شعار قسم مدونات

الدين الإسلامي في ألمانيا!

Omran Abdullah - جامع ديتيب الكبير في مدينة كولن الألمانية، ويكي كومون - يمينيون وليبراليون وعرب وأتراك.. الصراع الفكري على الإسلام في ألمانيا
جامع ديتيب الكبير في مدينة كولن الألمانية (الجزيرة)

يعيش في ألمانيا أكثر من خمسة ملايين مسلم، ويرتاد 750 ألف تلميذ وتلميذة، من معتنقي الدين الإسلامي المدارس الألمانية، ومن المعلوم فقد بدأ عددهم يتزايد ويظهر في الآونة الأخيرة تزايدا ملحوظا وذلك لأسباب كثيرة متنوعة ومتعددة، منها نشوء أجيال جديدة من أبناء المسلمين المهاجرين لهذه البلاد، وكثرة الهجرة نتيجة الحروب في منطقة الشرق الأوسط في العقود الأخيرة، فوصل الحال بأن تكون الجالية الإسلامية حدثا واقعيا لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه عند الشعب الألماني.

وبناء عليه قامت الحكومة الألمانية في الأونة الأخيرة بتلبية مطالب تلك الجالية من خلال مطالبهم بتسهيل متطلبات تراخيص المساجد، وتأسيس كليات الشريعة الاسلامية لإعداد أئمة وخطباء منخرطين بالحياة الألمانية، ومتمرسين للدين الاسلامي المناسب للبلاد، وفعلا فقد تم ضم أقسام لدراسة الفقه الإسلامي في خمس جامعات ألمانية وتأهيل الفقهاء ومدرسي التربية الإسلامية، ولكن كل هذا ولا نعلم ما مدى نجاح تلك الأقسام الدراسية وإلى أي مدى يمتد تأثيرها على المتخرجين، ولعل هذا يجعلنا نقف وقفة موضوعية على كل ما ذكر.

أوصى المجلس العلمي والذي يعد أهم هيئة استشارية للسياسة التعليمية في ألمانيا بتأسيس أقسام للدراسات الإسلامية في الجامعات الألمانية، على أن يكون الهدف من تلك الأقسام تأهيل علماء الدين كالأئمة ولا سيما المعلمين الذين يتولون تدريس مادة التربية الإسلامية

فالدين يمثل المعرفة التي جاءت بالايمان به، فهو نهج للحياة وفلسفتها، وحقائق الدين لا تخضع للتجربة العملية أو الملاحظة المباشرة لأنها تخرج عن دائرة الحس و الإدراك، فهي تدرس المطلق الموصول بالخالق بصورة مباشرة كجزء لا يتجزأ منه.

لطالما اقتنصتني فكرة الجزء الغير متجزئ في الحياة وتحديدا الدين الإسلامي وما مدى تركيبته في المجتمع الألماني وهل الإسلام جزء من ألمانيا؟

بداية دعونا نتقف على أن تلك العبارة لم تعد استفزازية في المجتمع الألماني بل حقيقة ثابتة أبتدءت مطلع هجرة العراقيين والسوريين إلى هنا في الآونة الأخيرة، ولذا أوصى المجلس العلمي والذي يعد أهم هيئة استشارية للسياسة التعليمية في ألمانيا بتأسيس أقسام للدراسات الإسلامية في الجامعات الألمانية، على أن يكون الهدف من تلك الأقسام تأهيل علماء الدين كالأئمة ولا سيما المعلمين الذين يتولون تدريس مادة التربية الإسلامية، وعلى مدى السنوات الخمس الأخيرة بلغ إجمالي تمويل الوزارة الاتحادية للتعليم والبحث العلمي للمراكز الإسلامية في جامعات مونستر وأوسنابروك وفرانكفورت وتوبينغن وإرلانغن واخرا نورنبرغ 20 مليون يورو، وكان من المفترض أن يكون المسار الدراسي الجديد علامة فارقة في الطريق نحو الاندماج.

خضع هذا المسار الدراسي لتقييم أولي وجاء التقييم الذي أجراه باحثون في العلوم الإسلامية وعلماء دين بنتائج إيجابية، وذلك لأن تلك الأقسام قد منحت العقيدة الإسلامية موطنا في إطار المناقشات الفقهية الأكاديمية.

هناك نحو 1800 رجل وسيدة مسجلين بأقسام البكالوريوس والماجستير في تلك الجامعات، ومن المقرر مواصلة ضخ التمويل على مدى خمس سنوات أخرى، علاوة على ذلك تأسست في بادربورن وفرايبورغ كليات لدراسة التربية الدينية والفقه.

لا ننكر أنه لم يكن الطريق خاليا من الصعوبات إذ تمثلت إحدى العراقيل في التعاون مع الجمعيات الإسلامية، ومن بينها على سبيل المثال اتحاد ديتيب (الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية) والمجلس الإسلامي والمجلس المركزي للمسلمين، حتى وإن كانت تلك الجمعيات لا تمثل سوى ثلث المسلمين في ألمانيا فقط إلا أن 80٪ من المساجد تابعة لها وترتبط بالمسارات الدراسية الإسلامية في الجامعات عبر ما يسمى بالمجالس الاستشارية.

ومن المفترض أن يكون لتلك الجمعيات رأي في القرارات المتعلقة بأختيار الموظفين والمناهج الدراسية، كما هو حال الكنائس في كليات اللاهوتية المسيحية، إلا أن توجهات تلك الاتحادات أرثوذكسية محافظة للغاية، وتعتبر الفقه بمثابة إدارة للمعرفة والإلمام الديني، ولذا حذر العديد من الأكاديميين العرب من تجاوزات مسؤولي الاتحادات التي من شأنها الإطاحة بحرية البحث والتدريس بالجامعات الحكومية.

ما زالت دراسة الفقه في أول طريقها في ألمانيا، ورغم ذلك فإنها تحرز تطورا ملحوظا نتيجة توفر قدر أكبر من حرية التفكير هنا مقارنة بمعظم الدول الإسلامية التي ينتمي إليها الدارسون، وتلك فرصة ينبغي استغلالها.

  • قد يراودني السؤال التالي: من له الأحقية في التفسير؟

إذ ينبغي على المفسرين أن يكونو حاصلين على مؤهلات في الدراسات الفقهية هنا في ألمانيا وليس في الشرق الأوسط، وأن يكونو قادرين أيضا على التدريس باللغة الألمانية وليست العربية أو التركية، وبالتالي فإنه ليس من الممكن شغل تلك المناصب كمفسرين أئمة على نحو مثالي حسب معتقدات الحكومة الألمانية، ويتوجب عليهم عدم فصل العلم عن الدين.

  • وهنا يأتي السؤال الآخر: ما هو وضع الدارسين من هذا الكلام كله؟

فالعلم والدين متداخلان وكلاهما لازم للآخر، وفكرة فصل الدين عن العلم لا تختلف عن فكرة فصل الرياضيات عن الفيزياء حسب معتقدي، ولو أعطينا مثال على ذلك: فإذا نزل مؤمن وكافر إلى البحر فلا ينجو إلا من تعلم السباحة، فالله لا يحابي الجهلاء، فالمسلم الجاهل سيغرق والكافر المتعلم سينجو والعكس صحيح فهل تتفق معي إلى هذا الحد؟

كوني أعمل في جامعة اوغسبورغ اجتمعت مرات عديدة وبالصدف طبعا على مدى السنوات الأخيرة مع عدة طلاب عرب وأتراك، العديد منهم يسعون إلى توطيد إيمانهم وليس إلى العمل الأكاديمي، وهذا الشيء ليس بغريب عني كعربي أيضا، حاولت على المستوى الشخصي التوضيح للدارسين معنى ومغزى الدراسة الفقهية في الجامعات العلمانية. إذ أن العديد منهم يواجه حتى الآن صعوبة في دمج العلم والإيمان، فهم يودون أن يروا فيها إثباتا في صحة عقيدتهم في حين أن الجامعة هي مكان للتفكر في العقيدة، ولا أنكر أنه انتيابي شعور أن الأمر سيستغرق من جيل إلى جيلين دراسيين لحين تصل تلك الفكرة للجميع.

خلاصة القول، ما زالت دراسة الفقه في أول طريقها في ألمانيا، ورغم ذلك فإنها تحرز تطورا ملحوظا نتيجة توفر قدر أكبر من حرية التفكير هنا مقارنة بمعظم الدول الإسلامية التي ينتمي إليها الدارسون، وتلك فرصة ينبغي استغلالها.

وأعتقد أن هذا مرتبط بأسلوب الحياة والبيئة ومدى فهم المتعلم للعلم والدين معا.

وما يمكن استخلاصه أيضا عن علاقة الرأي العام العلماني الألماني بالدين الإسلامي هو ضرورة التحليل بما يقدسه الآخرون وانتقاد أسس كل معتقد لا يناسب الحياة هنا، على شرط أن يحمل المرء هذه المعتقدات محمل الجد ويحترمها كذلك، باعتبارها مبادئ مقدسة بالنسبة للآخرين المقيمين في هذه البلاد.

وأخيرا أقول بكل صراحة ووضوح، إن أهم سبب دفعي للكتابة في الموضوع هذا هو السعي في فهم الإسلام الحقيقي من وجهة نظري، لأن الجهل بالإسلام يعد من أكبر الأخطار التي تهدد وتؤذي أصحابها بل وتقضي عليهم.

وكل من العلم والدين يمثلان حاجة بشرية وغريزة طبيعية أودعها الله فى كل كائن منا، والحاجة إليهما ماسة وتعد من الحاجات الضرورية للإنسان، فالإنسان في ممارسته للعلم والدين وفى اكتشافه للمجهول والمعلوم واتصاله بالخالق، إنما يلبى حاجة فطرية ويدعم الوشائج التي تربطه بهذا الكون وخالقه.

رفعت الأقلام وجفت الصحف..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.