شعار قسم مدونات

نزار ريان شيخ المخيم.. الشهادة والشهيد

JABALYA REFUGEE CAMP, GAZA STRIP - MARCH 16: Nizar Rayan, a senior Palestinian Hamas leader, holds his rifle while on patrol in an anticipation of a possible Israeli raid March 16, 2004 inside the Jabalya refugee camp in the northern Gaza Strip. Palestinian gunmen took up defensive positions after dark in response to Israeli tank movement at Gaza's northern border. (Photo by Abid Katib/Getty Images)
القيادي بحركة حماس الشيخ الشهيد نزار ريان (غيتي)

الشيخ الشهيد نزار ريان (1959-2009م) اسم لا يغيب عن ذاكرة فلسطين، ولا معارك غزة أو بطولات جباليا، فهو الاسم الأكثر استدعاء وحضورا هذه الأيام في الحديث عن محاولات قوات الاحتلال اقتحام معسكر جباليا -كما يسميه أبناؤه- بعد أكثر من 222  يوما لمعركة طوفان الأقصى.

يحضر الشهيد نزار ريان ومخيم جباليا ببهاء وشرف حين يستذكر أهل غزة وفلسطين إفشال خطط التهجير القسري، وفتوى الشيخ نزار المشهورة بعدم جواز الهروب من البيوت تحت وطأة التهديد

الشهيد المحدث نزار ريان شاهد على كل بطولات أهل غزة، وعلى مراحل الإعداد الأولى، وعلى بدايات المواجهات المسلحة بين المقاومة والمحتل، وحاضر دوما في معارك أبناء مخيمه بما سنه من تقدم للصفوف، وتثبيت للمجاهدين، ومرابطته ليلا حتى الصباح على تخوم المعسكر، وكان حضوره أجمل وشهادته أبلغ، يوم طاف شيوخ المخيم على مقاتلي جباليا يثبتونهم ويهتفون بهم "لن يدخلوا معسكرنا يا أبناء الشيخ نزار ريان.. لن يدخلوا معسكرنا".

"لن يدخلوا معسكرنا.. يعني لن يدخلوا معسكرنا"، جمل قالها الشهيد نزار ريان أيام معركة الغضب الأولى في 2004، وهو يتقدم الصفوف بسلاحه المهيب، وحققها الله له ما قال، فعاد الصهاينة خائبين.

تلك الجمل الحاسمة استدعاها أبناء جباليا هذه الأيام، وهم يستجيبون لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح في جولات القتال الأولى، فودعوا خيرة قادة اللواء، واستحر القتل في أطفالهم ونسائهم، وحوصروا أشد حصار وجوعوا، فما لانت لهم قناة صليبة وما ضعفوا ولا استكانوا.

طواف شيوخ معسكر جباليا على أبنائهم المجاهدين لم يثمر ثباتا وصمودا فقط، بل أثمر إثخانا في العدو وبسالة في الدفاع شفى الله بها صدور قوم مؤمنين، وهم يتابعون مشاهد أسطورية من تصدي المجاهدين البطولي للغزاة، وهم يتسابقون إلى الشهادة، ويحبطون بدمائهم الزكية خطط التهجير التي يسعى لها العدو بأحزمته النارية الكثيفة وحصاره المطبق لغزة كلها.

يعشق نزار ريان المعالي من كل شيء؛ في التخصص العلمي اتجه إلى الحديث النبوي الشريف ثم إلى الصحيحين، وفي الجهاد كان يتقدم الصفوف ويجمع السلاح ويحفر الأنفاق، كما كان بيته مأوى المطاردين من قادة القسام

يحضر الشهيد نزار ريان ومخيم جباليا ببهاء وشرف حين يستذكر أهل غزة وفلسطين إفشال خطط التهجير القسري، ودعوة الشيخ نزار المشهورة إلى لزوم البيوت تحت وطأة التهديد وعدم الهروب، وهو الذي دفع الناس لمواجهة مشروع التهجير الصهيوني قبل عقدين بدعوته وصموده، ووقع دعوته تلك بدمائه الزكية ودماء خمسة عشر نفسا مؤمنة من عائلته القريبة.

استذكر أهل غزة وجباليا شيخهم الشهيد نزار ريان وهم يودعون شهداءهم هذه الأيام، ويتأملون في وجوههم الجميلة المجللة بنور السكينة وعزة الإيمان، تذكروا قوله المشهور: "…إن شهداءنا قطع من قلوبنا، رضي الله عنهم ما أرق أفئدتهم، ما أجمل صلواتهم، ما أروع صولاتهم، ما أندى حياءهم والله كأنهم خلقوا للأدب والحياء والعبادة والجهاد..". (جريدة السبيل 2004).

الشيخ نزار ريان مدرسة فريدة أحيت هدي علماء السلف في جمعهم بين السيف والقلم، وبين تقدم صفوف القتال وتصدر المجالس العلمية، يعشق المعالي من كل شيء؛ في التخصص العلمي اتجه إلى الحديث النبوي الشريف ثم إلى الصحيحين، وفي الجهاد كان يتقدم الصفوف ويجمع السلاح ويحفر الأنفاق، كما كان بيته مأوى المطاردين من قادة القسام أمثال القائد محمد الضيف والشهيدين يحيى عياش وعدنان الغول.

فضل الشهيد المحدث نزار ريان على الجهاد في فلسطين كبير جدا، عابر للأزمنة متجاوز للتوجيه والإرشاد والتعليم وللمعارك التي شارك فيها مقاتلا أو محرضا أو معدا، وكان القائد يحيى السنوار بألمعيته وقدرته الاستشرافية مدركا لخلود آثار ريان الجهادية، ودوره المبارك في تخريج المجاهدين من أبناء القسام الذين تبارك جهدهم وجهادهم وخاضوا المعارك المزلزلة بعد استشهاد نزار ريان في "معركة الفرقان".

مصاب الشعب الفلسطيني باستشهاد ريان جلل، لكن العزاء بما تركه من إرث روحي وقيمي وجهادي عظيم، وبقدرة تلاميذه على تحقيق الانتصار في معركة غزة البطولية أكبر

  • يحيى السنوار

حين استشهد الشيخ نزار ريان عام 2009 كان السنوار يكمل عامه الحادي والعشرين في السجون الإسرائيلية، وأصدر يومها بيان نعي يعطي للقارئ الحصيف تصورا عن حقيقة الرجال الذين يقودون المعارك  الآن في غزة، فقد وصف يحيى السنوار نزار ريان بأنه "كان مدرسة قرآنية جهادية تخرج من أكنافها المئات من رواد الجهاد والاستشهاد والقساميون العظماء في قطاع غزة".

وأضاف السنوار في نعيه "أن مصاب الشعب الفلسطيني باستشهاد ريان جلل، لكن العزاء بما تركه من إرث روحي وقيمي وجهادي عظيم، وبقدرة تلاميذه على تحقيق الانتصار في معركة غزة البطولية أكبر"، هذا الإرث القيمي والروحي والجهادي الذي تركه نزار ريان ونوه به السنوار ظل يتصاعد في غزة حتى خروج السنوار من السجن عام 2011، فخاض تلاميذ ريان معارك بطولية عام 2012 و 2014 و 2019 و 2021 وصولا إلى معركة طوفان الأقصى 2023.

الغالب أن من قرأ بيان  نعي السنوار للشيخ نزار ريان المنشور في المركز الفلسطيني للإعلام بداية عام 2009، سيقول إن القائد الأسير المتفائل مصاب بالهلوسة وبيع الوهم، فقد كان كل خبر له صلة بالسنوار قبل تحرره يتبع بلازمة أوصافه المعهودة حينها، وهي الأسير يحيى السنوار "القابع في سجون الاحتلال الصهيوني"،  و"الأسير القسامي الذي يقضي حكما بالسجن لعدة مؤبدات لدوره في تأسيس الجهاز العسكري لحركة “حماس” وقيادته للجهاز الأمني التابع للحركة "مجد".

الانتصار الحقيقي الذي بشر به السنوار من زنزانته كان رفاق الشهيد نزار ريان عقله المدبر، وكان تلاميذه القساميون أيديه الباطشة يوم السابع من أكتوبر المجيد وما تلاه من ملاحم أثبت فيها شباب فلسطين ضروبا من فنون القتال والشجاعة والإبداع

كان السنوار في زنزانته يحمل بين ضلوعه أملا بالنصر المبين يكفي لتحرير كل العالم العربي من نير الاحتلال والاستبداد واليأس، فقد  وجه وأخبر في بيانه الرجال والشباب الذين سيقودهم بعد أقل من سبع سنوات من خروجه من السجن "أن الحديث عن مدرسة الشهيد ريان طويل ولا ينتهي، وأنه ليس أمام أبنائه العظام من كتائب القسام وقتا للدموع، بل إن أمامهم فرصة لتحقيق انتصار حقيقي على دولة الاحتلال وتلقينها دروسا في فنون القتال والصمود".

هذا الانتصار الحقيقي الذي بشر به السنوار من زنزانته كان رفاق الشهيد نزار ريان عقله المدبر، وكان تلاميذه القساميون أيديه الباطشة يوم السابع من أكتوبر المجيد وما تلاه من ملاحم أثبت فيها شباب فلسطين ضروبا من فنون القتال والشجاعة والإبداع أبهرت العالم كله.

كما أثبت فيها الشهداء أنهم لا يموتون؛ فالشيخ أحمد ياسين عاد  قذيفة مدمرة لدبابات العدو، وعياش صاروخا مزلزلا، والغول بندقية مقناصة، والشهيد الشيخ نزار ريان ظل روح فداء سارية في غزة ومخيم جباليا تبطل مؤامرات التهجير وتصفية القضية، وتبشر بقرب التحرير الشامل للأسرى والمسرى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.