شعار قسم مدونات

لا تتبرعوا لغزة ولا تتصدقوا على أطفالها

شاحنات تحمل مساعدات أممية أثناء دخولها لغزة غبر معبر رفح (الأناضول)

قطاع غزة، الصغير جغرافيا والمحاصر من سنوات عجاف، والمستهدف بحملة تدميرية غير مسبوقة تاريخيا لما يزيد عن سبعة أشهر قطعت شرايين الحياة عنه وعن أهله وحطمت بنيته التحتية. القطاع الذي يودع قوافل الشهداء يوميا، ويتضور أطفاله جوعا، ويئن مرضاه ألما، وقد استهدف قطاعه الصحية من النازيين الجدد، هو رغم ذلك وأكثر من ذلك، لا يحتاج إلينا بقدر ما نحتاج نحن له لا بل وتحتاجه الإنسانية قاطبة.

كم أغتاظ وكم يقهرني ما أسمعه من البعض وهو يدعو الآخرين (وإن كانت الدعوة كريمة ومقاصدها نبيلة) للتبرع لغزة ولدفع الصدقات لفقرائها، نعم ينبغي علينا أن نقف مع غزة، ولكن لا لنتبرع لها ولا لنتصدق على أهلها، بل لنقوم بأدنى واجباتنا نحو غزة وأهلها الكرام الفضلاء.

إن حاجتنا لغزة وأهلها أشد وأعظم من حاجة غزة المدمرة وأهلها المكلومين لنا على عظم المصاب وفداحة الخطب. غزة التي تقاوم وحدها وبشعبها المحاصر المبتلى، الصابر والمصابر، وبجراحاتها النازفة وإيمانها العميق وصبرها واحتسابها واللذان فاق قدرة البشر على التخيل ناهيك عن التحمل، غزة لها فضل علينا عظيم، ومأثرة جليلة لم ولن نستطيع أن نوفي لها حقها من الشكر، ولا نرد معروفها وفيض عطائها من الامتنان والتقدير.

جاءت ملحمة غزة لتسقط أساطير، وتكشف أكاذيب، وتسقط أقنعة، وتعيد وهج حقائق طمست خلال عقود من التزييف والتزوير.

بعد عقود من الذل والمهانة والتي ولدت جميع الأجيال الحالية من العرب في ظلالها الداكنة، ونشأت في أجوائها العقيمة البائسة، جاءت ملحمة غزة لتغير ما كان البعض يظن أنه القضاء الذي لا يتغير والقدر الذي لا يتبدل.

فمنذ ولادتنا ونحن نعيش الذل والهوان العربي الرسمي والذي أمتد ليغطي حتى قطاعات شعبية عريضة، جيش إسرائيل لا يقهر، قدراتها خيالية، أما نحن العرب، فالهزيمة والذل والصغار مطبوعة في جيناتنا، ما منها مناص ولا عنها فكاك.

صفقات أسلحة فلكية -تفوح فيها روائح الفساد العفنة- في بلدان عربية متعددة في سبيل الاستعداد لحروب وهمية، وفيما الأسد الأب وبعده الأبن يطبقان أحكام عرفية لعقود ويذيقون المواطن كؤوس الذل والمهانة، كيف لا وفي سبيل معركة الأمة في فلسطين تدمر مقومات الحياة والكرامة. ولتحقيق "التوازن الاستراتيجي" ومن بعد "السلام الاستراتيجي" فلتنهب المقدرات ولتقرع الكؤوس ولتدحرج الرؤوس.

جاءت ملحمة غزة لتسقط أساطير، وتكشف أكاذيب، وتسقط أقنعة، وتعيد وهج حقائق طمست خلال عقود من التزييف والتزوير. تعيش الأمة الآن من أقصاها إلى أقصاها مشاعر ممزوجة بين حزن عميق على وضع إنساني قاس ومحزن وإجرام صهيوني لا يعرف في وحشيته الحدود في غزة، وبين فخر واعتزاز بمقاومين أعادوا لإمتهم شيئا من الكرامة والرفعة والعزة، افتقدتهم ردحا طويلا من الزمن. كان النظام العربي -وما زال- يتهافت على السلام مع المحتل ويطلق مبادرة سلام تلوى أخرى.

فيما الصهاينة يقابلون كل ذلك بالتعجرف والتكبر والامتهان. ولكن ويا لسخرية الأمور، فبعد ملحمة  غزة تهافتت أميركا والصهاينة -بغض النظر عن الخلفيات والمقاصد- على التفاوض مع المقاومة، وحبس المجتمع الدولي أنفاسه فيما كان مدير المخابرات الأميركية ينتظر في وقت ما، إجابة من المقاومة وموقفها من مقترحات الوسطاء.

حطمت غزة قيودا وأغلالا فكرية ونفسية وعقائدية وإعلامية، فدخل كثير من الناس في الإسلام حبا وقناعة وإيمانا وتدبرا.

علمتنا غزة معان إيمانية كنا نظنها حبيسة كتب التاريخ، وساعدتنا كثيرا في تربية أطفالنا. كنا نحاول أن نقتنص أطفالنا من عالم الجوالات ونخرجهم ولو بشكل مؤقت خاطف، من براثن العولمة وتوحشها المادي المخيف والقاتل، فنفشل في ذلك إلا قليلا. جاءت صور غزة وتسليم وأهلها ورضاهم وإيمانهم العميق، لتعيد قطاعات عريضة من الأجيال الناشئة إلى الجذور الصافية والمعان الأخلاقية السامية وتجدد إيمانهم بالله وتأصله وتعمقه.

حطمت غزة قيودا وأغلالا فكرية ونفسية وعقائدية وإعلامية، فدخل كثير من الناس في الإسلام حبا وقناعة وإيمانا وتدبرا. وفيما كان موجات الإلحاد تضرب مجتمعاتنا، وتزعزع إيمان كثير من الفتية والناشئة، جاءت دروس غزة العملية ومواعظها العميقة لتدخل السكينة في قلوب مضطربة فتتحول إلى الإيمان والطمأنينة ولتزداد إيمانا مع إيمانها.

كان المسلمون وخصوصا في الغرب يعانون في السنوات الأخيرة من هجمات تستهدف عقائدهم وشعائر دينهم وتريد أن تختطف منهم أطفالهم، فمنع الحجاب في دول غربية وتم تنميط صورة المسلم بأنماط غاية في السلبية، ثم جاءت وتصاعدت حملات فرض الشذوذ الجنسي على المسلمين كنوع من الإذلال والقهر الديني ولإخراج الناس عمليا من دينهم.  فتن الناس ومنعوا من توعية أبناءهم وتم تجريم ذلك، لتأت ملحمة غزة فتعيد لأجيال من الناشئة هويتهم وتعمق انتمائهم خصوصا وهم ومعهم شباب غربي يشاهدون ويرصدون النفاق الرسمي والإعلامي الغربي والذي يعتبر فرض الشذوذ حرية مقدسة، فيما التعاطف مع ضحايا حرب الإبادة نوعا من معاداة السامية.

لقد أعادت غزة وأهلها لنا كرامتنا المهدورة، ورفعوا عن أمتهم ركام عقود من الصغار والمهانة، وأعادوا لنا هويتنا وانتشلوا أجيالا من الضياع والإلحاد، وأحيوا في العالم معان إنسانية عميقة والتي دفنت في ركام من العولمة والتوحش المادي، وفضحوا النظام الدولي المنافق. تحملت غزة كل هذه الأعباء -والتي كان على الأمة جمعاء أن تحملها وتتحملها وحدها- صابرة محتسبة، وسددت أثمان باهظة.

إن غزة وأطفالها هم الساتر والحاجز والذي من دونه الطوفان، فالعدو متوحش لا يرحم، وهو لا يرى فينا إلا قطعان وجوييم يستحقون الذبح والإبادة.

فيا غزة ويا أهلها ويا جرحاها وأيتامها وأراملها، ويا أبطالها من الأطباء والعاملين في قطاع الإغاثة والدفاع المدني وإعلاميها، ويا مساجدها المدمرة، ومدارسها المحطمة، ومزارعها المجرفة، عذرا ومعذرة فنحن ما زلنا نعيش كما كنا، نأكل ونلهو ونقيم الحفلات والمناسبات وما زال كثير منا يعانون من التخمة وكثرة الطعام وأطفالكم يتضورون جوعا.

إن غزة وأطفالها هم الساتر والحاجز والذي من دونه الطوفان، فالعدو متوحش لا يرحم، وهو لا يرى فينا إلا قطعان وجوييم يستحقون الذبح والإبادة. فلو سقطت غزة لا سمح الله لسقطنا جميعا، ومن أراد أن يفرض علينا الشذوذ لا تستغرب أن نجح في ذلك، أن يفرض علينا تبادل الزوجات وأن ننتكب الصراط وأن نرتد عن ديننا وإيماننا.

ساندوا غزة بل ساندو أنفسكم ودافعوا عن كرامتكم وعن مستقبل أولادكم، لا تقولوا في حق غزة، نتبرع ونتصدق ولكن قولوا نحاول جاهدين أن نقوم بواجبنا، ومهما فعلنا وقدمنا فنحن في حق غزة وأهلها مقصرون ومتأخرون.

 

 

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.