات تؤدي الى ضياع المشروع وضياع الحق. ينتصر في النهاية، إن ثبت.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.