شعار قسم مدونات

مساجد البرازيل تحتضن الطفل المسلم!

المسلمون الجدد في البرازيل.. صيام في رمضان والتزام بالفرائض
في البرازيل برمضان تستقبلك الأنوار المتلألئة ويصبح المسجد ساحة لجميع أفراد الأسرة (الجزيرة)

في رحلتي الطويلة إلى العالم المجهول لم يخطر على بالي أنني سأعود يوما منها وقد حملت حقائبي الثقيلة، لرحلة لم أعلم متى وكيف تنتهي، بتلك المشاعر والانتماء لوطن لا يعبر عن هويتي وثقافتي المسلمة التي أعتز بها، لكنني وجدت فيه حريتي التي أصبحت حلما ينادي به الانسان في بلادنا، وإن تعارضت حرياتهم مع عقيدتي التي ترفض تلك الحرية المطلقة، لكنها لم تمنعني من ممارسة شعائري، بل واحترامها، فهم يحتمون الاختلاف والأديان.

في مسجد البلدة الجميلة فوز دو ايغواسو كنت اشعر بالفخر وأنا في طريقي أتسامر مع سائق سيارة الأجرة عن ذلك المسجد وعباداتنا بالرغم من معرفة معظم سكان البلدة عن المسلمين وثقافتهم، إلا أنهم كان يسمعون بإنصات رغبة في معرفة المزيد عن الأديان والأعراق الأخرى.

بالرغم من شغف الشعب البرازيلي لمعرفة العادات والتقاليد المختلفة إلا أن هناك غياب كبير للثقافة العربية والإسلامية

هناك ينبض قلبك انشراحا وتبتهج ليس فقط لجمال المدينة الآسرة، ولكن لانتشار جميع المظاهر العربية فتجد محلات السوق العربية وتنتشر الأسر المسلمة والنساء المحجبات في الأسواق والشوارع، وما إن تصل لشارع "فلسطين" حتى تبدأ بيوت العرب المجاورة للمسجد في الظهور، يليها محل للحلوى العربية ومطعم للمأكولات الشامية الشهيرة، هذه المنطقة أصبحت مزارا سياحيا يتعرف فيها السياح على الثقافة الإسلامية حيث ينظم لهم المسجد جولة ثقافية في المسجد مرتديين الزي الإسلامي، ولعل أبرز ما يميز المدينة الحدودية التي تقع بين الباراجواي والأرجنتين انتشار الثقافة الإسلامية، ومعرفة سكان المدينة عادات المسلمين بعكس المدن الأخرى .

ففي رمضان تستقبلك الأنوار المتلألئة ويصبح المسجد ساحة لجميع أفراد الأسرة، يبتهج المسجد بقدوم الأطفال ويتم تجهيزه بألعاب وأكشاك حلوى حتى يقضي الطفل وقته دون ازعاج المصلين ويستمتع بوجوده، تعد السيدات العربيات الحلوى الشرقية لتوزيعها على المصلين والأطفال لتشعر أن المسجد هو المكان الدافئ الذي يحتضن الأطفال.

وبالرغم من شغف الشعب البرازيلي لمعرفة العادات والتقاليد المختلفة إلا أن هناك غياب كبير للثقافة العربية والإسلامية، على عكس سكان مدينة فوز، فقد اعتدت خارج هذه المدينة على سؤالهم حول الفرق بين العرب والمسلمين، حتى أن بعضهم لا يعرف أن الإسلام ديانة، بالرغم من تدين الشعب المنتمي للديانة المسيحية، حيث إلا أن معرفتهم للعرب تقتصر على محلات الحلويات الشرقية ومطاعم الشاورما العربية، وبالرغم من ذلك فإن حضور المسجد يظل بنفس القوة،

وفي كورتيبا، في ولاية بارانا وفر المسلمون بأقل إمكانيات محدودة، مبنى لإقامة الصلاة يطلق عليه الجمعية الإسلامية، وحرصوا أيضا على مساحة الأطفال الخاصة التي ستجعل للمسجد مكانة كبيرة في قلوبهم ليلعبوا  فيها فترة الشعائر، حيث يستطع أن يشارك الطفل والده الصلاة قدر ما يستطيع ويقضي الآباء وقتا هادئا في العبادة في أجواء تغرس فيه حب الصلاة وتدربه على هذا الركن.

كان شيخ المسجد يوزع الهدايا على الأطفال الذين يؤدون صلاة العشاء، وكان الأطفال يتحمسون للوصول باكرا للصلاة على مقربة من شيخ المسجد للفوز بالصلاة، منذ عدة أيام صليت في أحد المساجد الصغيرة وقد وصى الشيخ المصلين بعدم إحضار أطفالهم بسبب الإزعاج ولم يوصيهم بتوجيه أولادهم على احترام المسجد والتحلي بالهدوء لكنه آثر السلامة.

اعتاد هناك على الصلاة ثم اللعب وشراء الحلوى ومقابلة أصحابه مما كان يجعله متشوقا لهذا المكان كل ليلية لصلاة التراويح حتى وإن لم يؤدي الصلوات كلها، لكنه يدرك صلاة العشاء وينطلق بعدها مع الأطفال

وبالرغم أن ابني كان يترك دائما مدينة "فوز" بمسجدها الكبير، وينتقل لمدينة "كورتيبا" في ولاية بارانا في كل رمضان بسبب ذهاب أخيه للعلاج هناك، إلا أنه كان يجد في مسجد المدينة بديلا يعوض فيه غيابي عنه في المستشفى، فيذهب مع والده للصلاة ويقابل أصدقاء جدد يعوضونه ما تركه في مدينته ومدرسته. وهكذا يكون المسجد حياة للطفل، وبيت ثاني حتى وإن لم يكن واعيا ومدركا لمعاني العبادات.

هذا العام افتقد طفلي المسجد في رمضان، فلم يجد ذلك الترحاب في المسجد الذي كان يسمح للأطفال للدخول، دون وجود اللوم والتوبيخ للطفل على إصدار سلوك خاطئ بدلا من التوجيه، وكأن المساجد للكبار فقط، وحرصت أن لا يرى تلك المشاهد، واخترت مسجدا مناسبا لكنه أخبرني أنهم يجب أن يوفروا أشياء تسلي الأطفال ولا تسبب ازعاج للمصلين لأنه يمل كثير فترة صلاة التراويح ولم يوافق على الذهاب مرة أخرى، فقد اعتاد هناك على الصلاة ثم اللعب وشراء الحلوى ومقابلة أصحابه مما كان يجعله متشوقا لهذا المكان كل ليلية لصلاة التراويح حتى وإن لم يؤدي الصلوات كلها، لكنه يدرك صلاة العشاء وينطلق بعدها مع الأطفال، فكان بيت الله مجتمعا أسريا يصلي الأبناء أو يلعبون بالقرب من أباءهم دون إحداث فوضى أو إزعاج، حيث كان شيخ المسجد يوجه الآباء لإحضار أطفالهم للمسجد، وكيف لا يفعل ذلك ونحن نربي جيلا نريده أن يرفع راية الإسلام متمسكا بعقيدته في مجتمعات إسلامية ضاع هوية أبنائها، فما بال تلك الدول التي يسهل فيها فقدان الهوية فنرى أسماء عربية اختفت ملامحها الثقافية واندمجت فأصبحت فارغة شكلا وجوهرا من هويتها الحقيقية تلك الهوية التي تؤطر الشخصية المسلمة وترسم ملامحها، لنحافظ عليها من الذوبان، وإن وجودنا في دول عربية إسلامية لا يقلل من خطر ضياع الهوية ولكنها بطرق ملتفة غير مباشرة قد نغفل عنها لعدم رؤيتها أمام أعيننا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.