شعار قسم مدونات

لمحات من بلاغة القرآن (1)

نزل القرآن الكريم على أمة بلغت الغاية في إحسان البيان وصناعة الكلمة وتجويد الشعر (وكالة الأناضول)

إن القرآن الكريم مفتاح العربية، وأصل علومها، وفنونها، ففي رحابه نشأت كل علومها، وفي سبيله تطورت هذي العلوم ونمت حتى بلغت أقصى غاياتها.

وعلم البلاغة من أدق علوم العربية وأجملها وأبدعها، إذ به تعرف الفصاحة والبيان، وهو السبيل الأمثل للوقوف على إعجاز القرآن. ومن هنا كان له أعظم الأثر في معرفة أسرار الجمال في القرآن لفظا ومعنى.

كان سوق عكاظ يضم أكابر الشعراء، يتبارون كما يتبارى الناس اليوم في أيامنا بالكرة وأشباه الكرة، يتبارون فيمن يقول الشعر الأعلى، ومن يفوز بالسبق في ميدان كل ما فيه الكلمة الطيبة

وقد نزل القرآن الكريم على أمة بلغت الغاية في إحسان البيان، وصناعة الكلمة، وتجويد الشعر، وتنميق الخطب، وصياغة الأمثال. وبلغت أبعد من هذه الغاية في محبتها وعشقها لكل هذا، حتى لقد قيل فيها: "إنها أمة سجدت للبيان قبل أن تسجد للأوثان"، وحقا ما قيل، لأننا لم نسمع أبدا بواحد من العرب استهزأ يوما بالبيان، أو بالشعر، أو بالكلمة الساحرة، أو الكلمة البليغة، في حين سمعنا بمن استهزأ بالأوثان، ألم يأتكم نبأ أولئكم الذين صنعوا إلها من تمر، ثم عند ما جاعوا أكلوه، فقال فيهم الشاعر:

أكلت حنيفة ربها .. زمن التقحم والمجاعة

لم يحذروا من ربهم .. سوء العواقب والتباعة

أحنيف هلا إذ جهلت .. صنعت ما صنعت خزاعة

نصبوه من حجر أصم .. وكلفوا العرب اتباعه

أكلوا معبودهم لما جاعوا!..

كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى كما هو معلوم، وقد كانت هذه المعلقات -كما جاء في بعض الروايات- تكتب بماء الذهب، وتعلق في أشرف مكان في أستار الكعبة

أو ذاك الذي عكف على صنمه عابدا متوسلا، ثم انصرف إلى شأن من شؤونه، فإذا بثعلب جاء وبال على صنمه، فلما عاد ورأى ذلك، آب إلى رشده فكسره، وقال: أنت لم تحفظ نفسك فكيف تحفظني؟ ثم أنشد:

أرب يبول الثعلبان برأسه .. لقد ذل من بالت عليه الثعالب؟

إذا استهزأ بعضهم بهذه الأوثان، لما أيقنوا أنها من صنعهم، وأنها لا تغني عنهم نقيرا ولا قطميرا.

أما البيان فذاك شيء آخر، إذ أنهم احتفوا بالبيان أيما احتفاء، أقاموا له المهرجانات، وعقدوا له الأسواق، وكرموا شعراءه، ورفعوهم إلى أعلى منزلة، وأحلوهم المكان الأسمى.

كان سوق عكاظ يضم أكابر الشعراء، يتبارون كما يتبارى الناس اليوم في أيامنا بالكرة وأشباه الكرة، يتبارون فيمن يقول الشعر الأعلى، ومن يفوز بالسبق في ميدان كل ما فيه الكلمة الطيبة، الكلمة الساحرة، الكلمة البليغة، ولا شك أننا سمعنا جميعا بتلك المعلقات التي كانت تصطفى من أجمل ما قالت شعراء العرب، وقد أطلقت عليها أسماء كثيرات، فهي المعلقات، وهي المسمطات، وهي المذهبات، وهي المطولات.

وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى كما هو معلوم، وقد كانت هذه المعلقات -كما جاء في بعض الروايات- تكتب بماء الذهب، وتعلق في أشرف مكان في أستار الكعبة، من مثل قول امرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل .. بسقط اللوى بين الدخول فحومل

أو قول زهير:

أمن أم أوفى دمنة لم تكلم .. بحومانة الدراج فالمتثلم

أو قول عنترة:

هل غادر الشعراء من متردم .. أم هل عرفت الدار بعد توهم

يا دار عبلة بالجواء تكلمي .. وعمي صباحا دار عبلة واسلمي

أو قول عمرو بن كلثوم:

ألا هبي بصحنك فاصبحينا .. ولا تبقي خمور الأندرينا

إلى آخر ما هنالك من شعر كان قد حل في أنفسهم أعظم محل، فرفعوه إلى أعلى مقام. وقدروه أجل تقدير لما كان له في نفوسهم من أثر.

قال رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: (إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة)، وحقا فهذا شيء يشبه السحر، أن تمدح المرء ثم تذمه، ثم تتعلل لكل ذلك بأجمل تعليل

إن أثر البيان على هذه الأمة أثر عظيم، ولا تظنوا أنهم كانوا في ذلك مختلفين، بل كانوا مجمعين على حب البيان، وعلى رفعة البيان، وعلى عشق البيان، أي الكلمة الطيبة البليغة الساحرة، حتى إن رسولنا سمى البيان سحرا، ألم يأتكم نبأ ذلك الوفد الذي جاء إلى رسولنا الكريم وهم وفد بني تميم، فخطب خطيبهم، وأنشد شاعرهم، إلى أن سأل رسولنا الكريم واحدا منهم -وهو عمرو بن الأهتم- عن الزبرقان بن بدر، وكان الزبرقان واحدا من سادات تميم، فقال عمرو: إنه مانع لحوزته، مطاع في أدنيه، فنعته أو وصفه بوصفين جليلين، يقول: إنه مانع لحوزته، أي إنه يجير من استجار به، مطاع في أدنيه، أي هو سيد في قومه، يطيعه قومه، فقال الزبرقان: يا رسول الله، إنه حسدني شرفي، فقصر بي، يعني ما وصفني إلا بهذين الوصفين، حسدني لأنني في منزلة عظيمة في قومي، فقال عمرو: (أما لئن قال ما قال، فوالله ما علمته إلا ضيق العطن، لئيم الخال، زمر المروءة، حديث الغنى، ذمه بأربعة أوصاف، بعد أن مدحه بوصفين، (ضيق العطن) يعني ما عنده خلق، ما عنده صبر، (لئيم الخال) بمعنى أن أباه تزوج من قوم هم دون منزلة قومه، (زمر المروءة) لا مروءة لديه، والمروءة عند العرب هي مجمع المكارم التي كانت العرب تتغنى بها، فلما رأى الإنكار في عيني رسولنا قال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أسوأ ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الآخرة.

فقال رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: "إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة"، وحقا فهذا شيء يشبه السحر، أن تمدح المرء ثم تذمه، ثم تتعلل لكل ذلك بأجمل تعليل، لأنك عندما ترضى لا ترى في صاحبك إلا ما يسر، لكن إذا بدت لك منه مساءة انقلب الأمر وصرت إلى ما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة .. ولكن عين السخط تبدي المساويا

إذا بدت لك مساءة من صديقك، نسيت كل محاسنه، وجعلت تذم فيه، كما فعل عمرو بن الأهتم بالزبرقان بن بدر، فكانت الكلمة الخالدة التي قالها رسولنا صلى الله عليه وسلم ، بأبي هو وأمي: "إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة".

للبيان سطوة، فاتقوا الله في سطوة البيان، ولا تستعملوا هذا البيان إلا في حق تريدون أن تصلوا إليه، أو لمهاجمة باطل لا شك في باطله تريدون دحضه

وحقا إن من البيان لسحرا، تسمع البيان، فتشعر أن السحر يدب في جسدك، وتسمع الكلمة البليغة، أو تسمع الشعر الحكيم، أو تسمع الخطب المجللة والمجلجلة، فتنقاد لها، ولا تستطيع أن تتحرك وهي تتلى على مسامعك، أو تخطب على قلبك، لأن الكلام يخرج من القلب ليدخل إلى القلب، عندما يكون على هذه الشاكلة.

وعودا على كلمة رسولنا -صلى الله عليه وسلم- "إن من البيان لسحرا" فقد سارت هذه الكلمة مسير الأمثال، وانتشرت اتنشار النار في الهشيم، فرردها الخطباء، وتمثل بها الكتاب والفصحاء، وتغنى بها الشعراء، فمن ذلك قول ابن الرومي:

في زخرف القول تزيين لباطله .. والحق قد يعتريه سوء تعبير

تقول: هذا مجاج النحل تمدحه .. وإن ذممت فقل: قيء الزنابير

(عن العسل، تقول عنه مجاج النحل إذا أردت أن تمدحه، فإذا ذممته، فهو قيء الزنابير أي إذا لم تحبه)

مدحا وذما وما جاوزت وصفهما .. حسن البيان يري الظلماء كالنور

إذا فسحر البيان قد يغير الحقائق أحيانا، وهذا ما نبه عليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عندما قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".

يعني ما ينبغي أن يحول الحق إلى باطل، أو الباطل إلى حق بسطوة البيان، لأن للبيان سطوة، فاتقوا الله في سطوة البيان، ولا تستعملوا هذا البيان إلا في حق تريدون أن تصلوا إليه، أو لمهاجمة باطل لا شك في باطله تريدون دحضه.

على هذا ربانا رسولنا صلى الله عليه وسلم وعلى هذا ينبغي أن نكون، فالبيان نعمة من نعم الباري جل وعلا وهو أمانة في أعناقنا ما ينبغي أن توضع في غير موضعها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.