شعار قسم مدونات

غزة العصية على الفهم والقراءة الإيمانية!

أقام مئات آلاف الفلسطينيين في محافظات غزة، الأربعاء، صلاة عيد الفطر المبارك فوق أنقاض مساجد دمرتها إسرائيل ضمن حرب متواصلة على القطاع منذ 6 أشهر. وأفاد مراسل الأناضول، نقلا عن شهود عيان، بأن مئات الآلاف أقاموا صلاة العيد فوق أنقاض وركام المساجد التي دمرها الجيش الإسرائيلي في الحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وفي مساجد مدينة رفح (أقصى الجنوب)، أقام فلسطينيون صلاة العيد وصدحوا بالتكبيرات فوق أنقاض مساجد، بينها مسجدا الهدى والفاروق. ( Doaa Albaz - وكالة الأناضول )
الفلسطينيين في غزة يقيمون صلاة عيد الفطر المبارك رغم الدمار والمجازر الإسرائيلية (وكالة الأناضول)

ما يحدث في غزة عصي على الفهم البشري والإدراك الحسي، وهو أكبر من أن يفسر علميا ضمن المدارس الفكرية والسياسية والمنطقية في أرجاء المعمورة. قطاع صغير محاصر من سنوات ومكتظ بالسكان ولا يكاد يمتلك من مقومات الحياة الاقتصادية من قطمير، فلا مطار لديه ولا ميناء. غير أنه وبإمكانيات محدودة للغاية يلحق الهزيمة المذلة بدولة الاحتلال وجيشها العرمرم وامكانياته الخيالية والتي تسانده حلفاؤها من دول عظمى وكبرى داعمة ومؤيدة للاحتلال وجرائمه بجميع أنواع الدعم والمؤازرة ولمدة تزيد عن ستة شهور.

استهدف الاحتلال ثلاث من أبناء إسماعيل هنية وأحفاده في أول أيام العيد، فرأى الناس آيات من الرضا والقبول والتسليم من الرجل وثبات عجيب لا يكاد يتزعزع

يقف العقل الإنساني حائرا، ويهوي المنطق المادي منكسرا، وتتوارى الحسابات البشرية عجزا وقصورا إن حاولت توصيف ما يحدث في غزة ناهيك عن تفسيره. ويبقى الإيمان بالله وقدرته وجبروته وتدبيره، ويقف القرآن بآياته وظلالها ومعانيها، وتاريخ الإسلام وحياة الرسول ومعجزاته، وحدهم القادرون على تفهيمنا بما يجري في غزة، ووضعه في سياق مكين وضمن منهج راسخ ورصين.

ومع مواقف لا تكاد تحصى، وآيات تتابع وتترى، لا يتسع لرصدها كتب وأبحاث، أكتفى برصد أحداث ثلاث جرت في الإيام الماضية لنرى فيها بعضا من المعاني الإيمان والتدابير الربانية: "یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ یُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ" (الرعد 2)، ونرصد من خلال قراءاتها قدرة الله العظيمة: "وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" (الفتح 7).

استهدف الاحتلال ثلاث من أبناء إسماعيل هنية وأحفاده في أول أيام العيد، فرأى الناس آيات من الرضا والقبول والتسليم من الرجل وثبات عجيب لا يكاد يتزعزع، والأعجب من موقفه موقف زوجة ابنه الشهيد حازم، والتي زفت زوجها وبناتها إلى الجنة وهي تتحدث ليس فقط بصبر عجيب ورضا ولكنها ترسل رسائل للأمة وللدول العربية ستكون لها بتقديري آثار مزلزلة ولو بعد حين. مقارنة بين جزع الصهاينة حين ينزل بهم الموت، وثبات أهل غزة بل واستبشارهم بالشهادة هو الفارق في المقاييس الإيمانية بين أهل الباطل وأتباع الحق، "فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" (الأنعام 81-82).

تعرض إسماعيل هنية لحملات ظالمة تتهمه بإخراج أبنائه إلى تركيا وتحقيق إمبراطورية مالية لهم، كما تعرض قادة المقاومة لحملات اتهامات وتشكيك مسيئة من إعلام سلطة رام الله وغيرها، لتأتي حادثة الاغتيال لا لتبرأ هنية من تهم باطلة فحسب، بل ولتعطيه حصانة ستهوي بمن يهاجمونه في قيعان المهانة ومهاوي الانحطاط.

أليس في الأمر تدبير رباني؟ "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا" الفتح (4). والسؤال العجيب، كيف لرجل كإسماعيل هنية مشغول بمسؤوليات جسام وملاحق ومطلوب، أن يأتي بالوقت ليكون أبا لهؤلاء الأبناء ومن بعد ذلك ليوجههم وينشئهم ويربيهم على ما كانوا عليه؟

الإجابة في التوجيه النبوي "احفظ الله يحفظك".

الكثير من الآيات والعبر. مقاتلون بإمكانات متواضعة وقلم وورقة وكتاب بجانبهم "رسائل من القرآن"، يخططون وينفذون ويتوقعون ومن غير ذكاء صناعي ولا تقنيات متطورة، ردات فعل جنود الاحتلال والطريق الذي سيسلكونه

يوم الجمعة 5 إبريل – 26 رمضان وضمن مشروع قرآني أُقيم شمالي القطاع تم تخريج أكثر من 500 سارد وساردة في عمر الزهور للقرآن الكريم، وذلك رغم الأوضاع القاسية والقصف وخسارة الكثير من الأحبة وضياع الممتلكات. أيّ تمسك بكتاب الله وتشبث به هذا الذي يحرص عليه الغزيّون؟ حتى إن إحدى الفتيات الطاهرات قالت: ”سنسير في دروب آبائنا الشهداء الذين سبقونا”.

السؤال الكبير هنا -ومع التقدير العالي بطبيعة الحال لهذا الحرص الإيماني- كيف لأطفال يافعين أن يحفظوا كتاب الله من الناحية الذهنية والعلمية وهم يعيشون تحت القصف والتدمير والتجويع والتعطيش. إن كثير منا ومن أبنائنا لا يستطيع تحصيل علم أو حفظ نص مالم يهيئ لهم الأجواء الهادئة والظروف الآمنة وما يحتاجوه من طعام وشراب! أليس في الأمر تدبير رباني، وعلامات بينات على ما يصنعه الإيمان والذي يفجر في الإنسان -بأمر الله وحكمته- الطاقات والقدرات.

مشاهد "كمين الأبرار" المركب في منطقة الزنة شرق خان والذي نفذته المقاومة ضد قوة للاحتلال الإسرائيلي شرق خان يونس يوم 27 من شهر رمضان، والذي يظهر في البداية عددا من المقاتلين وهم يستعرضون خطة الكمين وتفاصيل تنفيذه، مع دعاء بتحقيق أهدافه والثقة بذلك من خلال من قيامهم ليلة الـ27 من رمضان.

مشاهد فيها الكثير من الآيات والعبر. مقاتلون بإمكانات متواضعة وقلم وورقة وكتاب بجانبهم "رسائل من القرآن"، يخططون وينفذون ويتوقعون ومن غير ذكاء صناعي ولا تقنيات متطورة، ردات فعل جنود الاحتلال والطريق الذي سيسلكونه، والمكان الذي سيلجؤون إليه ومن بعد يلتحمون معهم باشتباكات من قرب أو ما يطلق عليه مسافة صفر، عملية عسكرية ناجحة بنسبة 100% وبإمكانات متواضعة، فهل يستطيع محلل عسكري أو استراتيجي أن يحلل هذه العملية ويكشف أسرار نجاحها الباهر؟

لن نستطيع فهم هذا التوفيق والسداد إلا من خلال قوله تعالى " يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" (محمد 7)، وقوله سبحانه "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ" (الأنفال 7).

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.