شعار قسم مدونات

عبد المجيد الزنداني.. حياة حافلة بالعلم والعمل والجهاد

الموسوعة - عبدالمجيد الزنداني - epa03402685 Yemen's most prominent cleric Sheikh Abdul Majeed al-Zindani, identified by the US as a supporter of terrorism, attends a gathering of Muslim clerics and tribal leaders in Sana'a, Yemen, 19 September 2012. Reports state Yemeni Muslim clerics called a platoon of US Marines to leave Yemen immediately after angry protesters stormed the US embassy in protest over a film deemed abusive to Islam and the Prophet Mohammed. EPA/YAHYA ARHAB
العلامة اليمني الشيخ عبد المجيد الزنداني "رحمه الله" (وكالة الأنباء الأوروبية)

ودع اليمنيون والأمة العربية والإسلامية يوم الإثنين 13 من شوال 1445 للهجرة، الموافق 22 أبريل 2024م علما من أعلام هذه الأمة، وكوكبا من كواكبها، وهاديا من هداتها، ورائدا من روادها، هو الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني، العالم العامل، والمجاهد والمربي، والقدوة المعلم، القرآني المحمدي الرباني، صاحب العطاءات الدعوية، والإمدادات التربوية، والجهود التعليمية، والأطوار الجهادية، والذي تكفي صفة واحدة من هذه الصفات ليدخل بها صاحبها في التاريخ، ويوضع بها بين كبار المصلحين والعلماء الربانيين، فكيف بمن جمع هذه الصفات كما لم تجتمع لأحد من قبل إلا الذين آمنوا وعلموا الصالحات وقليل ما هم.

 انتقل إلى المملكة العربية السعودية حيث التقى كبار العلماء هناك، من بينهم: الشيخ عبد الله بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة أم درمان الإسلامية في السودان

بطاقة حياة

ولد الشيخ عبد المجيد الزنداني في 13 من ذي الحجة 1360هـ الموافق 1 كانون الثاني 1942م في قرية تسمى "الظهبي" من قرى مديرية الشعر في محافظة إب، وهي إحدى محافظات اليمن، ويرتبط أصله بمنطقة "زندان" في مديرية أرحب بمحافظة صنعاء، وإليها ينسب.

تلقى الشيخ الفقيد تعليمه الأولي في الكتاب بمسقط رأسه، وانتقل للالتحاق بالتعليم النظامي في عدن، قبل أن يتوجه إلى مصر لمتابعة دراسته الجامعية، فالتحق بكلية الصيدلة بجامعة عين شمس، ودرس فيها لمدة سنتين، إلا أنه ترك دراسته في هذا المجال نظرا لاهتمامه المتزايد بالعلوم الشرعية؛ حيث باشر تعلم العلوم الشرعية وتفاعل معها، ووفرت له الفرصة للالتقاء بالعلماء المشهورين في الأزهر الشريف، كما التقى طلابا يمنيين في مصر مثل محمد محمود الزبيري، وعبده محمد المخلافي، وقطع دراسته وعاد معهما إلى صنعاء للمشاركة في دعم قيام النظام الجمهوري وحماية مكتسبات الثورة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية حيث التقى كبار العلماء هناك، من بينهم: الشيخ عبد الله بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة أم درمان الإسلامية في السودان، مما زاد من سعة معرفته وعمق مداركه، بتلقيه من هذه المشارب جميعا: مصر الأزهر، وبلاد الحرمين، والسودان؛ فضلا عن اليمن.

وتولى الشيخ مناصب عديدة، منها: إدارة معهد النور العلمي في اليمن، والتدريس في بعض مؤسسات التعليم، وتولى منصب إدارة الشؤون العلمية في وزارة التربية والتعليم اليمنية، وعين رئيسا لمكتب التوجيه والإرشاد عند إنشائه في عام 1975، قبل أن يتم تعيينه في وزارة المعارف، وهو أيضا رئيس مجلس شورى حزب التجمع اليمني للإصلاح.

"منقبته الكبرى" و"حسنته العظمى" في تاريخه الدعوي والتعليمي تأسيسه لـ "جامعة الإيمان"، تلك الجامعة العريقة التي ضمت كثيرا من الكليات والتخصصات الشرعية وغير الشرعية، وحشد لها كبار علماء العالم الإسلامي لوضع مناهجها وللتدريس فيها

في ظلال الإعجاز العلمي وجامعة الإيمان

برز الشيخ الزنداني كأحد أشهر علماء الأمة في مجال الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، فلا يكاد يذكر (الإعجاز العلمي) إلا ويذكر معه الشيخ الزنداني، حتى أصبح أحد أبرز العلماء المعاصرين الذين حاولوا البرهنة على سبق القرآن في مجال الحديث عن الاكتشافات العلمية في مجالات كثيرة كالطب، وخلق الإنسان، والجيولوجيا، وتابع حهوده في هذا المجال حتى أسس "الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة في مكة المكرمة"، وكان لجهوده في هذا المجال كبير الأثر في الدعوة إلى الله تعالى، وإقبال الكثيرين على الإسلام، وتعزيز إيمان المؤمنين، حيث كانت له اكتشافات واختراعات وعلاجات لأمراض كثيرة، وذلك من خلال نصوص القرآن والسنة، وهذا يستحق أن يفرد بدراسة عن جهود الشيخ العلمية والتطبيقية في هذا المجال.

أما "منقبته الكبرى" و"حسنته العظمى" في تاريخه الدعوي والتعليمي فهو تأسيسه لـ "جامعة الإيمان"، تلك الجامعة العريقة التي ضمت كثيرا من الكليات والتخصصات الشرعية وغير الشرعية، وحشد لها كبار علماء العالم الإسلامي لوضع مناهجها وللتدريس فيها، وأقبل عليها طلبة العلم من كل فج عميق ليشهدوا دروس العلم فيها، ومجالس التربية في أكنافها، ومحاضرات الحكمة من علمائها، وينهلوا من منابع الإيمان، وحقائق الإحسان، في بلد الحكمة والإيمان.

لقد خرجت هذه الجامعة المئات بل الآلاف من طلاب العلم في بلاد العالم الإسلامي، ابتداء من البلاد العربية، وانتهاء ببلاد شرق آسيا، حيث ضخت العديد من الخريجين حاملين المنهج المعتدل والفهم الوسطي والنور الهادي لبلادهم ومؤسساتهم، وصاروا الآن ملء السمع والبصر: أساتذة كبارا، وعلماء فضلاء، ودعاة أخيارا، ولو لم يكن للشيخ الزنداني من مناقب سوى هذه الجامعة لكفاه بذلك عملا يلقى الله تعالى به؛ فهو صدقة جارية إلى يوم الدين.

اهتمامه اللافت للنظر اهتمامه بالجهاد الأفغاني الذي كانت له فيه جولات وصولات، وحشد له الجهود، وجمع له النقود، حتى وصل به الحال إلى السفر هنالك واللقاء بالشيخ الشهيد العالم المجاهد عبد الله عزام

موقف الشيخ الزنداني من قضايا المسلمين

أشرنا قبل قليل إلى موقف الشيخ من الثورة اليمنية في الستينيات من القرن الماضي، وقد كان له موقف إيجابي كذلك من ثورة اليمن في مارس 2011م، وأعلن تأييده لها من منصة ساحة التغيير، وقال: "هذه الثورة من أفضل الجهاد؛ لقول النبي: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائ".، وأضاف: "نريد التغيير إلى ما هو أفضل، وإلى ما هو صواب، ورفعنا شعارا واضحا جليا: أن الله كلف الأمة بإقامة الحكم وتعيين الحكام، وأن الخليفة لا يكون خليفة إلا إذا كان مبايعا من الأمة"، ودعا أجهزة الأمن أن تحمي الشباب، وتقوم بدورها في الحفاظ على حياة الناس.

كما كانت للشيخ اهتمامات وفتاوى تتعلق بالمسلمين في الغرب، ومن ذلك إفتاؤه فيما سمي وقتها "زواج فريند" وقد أثارت هذه الفتوى جدلا واسعا وقتها، كتبت عنها تحقيقا فقهيا ونشر في مجلة المجتمع الكويتية.

الشيخ الزنداني مع المجاهد عبد الله عزام في أفغانستان (مواقع التواصل)

أما اهتمامه اللافت للنظر فهو اهتمامه بالجهاد الأفغاني الذي كانت له فيه جولات وصولات، وحشد له الجهود، وجمع له النقود، حتى وصل به الحال إلى السفر هنالك واللقاء بالشيخ الشهيد العالم المجاهد عبد الله عزام، وترتب على ذلك أن وضعته الولايات المتحدة الأمريكية على قوائم الإرهاب!

وأما اهتمامه بالقدس والأقصى وفلسطين فقد كان رفيقه أيامه ولياليه، وكان حبه لفلسطين لحمته وسداه، ومصبحه وممساه، فجهوده لها بارزة، وبلاؤه من أجلها مشهود، وعمله لها وجهاده في سبيلها معلوم ومعروف.

 

من كتبه الرائدة التي تركها: علم الإيمان، وطريق الإيمان، ونحو الإيمان، والتوحيد، والبينة العلمية في القرآن الكريم، وتأصيل الإعجاز العلمي

مؤلفاته ومقالاته

ترك الزنداني عددا من المؤلفات المتنوعة والمقالات المتفردة، وهي من العلم النافع بإذن الله الذي ينفع صاحبه بعد وفاته، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". [أخرجه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة برقم (1631)].

ومن كتبه الرائدة التي تركها: "علم الإيمان"، و"طريق الإيمان"، و"نحو الإيمان"، و"التوحيد"، و"البينة العلمية في القرآن الكريم"، و"تأصيل الإعجاز العلمي"، أما كتابه "بينات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته" فقد سمح بطباعته دون مقابل مالي؛ ليكون ضمن مقررات مادة "الثقافة الإسلامية" في جامعة الخرطوم؛ وقد كان له أثر كبير على كثير من الطلاب والطالبات.

ومن مقالاته: "أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج"، "الأقمار الصناعية تشهد بنبوة محمد"، "منطقة المصب والحواجز بين البحار" .. كما كان له العشرات من الأشرطة والمحاضرات التي فصل فيها مظاهر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية.

أسس في إسطنبول جمعية للإعجاز العلمي كنت -ولا زلت- أحد أعضائها والمؤسسين لها، كما كان الشيخ مهتما بقضايا المسلمين من إسطنبول وفيها، حتى كان يلقي البيانات في مؤتمرات العلماء الصحفية المتعلقة بقضايا الأمة جميعا

هجرته من اليمن إلى إسطنبول

بعدما سيطر الحوثيون على كثير من حواضر اليمن ومدنها، واقتحموا بيت الشيخ عبد المجيد الزنداني وعاثوا فيه فسادا، وكذلك

الكاتب (يمين) والعلامة الزنداني (يسار) (الجزيرة)

يفعلون، خرج الشيخ إلى السعودية وقضى فيها خمس سنوات تقريبا، وسافر إلى تركيا، واستوطن إسطنبول، وباشر منها جهاده العلمي والفكري والدعوي، فأسس جمعية للإعجاز العلمي كنت -ولا زلت- أحد أعضائها والمؤسسين لها، كما كان الشيخ مهتما بقضايا المسلمين من إسطنبول وفيها، حتى كان يلقي البيانات في مؤتمرات العلماء الصحفية المتعلقة بقضايا الأمة جميعا، كما كان معنا في لقاء العلماء بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 9 أغسطس 2023، وكان ضمن الوفد العلمائي الذي ناصح حركة حماس في موقفها من استعادة العلاقات مع بشار الأسد وأحد الموقعين على بيانهم في يوليو 2022م، وكان بيته قبلة للعلماء والدعاة في الليل والنهار.

توفي في إسطنبول عن اثنتين وثمانين عاما، عاشها في العلم والتعليم والتربية والدعوة والجهاد، بعد أن مكث في العناية المركزة فترة من الزمن، طاردته فيها الشائعات بخبر وفاته، وكانت دعوات المسلمين والعلماء تحيط به من كل مكان

وفاته في إسطنبول

وها هو الشيخ يحط الرحال إلى الدار الآخرة، ويترجل فارسا نبيلا لم يأل جهدا في خدمة قضايا الإسلام والمسلمين، وها هو يموت مهاجرا فائزا بقول الله تعالى: ﴿ ومن یهاجر فی سبیل ٱلله یجد فی الأرض مر ٰ⁠غما كثیرا وسعة ومن یخرج من بیته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم یدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحیما﴾ [النساء ١٠٠]. وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل إذا مات بغير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة". [أخرجه السيوطي في الجامع الصغير بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر، رقم: "1979"، والنسائي برقم (1832)، واللفظ له].

ها هو قد توفي في إسطنبول عن اثنتين وثمانين عاما، عاشها في العلم والتعليم والتربية والدعوة والجهاد، بعد أن مكث في العناية المركزة فترة من الزمن، طاردته فيها الشائعات بخبر وفاته، وكانت دعوات المسلمين والعلماء تحيط به من كل مكان، ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه.

إننا أمام رحيل الكبار لا نملك إلا أن نبدي -حقيقة لا ادعاء- كامل الرضا وتام التسليم بقضاء الله تعالى، الذي كتب الموت على كل نفس؛ حيث الأنبياء والعلماء والأولياء والمصلحون والأئمة الكبار.

رحم الله الشيخ العلامة عبد المجيد الزنداني، وأسبغ عليه سحائب رضوانه، وأكرمه بمغفرته، ورفع درجته في عليين

العلامة الزنداني على رأس الوفد العلمائي الذي زار الرئاسة التركية (الصحافة التركية)

وقد كتب شاعر الدعوة الجزائري المتألق الأستاذ محمد براح قصيدة في رثائه، هي خير ما نختم به هذا الرثاء، سماها: "في رثاء الشيخ عبد المجيد الزنداني رحمه الله .. رحيل العلم "، يقول فيها:

عز العراق وعز الشام واليمنا .. وعز مصر، وعز القدس والوطنا

في رزئنا بفقيد عاش يملؤنا .. بالنور واختار نهج المصطفى زمنا

كأنه ثلمة لاشيء يملؤها .. والموت ينثر فينا الغم والحزنا

شيخ المحجة بالبرهان يقنعنا .. كم كنت أختاره في العلم مؤتمنا

دلائل الطب والإيمان في حجج .. بدي الخفي الذي قد كان مندفنا

عبد المجيد، وما أغلاه من رجل .. حر يذب علينا الضعف والوهن

وذلل الآي في القرآن يشرحها .. وبالعلوم لقد أحيا لنا السننا

لو كل  شيء له في عصرنا ثمن .. فعلمه معجز لا يقبل الثمنا

هيهات هيهات يأتي بعده رجل .. وعاش ذاك النقي اللامع الحسنا

هي ابتسامته دوما ترافقه .. ماكان صلدا ولا صخاب أو خشنا

فمن يكفكف للغبراء دمعتها  .. والشيخ في تربة بالقبر قد سكنا

ومن لصنعاء إن لف السواد بها .. وعز تدمر في ذا الفقد  أو عدنا

يودع الشيخ مسرانا وقبلتنا .. ولم نذد عنه لم نوقف به الفتنا

والغيم في ساحه والظلم منتشر .. وفوقه يغرسون الشوك والمحنا

ويرحل الشيخ صداحا بنصرته .. لأرض غزة إن سرا وإن علنا

يقول قوموا إلى الأقصى لنرجعه .. والقدس ياقوم والمسرى يظل لنا

لو قيل من يفتدي شيخا وينقذه .. لقال كل الورى: أفدي الجليل أنا

رحم الله الشيخ العلامة عبد المجيد الزنداني، وأسبغ عليه سحائب رضوانه، وأكرمه بمغفرته، ورفع درجته في عليين، وفسح له في جنات النعيم، وعوض العلم والعلماء والأمة عنه خيرا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.