شعار قسم مدونات

فردية السوري.. عيب وراثي أم خلل مكتسب؟

أعرب رسّام الغرافيتي السوري عزيز أسمر، عن تضامنه مع منكوبي زلزال المغرب عبر الرسم على جدران مبنى مهدّم في منطقة إدلب، شمال غربي سوريا. الرسّام الذي بات يُعرف برسمه أبرز الأحداث العالمية على جدران المباني المهدّمة في إدلب، اختار التفاعل مع زلزال المغرب على الطريقة نفسها. ومن خلال رسوم رسمها على جدران أحد المباني المنهارة جراء هجمات النظام السوري على بلدة بنّش شمالي إدلب، جسّد أسمر آلام الشعب المغربي جراء الكارثة الطبيعية التي حلّت بهم.
رسّام غرافيتي سوري يتضامن مع منكوبي زلزال المغرب (وكالة الأناضول)

لا يخلق الله في شعب بعينه عيبا وراثيا يجعله متخلفا ويمنعه من التقدم في ركب الحضارة البشرية. هذا تصويب لنظرة عنصرية تخالف الإنسانية وتخالف ما نعتقده كمسلمين من نزاهة الخالق سبحانه جل وعلا. من هنا يجب أن نبدأ مناقشة الفكرة التي تقول: نحن السوريون لا نستطيع العمل معا.

هناك جوع شديد عند السوري لإثبات الذات بسبب القهر الذي تعرض له، وبسبب افتقاره إلى المهارات اللازمة في التواصل مع نفسه ومع الآخرين هو يشبع هذا الجوع بطرق خاطئة تتراوح ما بين الهجوم أو الانسحاب في مواطن الخلاف.

الاستعداد للانضباط والعمل ضمن فريق موجود لدى الإنسان السوري كما هو موجود لدى أي إنسان آخر لكننا كسوريين لم تتح لنا الظروف المناسبة لتنمية هذا الاستعداد وتحويله إلى صفة راسخة.

  • أولا، نحن السوريون لم نخضع صغارا أو كبارا لا في المدرسة ولا في المنزل ولا في المسجد لأي تدريس نظري أو تدريب عملي حول العمل الجماعي ومهارات التواصل وإدارة الخلاف ومواجهة التحديات التي تصادف الناس عندما يعملون في فريق.
  • ثانيا، نحن السوريون عشنا لأكثر من نصف قرن تحت وطأة نظام مستبد لا قيمة للإنسان فيه ولا احترام لحقوقه وكرامته بل حتى لحياته مما أفقدنا تقديرنا لذواتنا وجعل الشخصية السورية مسحوقة مأزومة تفتقر إلى الشعور بالأمان الداخلي.

هناك جوع شديد عند السوري لإثبات الذات بسبب القهر الذي تعرض له، وبسبب افتقاره إلى المهارات اللازمة في التواصل مع نفسه ومع الآخرين هو يشبع هذا الجوع بطرق خاطئة تتراوح ما بين الهجوم أو الانسحاب في مواطن الخلاف.

  • افتقاد الأمان الداخلي يصنع الإنسان الذي يدور حول قناعاته ويعتبر أي مخالفة لرأيه تهديدا يرفضه قبل التفكير فيه.
  • افتقاد الأمان الداخلي يصنع الإنسان الذي يعتبر نجاح الآخرين فشلا له فيتجاهل إنجازاتهم وقد ينسبها لنفسه.
  • افتقاد الأمان الداخلي يشوه تفسير الإنسان لتصرفات الآخرين فيعتبرها موجهة ضده ولو كانت تحتمل تفسيراً آخر لكن التفسير الأسوأ يسبق إلى عقله ويتحول إلى قناعة راسخة.
  • افتقاد الأمان الداخلي يؤدي إلى انتكاسات حدية إما غاية في الجبن والانسحاب والتنازل عن حقوق الذات أو غاية في التعدي وانتهاك حقوق الآخرين.

الاعتقاد بأن السوري يملك عيبا وراثيا يمنعه من العمل مع الآخرين مخالف للحقيقة ويؤدي إلى التعامل معه بطريقة تؤدي إلى تحقق هذا الاعتقاد وفق ظاهرة النبوءة ذاتية التحقق

عندما يختلف شخصان يفتقران إلى الأمان الداخلي يتعامل كل منهما مع الخلاف بطريقة تقلل من شأن الآخر وبالتالي تعزز عدم شعوره بالأمان وتعزز ما ينجم عن ذلك من سلوك سلبي نافٍ للآخر وهكذا تتحول الخلافات إلى صراعات لإثبات الذات.

افتقاد الأمان الداخلي يفسر الكثير من تصرفاتنا نحن السوريين وما نتصف به من فردية وافتقار إلى روح العمل الجماعي.

ما هدمته الأفعال لا تبنيه الأقوال. الأمان الداخلي لا تصنعه عبارات المديح والمجاملة وإنما المعاملة باحترام هي التي تعطي الإنسان الشعور بتقدير الذات الذي يمنحه الأمان الداخلي.

الاعتقاد بأن السوري يملك عيبا وراثيا يمنعه من العمل مع الآخرين مخالف للحقيقة ويؤدي إلى التعامل معه بطريقة تؤدي إلى تحقق هذا الاعتقاد وفق ظاهرة النبوءة ذاتية التحقق "self-proving prophecy". بينما تفهمنا للأسباب الحقيقية لهذا الخلل، وتعاملنا مع السوري باحترام يشبع حاجته إلى إثبات ذاته بطريقة سليمة، وسعينا إلى امتلاك المهارات اللازمة للعمل الجماعي، والصبر على ما يحتاجه كل ذلك من وقت وجهد، يسرع تعافينا من هذا المرض وبناء دولة القانون والمؤسسات بأيدينا وفوق أرضنا.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.