شعار قسم مدونات

طوفان الإعداد.. ضرورة

يندرج الأمر بالإعداد في القرآن الكريم في سياق إستراتيجية الردع التي يرسخها الإسلام في العقيدة القتالية لأبنائه (غيتي-أرشيف)

إن المعارك التي خاضتها الأمة خلال القرن الماضي، والعلو الذي مارسه اليهود خلال العقود السالفة، والنكسات التي منيت بها ثورات الشعوب خلال الفترة السابقة، لتدل بما لا يدع مجالا للشك بأن مخططات الأعداء قد استحكمت وأثمرت بطريقة تمنع فيها الأمة الإسلامية من النهوض والعودة مجددا إلى مسرح الحياة.

وأن غياب تطبيق التوجيه الرباني للأمة بالإعداد كان كارثيا على جميع المستويات، وأن تكرار المواجهة دون إعداد واع وتهيئة حقيقية، مصيره الهزائم الحتمية والنكسات المتجددة.

والعاقل يدرك أنه لا يمكن أن يحقق نتائج مختلفة طالما كان خوضه لكل تلك التجارب بالارتجال نفسه والسطحية ذاتها، بعيدا عن الأمر الرباني الملزم ﴿وَأَعِدُّوا۟﴾.

لما كانت الأمة في مرحلة القوة كانت الأمم الأخرى تخطب ودها وتتحاشى إغضابها، لمعرفتهم بحجم إعدادها ومقدار جهوزيتها.

ويندرج الأمر بالإعداد في القرآن الكريم في سياق إستراتيجية الردع التي يرسخها الإسلام في العقيدة القتالية لأبنائه، ذلك أن معرفة العدو لحجم إعدادنا وتفوقنا في مختلف الميادين، كفيل بردعه وإحجامه وتحجيمه.

ولما كانت الأمة في مرحلة القوة كانت الأمم الأخرى تخطب ودها وتتحاشى إغضابها، لمعرفتهم بحجم إعدادها ومقدار جهوزيتها. ولذلك فإن الآية جعلت غاية الإعداد الأساسية هي زرع الرهبة في صدور الأعداء، فتتقي شرهم وتتحاشى أذاهم ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ أي: ترهبون بالإعداد عدو الله وعدوكم.

وهذا ينطبق على العدو الخارجي الواضح وعلى العدو الداخلي الراضخ الذي يترصد نقاط الضعف ويراقب وتيرة الاستعداد.

ومن نافلة القول؛ أن الإعداد الرادع لا يعني أبدا التصريح بكل الخطط وفضح كل التحضيرات، إنما لا غنى عن القراءة السياسية الواعية والتقدير المدروس للأمور، للموازنة بين الإبداء والإخفاء، وبين التصريح والتلميح، بما يخدم المعركة ولا يكشف التحركات، لأن الأصل أن يستعان خلال مرحلة الإعداد بالكتمان والسرية بالمقدار المطلوب، لعدم تفويت عنصر المفاجأة الذي يمثل ركن المعركة وغالب أحداثها، والذي عبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه بكلمة جامعة: "الحرب خدعة".

ومن مقتضيات ذلك أن يتم فهم العدو فهما دقيقا، وقراءة الواقع قراءة صحيحة، وتحضير الخطط البديلة، ودراسة السيناريوهات المتوقعة.

المؤمنين إذ يتلبسون بواجب الإعداد يستحضرون أنهم يمارسون لونا من ألون الجهاد ويسدون ثغرا من ثغوره.

وهذه الرؤية الوقائية ليست بابا لإغلاق شعيرة الجهاد أو ذريعة للركون إلى الظالمين بحجة الإعداد! بل إن الإعداد يجعلنا في أتم الأهبة للتحول من التحضير إلى النفير، ومن التهيئة إلى التضحية، وللانتقال من حالة الكمون إلى وضعية المواجهة، عند مداهمة الخطر والتقاء الصفوف.

كما أن المؤمنين إذ يتلبسون بواجب الإعداد يستحضرون أنهم يمارسون لونا من ألون الجهاد ويسدون ثغرا من ثغوره. وفي الوقت نفسه فإن هذه الوقاية لا تعني أن العدو سيرتدع بالكلية عن قتالنا في جميع الميادين، بل سيعتمد أساليبه الأخرى؛ كالاختراقات الأمنية، والسيطرة السياسية، وإفساد العقائد والأخلاق، وزرع بذور الفرقة بين المؤمنين، وغير ذلك من الأساليب ﴿وَلَا یَزَالُونَ یُقَـٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ یَرُدُّوكُمۡ عَن دِینِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَـٰعُوا۟﴾.

وإذا كان الصراع غير منته؛ فحري بنا أن نمتلك أدواته ومفاتيح إدارته، وأن نكون فيه فاعلين لا منفعلين، ومؤثرين لا متأثرين، حتى لا نجر إلى ساحات وهمية تشغلنا عن الميادين الحقيقية، ولا نستغفل عن كيد الأعداء بالقراءات السطحية، ولا نضيع الوقت ونستنزف الطاقات في الخلافات العبثية.

وفي زماننا الذي تتعرض فيه الأمة إلى الاستضعاف والاستنزاف في ساحات كثيرة، لا يجوز أن يتخلف أحد أو أن يولي دبره عن المشاركة ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا لَقِیتُمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ زَحۡفا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ * وَمَن یُوَلِّهِمۡ یَوۡمَىِٕذ دُبُرَهُۥۤ إِلَّا مُتَحَرِّفا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَیِّزًا إِلَىٰ فِئَة فَقَدۡ بَاۤءَ بِغَضَب مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِیرُ﴾.

هكذا تفرز صفوف المؤمنين من خلال هذا النص القرآني؛ إما الالتحام وإما التحرف لقتال أو التحيز إلى فئة، ومن لم يكن في هذا ولا ذاك فقد تعرض للوعيد الشديد. وإنَّ التحرف والتحيز في حقيقته إعداد للمواجهة التالية والالتحام القادم، عندها يكون أي تخل عن الإعداد خيانة للملتحمين، لذا لا بد لأبناء الأمة أن يتلبسوا بالحالين معا، فتوزع الأدوار وتتعدد الثغور بحسب الظروف المختلفة؛ زمانا ومكانا وإمكانا.

ثم إن الإعداد ضروري لأنه يوفر على الأمة الجهود الضائعة والدماء النازفة، ويزج الطاقات الفاعلة في عملية البناء الحضاري بدل إهدارها في معارك الدفاع الوجودية. بل إنه يوفر على الإنسانية حروبا وكوارث، لأن رسالة الإسلام تحمل السلام للبشر، وبقدر ما تكون الأمة عزيزة منيعة فإن البشرية تهنأ بالاستقرار والأمان.

ولا أدل على ذلك من عيش أقوام ينتمون إلى أديان وطوائف مختلفة في كنف الدول الإسلامية المتعاقبة دون أن يتعرضوا للإيذاء أو تنشأ بينهم وبين المسلمين عداوات وصراعات. بل لقد دارت مجتمعات وشعوب مجاورة في فلك الحضارة الإسلامية على الرغم من اختلافهم معنا في الدين واختلاف زعمائهم مع أمرائنا في السياسات.

الإعداد ضروري لفرز الصفوف ومعرفة الكوادر واكتشاف الطاقات قبل احتدام المعارك واختلاط الأمور. وهو ضروري حتى لا يغتر بالكثرة الغثائية التي لا يعتمد عليها في الأزمات، بل يحصل التركيز في القاعدة المتماسكة ويتم الاستثمار في النوعية الفاعلة.

 

والإعداد ضرورة لأنه فرصة لشحذ الهمم وتقوية العزائم والتخلص من شعور اليأس وعقلية الانهزام. وضرورة لأنه يرتقي باهتمامات الشباب ويصرفهم عن التفاهة ورذائل القضايا إلى الريادة وعظائم الأمور، ويركز جهدهم وتحصيلهم وأداءهم في إطار خطة واضحة المعالم والأهداف.

وهو ضرورة لأنه يحافظ على حيوية الأمة وحركتها، أولا لأنها تأبى الذل أمام المعتدين وترفض الركون للظالمين، وثانيا لأن سنة التدافع تبرز أفضل ما لديها في إثبات الذات وجدارة القيادة ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضࣲ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾، فالتدافع بين الناس وسيلة لحفظ الأرض من الفساد، وهو تكليف متجدد للمؤمنين لعمارتها والقيام بدورهم الاستخلافي فيها، ومنع تطرق الفساد إليها، سواء بترك التكليف المناط بهم كأمة شاهدة على الناس، أو بفسح المجال لتمكن المفسدين من حكمها والاستبداد بعباد الله فيها.

والإعداد ضروري لفرز الصفوف ومعرفة الكوادر واكتشاف الطاقات قبل احتدام المعارك واختلاط الأمور. وهو ضروري حتى لا يغتر بالكثرة الغثائية التي لا يعتمد عليها في الأزمات، بل يحصل التركيز في القاعدة المتماسكة ويتم الاستثمار في النوعية الفاعلة.

وهو ضروري لنشر الوعي بطبيعة الصراع ومسؤولية العمل ومخططات العدو. وهو ضروري لضبط بوصلة العمل والتركيز في النافع والمفيد، ولعل هذا ما يومئ إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن القوة الرمي"، فالرمي في الحقيقة استجماع لقوة التركيز الداخلية، وتسديد على هدف محدد، مع هدوء في الأعصاب ودقة في الأداء وترشيد في الإنفاق.

وكل ما سبق ذكره يخبرنا أنه لم يعد الإعداد قضية اختيارية تحسينية، أو مجرد حاجة تتطلبها ظروف المعركة، بل صار ضرورة لا تصلح الحياة بدونه ولا يتحقق دور الأمة الحضاري في غيابه، فهو بذلك واجب شرعي ومصلحة ضرورية.

وعليه فلا بد من المسارعة في سلوك هذا الطريق الذي لا غنى لأمتنا عن السير فيه، بحكمة وافرة، وبصيرة نافذة، وإرادة صارمة.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.