شعار قسم مدونات

الطوفان يفضح الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة

يرتكب الكيان الصهيوني في قطاع غزة أبشع حروب الإبادة الجماعية التي عرفها التاريخ (وكالات)

كشفت حرب الإبادة الجماعية الشاملة الصهيو-أميركية على قطاع غزة؛ عن الوجه الحقيقي للحركة الصهيونية العالمية، وعن حجم الاستعلاء والعجرفة والهيمنة والنفوذ والسطوة التي تمارسها ضد الكيانات التي تصطدم مع مصالحها أو تمس الأساطير والأكاذيب التي قامت عليها، سواء أكانت هذه الكيانات دولاً أو هيئات ومؤسسات أو أفرادا، ومن ذلك ما قام به مؤخرا الممثل الدائم للكيان الصهيوني في الأمم المتحدة "جلعاد إردان"، في رد فعله على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة دعم طلب فلسطين للحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، حيث أظهر إلى أي مدى تعتبر دولة الكيان الصهيوني نفسها فوق النظام العالمي وفوق الأمم المتحدة وأمينها وأعضائها ومواثيقها وقوانينها.

كم من محرقة ومجزرة قام بها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني قبل معركة طوفان الأقصى، وهو يقنع العالم كذبا وبهتانا؛ أنه يدافع عن نفسه ضد المجموعات الفلسطينية الإرهابية التي تريد أن تقضي على اليهود في العالم، وتعيد ذكرى المحرقة النازية المكذوبة.

ذنب لا يغتفر

كانت دولة الكيان الصهيوني تتوقع مسبقا أن الطلب الذي تقدمت به المجموعة العربية لحصول فلسطين على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، سيحظى بأغلبية ساحقة، ولذلك جاء الممثل الدائم للكيان الصهيوني في الأمم المتحدة مستعدا لهذا الموقف، حاملا معه آلة صغيرة جدا لتقطيع الوثائق والمستندات، بدت وكأنها صنعت خصيصا لهذا الموقف، وفي كلمته التي سبقت التصويت على الطلب، أخرج آلته وأدارها ثم أدخل فيها نسخة من ميثاق الأمم المتحدة ليتحول في ثوان معدودة إلى فتات.

وكما تلقي دولة الكيان الصهيوني مسؤولية الإبادة الجماعية الشاملة التي تقوم بها في غزة على حماس وكتائب المقاومة الفلسطينية المسلحة؛ قام الممثل الدائم للكيان الصهيوني في الأمم المتحدة بفعلته وقطع ميثاق الأمم المتحدة وألقى باللائمة على الأعضاء الذين سيصوتون لصالح قرار إعطاء فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة، قائلا "إن الدول التي ستصوت لصالح مشروع قرار بشأن عضوية فلسطين تمزق ميثاق الأمم المتحدة بأيديها"، متهما الجمعية العامة للأمم المتحدة بالوقاحة، وأنها "اختارت مكافأة النازيين المعاصرين بالحقوق والامتيازات"، وأنها فتحت الأمم المتحدة أمام الجهاديين "الذين يرتكبون الإبادة الجماعية والملتزمين بإقامة دولة إسلامية في جميع أنحاء إسرائيل والمنطقة والذين يقتلون كل رجل وامرأة وطفل يهودي"، وأنها "ترتكب ذنبا لا يغتفر،.. وتبصق على القيم ذاتها التي وضعتها"، وأنها تنتهك الميثاق وتتجاوز مجلس الأمن وتستهزئ بمعنى "محبة السلام، لأنها تحابي الفلسطينيين الذين وصفهم بأنهم "محبي الإرهاب".

وكالعادة لم ينس الممثل الدائم التذكير بالمحرقة النازية ضد اليهود، مضيفا أن هذا اليوم "سيكون عارا على الأمم المتحدة، التي تأسست في أعقاب القتل المنهجي لستة ملايين يهودي، لأنها لا تهتم بميثاقها التأسيسي، وتدفع بنظام إبادة جماعية آخر يهدد وجود الشعب اليهودي". أما وزير خارجية الكيان الصهيوني "يسرائيل كاتس"، هجوما حادا على الأمم المتحدة بعد صدور القرار، معتبرا إياه بأنه "مكافأة لإرهابيي حماس بعد ارتكابهم أكبر مجزرة ضد اليهود منذ المحرقة".

ترتكب دولة الكيان الصهيوني في قطاع غزة أبشع حروب الإبادة الجماعية التي عرفها التاريخ، والتي اهتزت لها أركان العالم أجمع، دون أن تهتز لها شعرة واحدة في جسدها المتلبد الذي يتغذى على الأكاذيب والتضليل والقرصنة والابتزاز والعنصرية، وتتهم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب والتطرف ومعاداة السامية، في الوقت الذي تحتل فيه أرض فلسطين وتستبيح كل شيء دون رادع أو جازر.

إلا أن دماء الأبرياء من الضعفاء والنساء والأطفال، التي أريقت في قطاع غزة تحت القصف والدمار الذي لم يبق فيها على شيء، أيقظت العالم، ودفعته إلى إعادة التفكير في مواقفه العمياء التي يساند فيها الكيان الصهيوني طيلة العقود الماضية، معتمدا على ما يقدمه من أكاذيب وتلفيقات، وما يقوم به من حجب لحقيقة ما يقوم به ضد الشعب الفلسطيني، وما يسببه له من معاناة.

فكم من محرقة، وكم من مجزرة قام بها ضد الشعب الفلسطيني قبل معركة طوفان الأقصى، وهو يقنع العالم أنه يدافع عن نفسه كذبا وبهتانا ضد المجموعات الفلسطينية الإرهابية التي تريد أن تقضي على اليهود في العالم، وتعيد ذكرى المحرقة النازية المكذوبة.

توقع الكيان الصهيوني في التصويت لإعطاء فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة أن يزداد عدد المعارضين للقرار، تحت تأثير مزاعم حرب الإبادة الجديدة التي يتعرض لها الشعب اليهودي في فلسطين منذ المحرقة النازية.

التصويت ينقض الأكاذيب

فضحت حرب الإبادة الجماعية التي يقوم بها التحالف الصهيو-أميركي في غزة؛ دولة الكيان الصهيوني، وكشفت حجم الأكاذيب التي يضلل بها العالم منذ عدة عقود، بعد أن تابع العالم تفاصيل هذه الحرب الهمجية الوحشية على مدار الساعة، بالألوان الطبيعية على الهواء مباشرة، لأكثر من سبعة أشهر حتى الآن.

وظهر ذلك جليا في حصول الطلب على موافقة ١٤٣ عضوا، ومعارضة تسعة أعضاء، وامتناع ٢٥ عن التصويت، في حين حصل قرار رفع تمثيل فلسطين في الأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٢م على موافقة ١٣٨ عضوا واعتراض تسعة أعضاء، وامتناع ٤١ آخرين عن التصويت.

كانت صدمة الكيان الصهيوني في التصويت على إعطاء فلسطين عضوية كاملة أنه لم يصوت لصالحه من الدول المعتبرة سوى الولايات المتحدة والأرجنتين، بالإضافة إلى هنغاريا وتشيكيا وبابوا غينيا الجديدة وثلاث دول عبارة عن جزر متفرقة في غرب المحيط الهادي مجموع سكانها لا يصل إلى ١٥٠ ألف نسمة.

١٤٣ دولة في العالم لم يعد يهمها أن تنقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، أو أن تتعرض لعقوبات اقتصادية أو تكنولوجية أو عسكرية، أو أن تشهد تدخلات انقلابية مشبوهة. فقد أثرت تداعيات حرب الإبادة الجماعية الصهيو-أميركية على غزة كثيرا على عملية التصويت لصالح إعطاء فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة، وخاصة على الدول الغربية، فقد بلغ عدد الدول الغربية الممتنعة عن التصويت ٢٠ دولة من مجموع ٢٥ دولة، ١٩ دولة أوروبية وكندا، وجميعها تتمتع بعلاقات قوية مع دولة الكيان الصهيوني، على رأسها بريطانيا وألمانيا وإيطاليا، والتي تعتبر من الدول الراعية للكيان الصهيوني والملتزمة بحمايته. والممتنع عن التصويت أقرب إلى الموافق على القرار منه إلى المعترض، وكان الكيان الصهيوني يتوقع أن يزداد عدد المعارضين تحت مزاعم حرب الإبادة الجديدة التي يتعرض لها الشعب اليهودي منذ المحرقة النازية.

أما بقية الدول الغربية فجميعها صوتت لصالح القرار بما في ذلك فرنسا وإسبانيا والبرتغال وأستراليا، باستثناء دولة إستونيا التي غابت عن جلسة التصويت، وهو ما يعتبر صدمة كبيرة وصفعة، ومؤشر للعديد من الدلالات التي سيحسب لها الكيان الصهيوني ألف حساب في قادم الأيام.

ومع ذلك، لا يزال الكيان الصهيوني يعيش مطمئنا للقبة الأميركية الحديدية التي تقيه من إدانات مجلس الأمن، باستخدام حق النقض ضد أي قرار ضد مصلحة الكيان الصهيوني، ضاربة بعرض الحائط كافة الحيثيات التي اتخذ المجلس قراره على أساسها. وقد سارعت الولايات المتحدة إلى إدانة القرار وتعهدت باستخدام حق النقض (الفيتو) ضده.

ورغم المكاسب التي حققتها فلسطين في هذا التصويت، إلا أن الألم يظل ضاربا خنجره المسموم في صدر القضية الفلسطينية بسبب الانقسام الفلسطيني وعجز الفرقاء عن لم الشمل وتوحيد الصف في وجه الكيان الصهيوني، في مرحلة تاريخية لم تشهدها القضية من قبل.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.