شعار قسم مدونات

سطوة القرآن

نسخة نادرة من القرآن الكريم (الجزيرة)

كلمة الوليد بن المغيرة في القرآن

تروي لنا كتب السيرة أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم تلا على مسامع الوليد بن المغيرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل:90]. فماذا كان منه؟

هاكم قصته كما وردت في كتب السيرة:

"وَرُوِّينَا عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسلًا فِي قِصَّةِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل:90]. قَالَ: أَعِدْ، فَأَعَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ وَمَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: وَاللَّهِ مَا فَيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي وَلَا أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلَا بِقَصِيدَتِهِ مِنِّي وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعَلَى وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ".

كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو فوق كل ثناء، وأعلى وأجل من أن ينال منه ذم أو قدح

موقف صناديد قريش

ولكن صناديد قريش ورؤوس الكفر فيها لم يرضهم هذا الكلام، لأنه سيزيد من إقبال الناس على دين محمد، وسيغريهم به، وسيؤكد لهم أنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فما كان ردهم؟!

جاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم:

"أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ بِمَكَّةَ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يَرَوْنَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لَمَ؟ قَالَ: لِيُعْطُوكَهُ فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتُعْرِضَ لِمَا قِبَلَهُ قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ أَوْ أَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ قَالَ: وَمَاذَا أَقُولُ «فَوَاللَّهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمَ بِرَجَزٍ وَلَا بِقَصِيدَةٍ مِنِّي وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَوَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ» قَالَ: لَا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ، فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: " هَذَا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يَأْثُرُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَنَزَلَتْ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11]".

رد القرآن على الوليد

لو كانت كلمة الوليد الأولى في الثناء على القرآن ووصفه بأجمل الأوصاف ونعته بأجمل النعوت قد قيلت في شعر شاعر، أو أدب ناثر، لغره الثناء والمدح، وجعله يتجاوز عن الافتراء والقدح، ولكنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو فوق كل ثناء، وأعلى وأجل من أن ينال منه ذم أو قدح، ولذا فقد مرغ أنف الوليد بالتراب، وفضحه على رؤوس الأشهاد ببيان عجب تسلل إلى أدق خلجات نفسه وخطرات ضميره وهواجس فكره، ليصف حاله وهو يحاول أن يجد نعتا يذم به القرآن ويكفر عن مقولته الأولى أمام صناديد قريش:

﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾[المدثر:11-30].

إنها قطعة معجزة من رائع النغم ومتساوق اللحن، تنساب منها الأنغام علوية، في قوة آسرة تهتك ستر الرجل، وتفضح هواجسه، وتنفذ إلى خطرات نفسه، وإلى تردده، وتفكره، وإدباره، وإقباله، ثم تـؤذن بحرب من سولت له نفسه أن يطعن بالقرآن وتتوعده بأشد العذاب، بل هي تذهب متعالية إلى أبعد من ذلك، حين تجعل من طعنه هذا قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾.

أي علو هذا وأي بيان؟ إنه قرآن ربي.

فضح القرآن صناديد الشرك، وزعماء قريش، عندما وقفوا في وجه الدعوة الخالدة دعوة الإسلام.

 

من إعجاز القرآن

لم يكن الوليد هو المشرك الوحيد الذي مرغ القرآن أنفه، وكشف ستره، وقصم ظهره ببيان سيبقى خالدا على وجه الزمان، بيانٍ سيقرؤه الملايين من الناس في كل زمان ومكان، بيانٍ يتعبد فيه المسلمون ربهم بالصلاة والقراءة والتدبر والتفسير. بل لقد فضح القرآن صناديد الشرك، وزعماء قريش، عندما وقفوا في وجه الدعوة الخالدة دعوة الإسلام.

فنزل في حق كبيرهم أبي جهل وهو من هو قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

ونزل في حق عم النبي أبي لهب وامرأته قوله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾.

والسؤال الذي قد يخطر هنا: لو أن واحدا من هؤلاء أسلم كما أسلم غيره من عتاة قريش، كعمر بن الخطاب مثلا من قبل، وأبي سفيان من بعد، فما موقف القرآن بعد أن نزل فيهم ما نزل؟ وما موقف النبي عليه الصلاة والسلام؟ وما موقف الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؟

بل لو أن أحدهم سولت له نفسه أن يكذب القرآن، وأن يأتي إلى الرسول ليتظاهر بالإسلام مبطنا الكفر والشرك، لا لشيء، بل ليطعن في كتاب الله الذي فضحه، فماذا يمكن أن يكون؟

كل هذا لم يكن، وكل هذا لن يكون، وكل هذا لا يكون. فالله الذي برأ النسمة، وخلق الخلق، وأنزل القرآن يعلم السر وأخفى، ويعلم أن واحدا من هؤلاء لن يقوى على ذلك، ولن يكون منه شيء من ذلك.

فكلمة الله هي العليا، وحاشا أن ينال منها أحد، ومن هذا الأحد أمام الملك القهار مكور الليل والنهار، رب العباد الجبار، سبحانه. فاعتبروا يا أولي الأبصار.

 

 

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.