شعار قسم مدونات

الحداثة المحدثة والحداثة الحادثة!

ميدان - عصر التنوير
مفكري التنوير كانوا يتحدثون عن أفكار متعلقة بالمواطنة والعقد الاجتماعي لكنها لم تكن ضمن إطار شامل يريد الوصول إلى نقطة محددة (مواقع التواصل الاجتماعي)

لو أعملنا النظر في الحالة الفكرية العربية خلال القرنين الماضيين لرأينا أنها تعيش في حالة من السباق مع الواقع، هذا السباق بدأ مع دخول نابليون إلى مصر واكتشاف الهوة بيننا وبين شعوب أخرى كنا نراها في أفضل الأحوال مساوية لنا في المقام والتقدم.

وهذا التحول بسبب الصدمة دفع العالم العربي إلى المسارعة في التفكير ومحاولة حرق المراحل للوصول إلى التقدم الذي وصله الغرب، لكن هذا الخروج السريع أوقعنا في هفوات متواصلة مردها الأساسي يعود إلى إهمال العوامل المادية للتقدم الفكري والعلمي، فكنا كالذي فاجأه مناد من خارج بيته فهرع إليه ليجيبه فارتدى ما وجده من الثياب ليلحق به. ثم إذا خرج أدرك عيب ما لبس فحاول أن يعيد ترتيب ما على جسده ليبدو بصورة مقبولة.

التحديث الأوروبي خاصة بنسخته الأنجلوسكسونية بضفتيه حدث ولم يحدث، بمعنى أن التحديث خرج ابنا للبيئة والتطورات المادية والفكرية فيها، ولم يكن هدفا واضحا تسعى إليه مجموعة أو دولة.

ما أقوله هنا هو أننا بسبب تلك الصدمة دخلنا في عقلية تريد اللحاق، وهذه العقلية انتشرت على مستوى الجماعات والأفراد بل والدول، فرأينا مشاريع تجديد ونهضة وإحياء وإصلاح تهدف في لبها إلى إعادة تمركز "الأمة" – التجمع القيمي والشعوري والثقافي للشعوب المسلمة- في الواقع الفكري والحضاري للعالم. ولم يخل مجتمع مسلم أو عربي من تلك المحاولات، لكن الحالة العربية لها خصائصها، فالمسلمون في الهند ووسط آسيا وساحل أفريقيا والأرخبيل كان لهم تجارب وتفاعلات أكثر تدريجا، فضلا عن أوروبا العثمانية التي كانت على ثغور الممالك الأوروبية بل كانت جزء من الحراك الأوروبي المتأخر.

الإشكالية هنا هي أن التحديث الأوروبي خاصة بنسخته الأنجلوسكسونية بضفتيه حدث ولم يحدث، بمعنى أن التحديث خرج ابنا للبيئة والتطورات المادية والفكرية فيها، ولم يكن هدفا واضحا تسعى إليه مجموعة أو دولة. صحيح أن مفكري التنوير ومن بعدهم كانوا يتحدثون عن أفكار متعلقة بالمواطنة أو بالعقد الاجتماعي أو بتقييد الاستبداد أو المنهج العلمي، لكنها لم تكن ضمن إطار شامل يريد الوصول إلى نقطة محددة ما، فضلا عن أن يكون محاولا اللحاق بغيره.

فكثير من المؤسسات التي اشتهرت بكونها منارات لـ"التقدم" نشأت من رحم المجتمع ولم تنشئاها الحكومات، من الأفراد والجماعات الصغيرة، ثم بدأت تتأقلم وتكبر وتنتشر، فجامعتنا أوكسفورد وكامبريدج مثلاً لم ينشأها ملك أو رئيس وزراء، بل أنشأها علماء في الكنيسة. بل إن اتحاد الطلبة في تلك الجماعات لم تنشئه إدارة الجامعة بل نشأ أولا بشكل سري حينما تم منع النقاش حول الدين والسياسة في الجامعة، فقرر الطلاب الاجتماع والكلام في كليهما، وإدارة الجامعة حتى اليوم لا تشرف على الاتحاد ولا تتدخل في انتخاباته ولا تعين مراقبين لها، بل الطلبة يديرون أنفسهم بأنفسهم وينتخبون من يريدون.

التوحش العسكري والاقتصادي والفكري الإمبريالي ساقنا إلى زاوية حرجة نضطر فيها إلى الدفاع عن النفس بأي ثمن، بل حاول أن يحبط أي محاولة لإنشاء ظروف التحديث لدينا

فالمؤسسات التحديثية لم يتم إنشاؤها لغايات الوصول إلى التطور المنشود بل لتحقيق أهداف مرحلية توائم طبيعة السياق الاجتماعي والسياسي، لكننا في العالم العربي بدأنا العمل نحو اتجاه محدد وخط مرسوم، وأنشأنا لذلك المؤسسات والجماعات والتيارات التي ركزت على الهدف ، دون إلقاء أهمية للظروف المادية المنتجة لتلك المؤسسات. فصارت تلك المؤسسات جوفاء خالية من المحتوى.

ليس هذا ذنبنا نحن فقط بطبيعة الحال، فالتوحش العسكري والاقتصادي والفكري الإمبريالي ساقنا إلى زاوية حرجة نضطر فيها إلى الدفاع عن النفس بأي ثمن، بل حاول أن يحبط أي محاولة لإنشاء ظروف التحديث لدينا، فوقعنا في سباق غير عادل، وحرب عصابات فكرية تحاول دفع صائل غزى كل معالم وجودنا.

التحديث المقصود ربما يعود على أصله بالإبطال، لأنه يعاكس هدفه الأساسي وهو الإنسان الحر، والإنسان الحر لا يطلب منه أن يمشي في طريق محدد ويصل إلى نتيجة معينة، وإذا أردنا إنتاج صورة تليق بنا لحضارتنا،  والإجابة على أجوبة خاصة بنا لأسئلة عصرنا، فنحن بحاجة إلى بناء الإنسان الذي تجتمع فيه صفات مهمة، أهمها الاعتزاز بانتمائه لثقافته، وعدم إهمال الأجوبة المادية لأسئلة العصر، والتخلص من علائق الملاحقة المستمرة للغير، وأهمها برأيي أن تكون لديه حرية مسؤولة، تدفعه نحو العفوية المبدعة، لكنها تمنعه من التخريب الفكري واللهو المعرفي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.