شعار قسم مدونات

200 يوم من العدوان على غزة..

المقبرة الجماعية في خانيونس جنوب قطاع غزة
مقبرة جماعية في خان يونس جنوب قطاع غزة (الجزيرة)

لم يعد للكلام في موضوع غزة – بلا أي تحفظ ولا أدنى مبالغة- معنى. ولولا وخز الضمير أحيانا ينادينا أن نشارك بأبسط ما نستطيع، لكان السلوك الأمثل والحالة ما نراه، الاعتصام بالصمت. ليس فقط لأن الصمت حكمة، وليس فقط لأن من الصمت ما كان دعاء وتضرعا، وكما انطراح بين يدي الله تعالى وفناء وخلوا من الاختيار. ولكن أيضا، تجنبا لأن يكون الكلام لغوا يصرف عن الحق.

من استراتيجيات كثير من السارقين، أن يحدثوا جلبة بمكان بعيد عن محل السرقة، تتوجه الأنظار للجلبة، ليواصل السارقون عملهم، في كثير مما يقال اليوم، وإن كان ظاهره الصواب، عناصر جريمة سرقة مكتملة الأركان.

مع ذلك، فإن الكلمة مسؤولية وأمانة، وهي إن صدرت على هذا الأساس من الوعي، بذرة تثمر، وإن طال الأمد. وما يفتح الباب مشرعا لبعض التفاؤل، اليقين أن لحظات الدمار المادي والروحي هي سابقات لفيض الرحمة والعطاء. ومؤذنات بزمن الحق، والحق يعلو ولا يعلى عليه.

سماهم والتر بنيامين في مذكراته حول فلسفة التاريخ، "ملائكة التاريخ"، وجاءت بعض أبهر خطب التاريخ، في لحظات تأبين تتحدث عن تضحيات الأموات وتعاهد الأحياء على تكريم ذكراهم

كيف نتعامل مع شهداء 200 يوم من العدوان؟

  • هل يكفي أن نبحث عن بعض الدفء في نصوص القرآن تبشرنا أن الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون؟
  • هل يكفي أن نسافر ببعض خيالاتنا الخصبة نحو مشهد الطير الخضر تجمع في حويصلاتها أرواح الشهداء، تطوف بها في عوالم خارقة للعادة والحكمة؟
  • هل من الحكمة أن نلوذ بعالم القدرة، لننسى؟
  • وهل خلقنا في هذا العالم لننسى؟

في كل الشرائع، لا يكون النسيان إلا علامة انبطاح واستسلام، إلا أن يكون عفوا بعد مقدرة، خاصا، له ظروفه وسياقه.

يشكل الشهداء جزءا هاما من ماضي الإنسانية ويرسمون بشهادتهم مستقبلها، وينتصبون على الدوام أشباحا يحرسون الحق ويذودون عنه، وذلك جوهر حياتهم الموعودة. في كل ملة، لا يتوانى العقلاء عن حفظ كرامة وشرف "الشهداء".

سماهم والتر بنيامين في مذكراته حول فلسفة التاريخ، "ملائكة التاريخ"، وجاءت بعض أبهر خطب التاريخ، في لحظات تأبين تتحدث عن تضحيات الأموات وتعاهد الأحياء على تكريم ذكراهم. في الخطاب الشهير لأبراهام لينكولن بعد معركة جيتسبرغ، التي خلفت حوالي خمسين ألف ضحية في ثلاثة أيام، يقول: "لن ننسى أبدا ما فعلوه هنا. علينا نحن الأحياء، أن نكرس أنفسنا هنا للعمل الذي لم ينهوه، والذي بدأه بكرم هؤلاء الذين حاربوا هنا. علينا أن نكرس أنفسنا هنا للمهمة العظيمة التي تبقت أمامنا، أن نأخذ من تفاني هؤلاء الموتى المكرمين زادا. إننا هنا نقسم بشدة أن هؤلاء الموتى لن يموتوا عبثا، أن هذه الأمة، بمعونة الله، ستكون لها ولادة جديدة للحرية".

أدع التدقيق في مدى وفاء الغرب لأرواح أمواته، ومدى استلهامه من تضحياتهم لبناء مستقبله، ومدى انضباطه لعلامات المرور وخرائط الطريق التي نصبها يوم نصب لشهدائه تذكارات فاعلة في واقع الغرب وسلوكه. وأنصرف لأتساءل عن مدى وفائنا نحن، واعتبارنا نحن وفعالية ذكرانا وتذكرنا نحن، وقد أخذ منا الموت خيرة المقبلين بأرواحهم على الله في فلسطين؟

يطارد البشرية، ملايين من الأموات، ضحايا العنف والدمار والمجازر عبر تاريخ من السواد الكالح يقطن كل ركن منه شبح. حربان عالميتان وحروب إبادة وتطاحنات في كل ركن من عالمنا المثقل بالخطايا، وتطاردنا على الخصوص نحن المسلمين أرواح شهداء سربرينيتسا، وأفغانستان، وسوريا والعراق واليمن والسودان وغيرها من ضحايا الاستعمار المقيت. وتطاردنا أرواح فلسطين.

كان في تاريخ العمل الإنساني مفاصل شكلت انعطافات تاريخية، منها على سبيل المثال انعطافة "بلا حدود" التي شهدت ميلاد منظمة "أطباء بلا حدود" المولودة إثر موقف من حياد اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حرب "البيافرا"

بعيدا عن المستوى السياسي، الذي أولى بي الصمت حياله وإيكاله للمنتقم الجبار، أسائل الوفاء للشهداء عند مؤسسات المجتمع المدني:

  • ما مدى حركية وحيوية تواصل الجمعيات والمنظمات والأحزاب والحركات، وضغطها على المستويات الرسمية وتنظيمها أشكالا طابعها الإبداع والدوام؟ أليس واضحا أن الغرب سبقنا بأشواط في هذا المجال؟ أليس واضحا أن ما تنظمه بعض الجهات التي ما تزال مستميتة، هو بالأحرى إعلان وجود وصمود، وأنه دون مستوى الفاعلية بأشواط؟ أليس واضحا أن ما خوفت منه غزة يوما (زحف العالم الإسلامي) هو أمل أكثر منه واقع؟ سرعان ما عادت الدعوة خيبة على المنادي بها.
  • ما مدى وفاء المفكرين والنخبة؟
  • ما حجم وفاء الشباب والنساء وإبداعهم؟ التحيات الزكيات العطرة لطنجة المغرب المباركة.
  • ما مدى وفاء وفعالية المؤسسات الإنسانية؟ كيف لم يستطع العالم العربي الإسلامي بعد، إنشاء وتفعيل آليات إنسانية والتشبيك بين المؤسسات الإنسانية الإسلامية الرائدة الموجودة حاليا؟ لماذا هذا الانطواء الغريب الذي يجعل مجرد الاجتماع لإصدار بيان أو لتشبيك خطة استجابة من سابع المستحيلات؟ لماذا هذا الارتهان للسياسة بهذا الشكل المكبل للإرادة الحاد من القدرة على التصرف في حقل أولى أن تكون المؤسسات الإنسانية منطلقة فيه؟ هل الأولى أنسنة السياسة أم تسييس الإنسانية؟

لقد كان في تاريخ العمل الإنساني مفاصل شكلت انعطافات تاريخية، منها على سبيل المثال انعطافة "بلا حدود" التي شهدت ميلاد منظمة "أطباء بلا حدود" المولودة إثر موقف من حياد اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حرب "البيافرا" في ستينيات القرن الماضي. عد بيرنار كوشنير مؤسس أطباء بلا حدود الحياد يومها، مشاركة في الجريمة.

أليس ما يقع بغزة اليوم، مما لا تصفه العبارات، أولى به المبادرة لا الحياد؟ الاصطفاف إلى جانب مبرر وجودنا كإنسانيين -بل كإنسان أساسا- بدل صمت القبور؟ لماذا لا نجعل مما يحدث مناسبة لبلورة تصور لعمل إنساني على قواعد جديدة من الاهتمام والجدية والفعالية؟

أسئلة حول بعض مؤسسات المجتمع المدني أزرعها في وعيي ووعي كل حر، عسى أن تثمر يوما فتنبت نباتا حسنا، ولله عاقبة الأمور.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.