شعار قسم مدونات

فتنة الكلمة أشد من القتل بالسلاح!

بعض وسائل الإعلام العالمية نشرت قصصا وهمية لتأجيج المجتمع الدولي ضد أصحاب الطوفان (غيتي)

حين تتقلب صفحات أيام الحرب يوما بعد يوم تعلم يقينا أن قتلى الحرب لا يموتون فقط في أرض النزال، وتعلم أيضا أن الجنود لا تحارب جميعا في الميدان، فجنود الميدان هم من يحارب بالحديد والنار وغيرهم يحارب بالكلمة لإشعال تلك النار.

فما أن تبدأ حرب في مكان ما وبالأخص إن كانت ضد بلد عربي وإسلامي حتى يلبس بعض جنود الإعلام جعبهم متحصنين خلف متاريس قنواتهم الفضائية، يطلقون رصاص إعلامهم الخبيث الذي يشيطن البريء ويبرئ الشيطان.

"طفح الكيل"، فتحزم عدد من الفلسطينيين في غزة برشوتاتهم وبدأوا طوفانهم المشروع دفعا للباطل. ودفاعا عن الحق. تلك هي القصة الحقيقية

دعونا أولا نرجع بالزمن إلى الوراء قليلا ونسرد تفاصيل القصة الحقيقة كما هي، وما حصل بعدها من تزوير مغاير للوقائع، فلنبدأ.

المكان: غزة، الزمان: السابع من أوكتوبر سنة 2023، الأسباب: مسلسل الاقتحامات المتكرر للمسجد الأقصى المبارك، واستمرار الحصار الخانق على القطاع، والإجرام والإهانات الممنهجة ضد الفلسطينين من قبل جنود الاحتلال وخاصة في مدينة القدس المحتلة، وغير ذلك من المخططات لنسف القضية.

والنتيجة "طفح الكيل"، فتحزم عدد من الفلسطينيين في غزة برشوتاتهم وبدأوا طوفانهم المشروع دفعا للباطل. ودفاعا عن الحق. تلك هي القصة الحقيقية، والتي ما إن بدأت حتى بدأ إعلام الباطل محاولات تشويه إعلام الحق عبر نسج قصص وهمية، هدفها الأساس تدمير غزة وتشريد أهلها وتشويه صورة مقاومتها.

فمنذ جريان الطوفان نشرت بعض وسائل الإعلام العالمية المرموقة والتي كان يجب أن تحترم أقل معايير المهنية والمصداقية وخاصة في مثل هكذا ظروف، نشرت قصصا وهمية لتأجيج المجتمع الدولي ضد أصحاب الطوفان بشكل خاص وضد الفلسطينيين بشكل عام من أجل وصفهم بالإرهابيين الذين يجب ملاحقتهم وقتلهم، لعل أهمها قصة قطع رؤوس الأطفال والتي تبنها البيت الأبيض بداية ثم تراجع عنها لاحقاً بحجة التثبت من الخبر، والذي كان من المفترض أن يتحقق منه أولا قبل تبنيه.

هذا ونشرت القصة الوهمية على نطاق واسع في أغلب القنوات الإخبارية العالمية ونالت صدى كبير في الدول الغربية، ونجحت في تعزيز سياسة دعم الانتقام بحق الفلسطينيين في غزة.

بالمقابل قصص اعترافات المحررين الإسرائيليين من غزة ومدى انبهارهم بحسن معاملة الفلسطينيين لهم ومشاركتهم الطعام والشراب وحمايتهم ضمن استطاعتهم والاهتمام بأدويتهم وعدم التعرض لهم بأي أذى، كل هذا وأكثر لم يكن من بين اهتمامات الإعلام الغربي لتتم تغطيته بالقدر الكافي فهو، أي الإعلام الغربي الذي تبنى الخبر، ربما لديه عين تبصر الأخبار الوهمية أكثر من الأخبار الحقيقة، وما قصة ابتسامة المحررة وقصة صاحب الموز عن إعلامهم ببعيد.

يجب ألا ننسى أنه يجب أيضا مواجهة من يستخدمون برامج وتقنيات الذكاء الاصطناعي في نشر الأخبار المفبركة ومعاقبتهم.

السؤال الآن، جاء بالقران الكريم "الفتنة أشد من القتل" فلماذا فقط يعاقب القاتل ويترك من نشر الفتنة حرا طليقا؟ خبر كخبر قطع رؤوس الأطفال أجج النار أكثر وأكثر في غزة وقتل بسبه مئات الأبرياء ثم يكفي اعتذارا سريعا من قبل الصحافي أو الصحافية أو الجهة الإعلامية التي نشرت الخبر فقط لا غير ثم يكملون عملهم وكأن شيئا لم يكن!

كم هي كمية التسخيف بعقول الملايين؟ لماذا لا يكون هناك ميثاق إعلامي عالمي موحد يعاقب من يسعى لنشر الفتن إعلاميا بأي طريقة كانت؟ مهما كان حجمه الإعلامي، فمن شارك ولو بالكلمة في تأجيج الصراعات وجرائم الحرب لا يكفيه فقط اعتذار، بل يجب أن يعامل على أنه مشارك فيها، كما يجب أن يكون هناك قانون رادع وضوابط إعلامية مهنية للحد من أي تضليل إعلامي محتمل.

وفي سياق متصل، لا ننسى أنه يجب أيضا مواجهة من يستخدمون برامج وتقنيات الذكاء الاصطناعي في نشر الأخبار المفبركة، وذلك عبر آليات ووسائل تقنية لمساعدة الإعلاميين بالدرجة الأولى، وكذلك الشارع العام في التمييز بين الأخبار الحقيقية والمزيفة ومعاقبة من ينشر الفبركات بالذكاء الاصطناعي أو بأي طريقة كانت.

وأخيرا، خلال محاسبة المنفذين لأي حرب، يجب أن يلاحق كل من شارك بإشعالها ولو بالكلمة، أما أن يلاحق فقط من يقتل بالسلاح ويترك من يقتل بالقلم حرا بلا رقيب ولا حسيب فتلك والله قسمة ضيزى، فالكلمة والصورة قد توقد حربا لا يعلم ذيول ويلاتها إلا الله، وفي أحيان كثيرة تكون فتنة الكلمة أشد من القتل بالسلاح.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.