شعار قسم مدونات

النماذج العُلمائية الملهمة.. "حبر الأمة وترجمان القرآن"

المسجد النبوي 1174892407
اتفق الناس أن ابن عباس برع على وجه خاص في الفقه والتفسير والحديث (شترستوك)

حبر الأمة، وترجمان القرآن، وقمة الفقه، وإمام التفسير، الفتي العالم، والشجاع الوسيم، والصحابي القريب، صاحب الرأي والحكمة، عظيم الخشية والتواضع، الخطيب المصقع، الحجة في اللغة والأدب والبيان، عفيف اليد واللسان، نموذجا في التضحية والهمة، والإقدام والإيثار، والصورة العملية التطبيقية، لمنهج الله في الأرض، أبو العباس عبد الله، ابن عم رسول الله ﷺ.

مع تقدم إسلامه وإسلام أبيه، فإنه لم يتح له أن يهاجر إلا قبيل فتح مكة، وذلك بعد أن أسلم ابوه، فهاجرا معاً، فاتفق لقياهما مع النبي ﷺ، بالجحفة وهو ذاهب لفتح مكة، فرجعا وشهدا معه فتح مكة

اسمه ونسبه وكنيته

هو عبدالله بن العباس، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، ابن كعب، ابن لؤي، ابن غالب، بن فهر، بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان، ثم يرتقي نسبه إلى أن يصل إلى إسماعيل، بن إبراهيم، عليهما الصلاة والسلام، واسم عبدالله من الأسماء المعروفة المتداولة قبل الإسلام، وهو اسم أبي النبي ص وجاء الإسلام فحبب على التسمية به، وجعله من خير الأسماء التي تختار للأبناء، ففي الحديث (إن أحب اسمائكم إلى الله عز وجل عبدالله وعبد الرحمن)، ويكنى بأبو العباس، أكبر أولاده وهو العباس.

إسلامه وهجرته

مهما قيل في زمن إسلام العباس، أبيه، فإن الروايات تتحدث بتقديم إسلام عبد الله بن العباس، على غزوة الفتح، بزمن غير يسير، جاء في صحيح البخاري، عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن العباس(رضي الله عنه) تلا: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان)، قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، وجاء في صحيح البخاري تعليقاً، قال: كان ابن عباس (رضي الله عنهما)، مع أمه من المستضعفين ولم يكن مع أبيه على دين قومه، وقال: أي عبد الله بن العباس: الإسلام يعلو ولا يعلى.

هجرته

فمع تقدم إسلامه وإسلام أبيه، فإنه لم يتح له أن يهاجر إلا قبيل فتح مكة، وذلك بعد أن أسلم ابوه، فهاجرا معاً، فاتفق لقياهما مع النبي ﷺ، بالجحفة وهو ذاهب لفتح مكة، فرجعا وشهدا معه فتح مكة، وكان فتح مكة سنة ثمان من الهجرة صبيحة يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان، وعلى هذا يكون انتقال ابن عباس إلى دار الهجرة سنة الفتح وقد بايعه رسول الله ﷺ بعد أن هاجر، وهو صغير لم يبلغ الحلم.

كان أحد الفقهاء السبعة، الذين انتهت إليهم الفتيا، بعد رسول الله، وقد جمع أبو بكر محمد، بن موسى، بن يعقوب، ابن أمير المؤمنين المأمون، فتيا عبد الله بن عباس في عشرين كتابا

مكانته وشخصيته العلمية

كانت شخصية عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) شخصية متكاملة، متعددة الخصال، الكريمة، فما من خضلة من خصال الخير والفضيلة إلا وجدته متفوقا فيها، ولا شك أخذ معظم هذه الخصال من ابن عمه رسول الله ﷺ الذي بلغ الكمال كل الكمال في صفات البشر الخيرية، فما هو السبب في ذلك، إن من هذه الأسباب التي جعلته كذلك:

  • دعوة الرسول ﷺ حيث قال له: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، فكان بهذه الدعوة فقيها ومفسرا لكتاب الله.
  • ذكاؤه النادر، وقريحته الوقادة، وصبره في تحصيل العلم، وقدرته على الاستيعاب، فلقد كان بارعا في ميادين شتى؛ العلم والمعرفة؛ والأدب والشعر واللغة.

واتفق الناس أن ابن عباس برع على وجه خاص في الفقه: والتفسير والحديث، حتى كان مرجع الناس إليه بالغدو والآصال.

مكانته في الفقه

كان (رضي الله عنه) فقيها، بل كان أحد الفقهاء السبعة، الذين انتهت إليهم الفتيا، بعد رسول الله، وقد جمع أبو بكر محمد، بن موسى، بن يعقوب، ابن أمير المؤمنين المأمون، فتيا عبد الله بن عباس في عشرين كتابا، وكان عبد الله بن عباس مرجع الصحابة عند اختلافهم في أمور الفقه: وقالت فيه عائشة أعلم الناس بمناسك الحج، وشهد له عبد الله بن عمرو بن العاص. قال فيه: ابن عباس أعلمنا بما مضى، وأفقهنا فيما نزل مما لم يأت فيه شيء.

مكانته في التفسير

سلك ابن عباس في التفسير منهجا سليما، فهو حين يستعمل العقل يستعمله مستعينا بمقاصد الشريعة، وأهدافها، واللغة العربية التي نزل بها القرآن، وكان عبد الله بن عباس يكره أن يأخذ من أهل الكتاب، أو يسألهم وكان يقول: كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم أحدث تقرؤونه محضا لم ينشب.

منزلته في الحديث

كان ابن عباس من المحدثين البارزين عن رسول الله، ولكنه كان يكره الإكثار من الحديث عن الرسول، كما كان لا يقبل حديثا إلا بعد تثبت، وكان ينهج في هذا النهج نهج عمر، ورغم كراهيته للإكثار من الحديث فإنه يعد من المكثرين للحديث، مع أبي هريرة وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين.

وقد بلغ مجموع ما رواه ابن عباس: 1660 حديثا، اتفق البخاري ومسلم على خمسة وتسعين حديثا، وانفرد البخاري بمائة وعشرين حديثا، وانفرد مسلم بتسعة وأربعين حديثا، وفي الرياض المستطابة ليحيى بن أبى بكر العامري، روى عبد الله بن عباس، عن رسول الله ﷺ، وأكثر فأخرج له الشيخان مائتين وأربعة وثلاثين حديثا واتفقا، على خمسة وسبعين ‏ وانفرد البخاري، بمائة وعشرة، ومسلم بتسعة وأربعين، وخرج عنه أصحاب المسانيد والسنن كلهم.

قال طلحة بن عبيد الله: ما كنت أرى عمر بن الخطاب يقدم على ابن عباس أحدا، وكان ابن عباس رضي الله عنهما كثيرَ الملازمة لعمر، حريصا على سؤاله، والأخذ عنه؛ ولذا كان رضي الله عنه من أكثر الصحابة نقلا، ورواية لتفسير عمر، وعلمه (رضي الله عنهم)

مكانته من عمر (رضي الله عنه) وإمامته للمدرسة المكية

احتلت هذه المدرسة المكانة في قلوب المؤمنين، الساكنين، والثائبين إلى بلد الله الحرام، الحجاج، والعمار، والزوار، بل أخذت مكة بألباب كل مؤمن رآها، أو تمنى أن يراها، ولقد كان العلم بمكة يسيرا زمن الصحابة، ثم كثر في أواخر عصرهم، وكذلك في أيام التابعين، وزمن أصحابهم، كابن أبي نجيح، وابن جريج، إلا أن مكة اختصت زمن التابعين بحبر الأمة، وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما الذي صرف جل همه، وغاية وسعه إِلى علم التفسير، وربى أصحابه على ذلك، فنبغ منهم أئمة كان لهم قصب السبق بين تلاميذ المدارس في التفسير، وقد ذكر العلماء مجموعة من الأسباب أدت إلى تفوق هذه المدرسة، أهم هذه الأسباب، والأساس فيها إمامة ابن عباس (رضي الله عنهما) وأستاذيته لها، وقد تحدث العلماء عن مجموعة من الأسباب أهلت ابن عباس (رضي الله عنهما) وقدمته على غيره من الصحابة في فهم كتاب الله، والقدرة على تفسيره، وهي على الإجمال:

دعاء النبي ﷺ له بالفقه في الدين، والعلم بالتأويل، الأخذ عن كبار الصحابة، قوة اجتهاده، وقدرته على الاستنباط، اهتمامه بالتفسير، منهجه المميز في تعليم أصحابه، حرصه على نشر العلم، رحلاته، وأسفاره، تأخر وفاته، قرب منزلته من عمر رضي الله عنه. كان عمر رضي الله عنه يداخله مع أكابر الصحابة، وما ذلك إلا لأنه وجد فيه قوة الفهم، وجودة الفكر، ودقة الاستنباط، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما كان عمر يسألني مع أصحاب محمد ﷺ، فكان يقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا، فإِذا تكلمتُ، قال: غلبتموني أن تأتوا بما جاء به هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه. كان ابن عباس لشدة أدبه إذا جلس في مجلس فيه من هو أسن منه لا يتحدث إلا إذا أذن له، فكان عمر يلمس ذلك منه، فيحثه، ويحرضه على الحديث تنشيطا لنفسه، وتشجيعا له في العلم، كما مر معنا في تفسير قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} [البقرة: 266]، وقوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1].

وقال طلحة بن عبيد الله: ما كنت أرى عمر بن الخطاب يقدم على ابن عباس أحدا، وكان ابن عباس رضي الله عنهما كثيرَ الملازمة لعمر، حريصا على سؤاله، والأخذ عنه؛ ولذا كان رضي الله عنه من أكثر الصحابة نقلا، ورواية لتفسير عمر، وعلمه (رضي الله عنهم) وقد أشار بعض أهل العلم إلى أن عامة علم ابن عباس أخذه عن عمر (رضي الله عن الجميع)، هذا بعض ما لقيه ابن عباس إمام المدرسة المكية من عناية الفاروق، وتقريبه له رضي الله عنهم وأظن هذا مما أعان ابن عباس، وشجعه للمضي قدما في طريق العلم عامة، والتفسير خاصة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.