شعار قسم مدونات

العيد بين رحاب عمرو بن العاص والسلطان أحمد!

كعك وبسكويت العيد.. عادة مصرية لا تهزمها كورونا
أتذكر الأيام التي كان بيت العائلة يمتلئ بالجميع قبل العيد لصنع الكعك وأصناف حلوى العيد (الجزيرة)
  • نعم يا أمي صنعنا الكعك، لكن صنعته زوجتي وحدها؛ لم يرغب الأولاد في مساعدتها.

نعم أتذكر هذه الأيام التي كان بيت العائلة يمتلئ بأولادي وأخوتي وزوجاتنا قبل العيد بيوم ويومين تصنعون الكعك وأصناف من حلوى العيد، كان البيت مملوءا بعبء رائحة الخبيز ورائحة الحلوى، ولا أنسى أبي الذي كان دوما ما يطلب الهدوء سائر العام، إلا هاتان الليلتان، نعم أذكر ليلة العيد، تلك الليلة التي لا ينام فيها أحد، ويملأ السمر بيت العائلة، وتعلو الضحكات، ويتبارى الأولاد فيما بينهم في ألعاب نشاركهم فيها كثيرا من الأحيان، وفي الخلفية أغاني العيد التي كان يبثها التلفاز، أو نديرها نحن من خلال المسجل أو الكومبيوتر.

لا أنسى يا أمي أوامرك القاطعة للأولاد بإنهاء اللعب والبدء في الاستحمام، بعد أن تتجاوز الساعة منتصف الليل، ومراوغة الأولاد لك، وتقديم بعضهم على بعض حتى يحظى من تأخر بمزيد من اللعب ويرتشف من نشوة اللهو أكثر

نعم يا أمي أحيا هذه الروح، وأنا بعيد عنها في خيالي، وأحكيها للأولاد، لا ليتذكروها، بل حتى لا أنسى أنا، حتى لا أنسى تلك الروح، وهذه الوجوه، وهذا الجو البهيج في حالة تأسي متماهية مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أذكر تلك الحالة البريئة بين الأولاد وهم يخرجون ملابسهم الجديدة من حقائبها ليري كل واحد الآخر ما حصل عليه من ملابس سيذهب بها إلى صلاة العيد، ثم إلى المتنزهات، لا أنسى شكوى الأطفال المتكررة من الأحذية الجديدة، ولا أنسى علاجك السحري بوضع قطنة في مؤخرة الحذاء حتى لا تؤلم الطفل، مع نصيحة ذهبية بأن يخلع حذاؤه عند وصوله المتنزه حتى يلعب من دون ألم قد يحدثه الحذاء الجديد له.

لا أنسى يا أمي أوامرك القاطعة للأولاد بإنهاء اللعب والبدء في الاستحمام، بعد أن تتجاوز الساعة منتصف الليل، ومراوغة الأولاد لك، وتقديم بعضهم على بعض حتى يحظى من تأخر بمزيد من اللعب ويرتشف من نشوة اللهو أكثر، فإذا ما اقتربت صلاة الفجر تبدأ تجهيزات النزول إلى الصلاة، وكان على عاتقك دوما إيقاظ من نام من الأولاد تعبا، بعد أن تيأس أمه في إيقاظه، فكان لحضنك و"تبطبتك" على الطفل مفعول السحر، لما لك من معزة، ورصيد الحنان الذي يسمح لك بأن تأمري فتطاعي، وما زلت أذكر أبي، رحمة الله عليه، وهو ينتظرنا في السيارة مع إخوتي بعد أن يسبقوا لتجهيز السيارات حتى يحمون إلى جامع عمرو بن العاص الذي اعتدنا الصلاة فيه، حتى من قبل أن نتزوج، حيث التجمع الأكبر للمنطقة والأحياء المجاورة، وحيث يجد الأولاد من الهداية والحلوى، ما يجعلهم هم من يطلبون الصلاة في الجامع على الخصوص.

تلك التمرات يا أمي التي كنت دوما تحملينها، ونحن خارجون لصلاة الفجر، تأسيا بالنبي، الذي سن الإفطار بعد أذان الفجر، لا يزال طعمها في فمي رغم مرور السنين، فكأن التمرات، هي ذاتها، وإن اختلف نوعها، فتلك التمرات كانت هي العيد يا أمي، هي الحد الفاصل بين الحذر من الأكل بعد الآذان طول ثلاثين يوما وبين تلك الفرحة بقضاء فرض الله وتنفيذ أوامره، تلك السنة التي لم يتركها النبي، وبها يقتضي أتباعه، هذه الأطفال معنيين بذلك، لإدخال السرور عليهم، وتحصيل الجائزة بعد الثواب، لا أنسى أمي لعب الأطفال في ساحة الجامع حتى توافد الناس لصلاة العيد، وبعد العيد كم كنت أفرح بذلك الصف الذي كان الأولاد يقفون فيها ينتظرون من جدهم العيدية، وتقف أمهاتهم معهم في الصف لينالوا من كرمه على الجميع.

الغربة يا أمي رحلة لا تأخذنا بعيدا عن أوطاننا، بل هي رحلة تأخذنا بعيدا عن أرواحنا، فنصير أجسادا معلقة أرواحها في مراتع الصبا، وفي ذكريات صحبة الأهل وأصحاب والجيران

نعم يا أمي سنصلي في جامع السلطان أحمد كما تعودنا في العشر سنوات الماضية، فالجامع على قدر جماله وروحانيته، فهو يجمع الروح التي نفتقدها، ويبحث عنها كل فرد في الجالية المصرية والعربية، ففي جامع السلطان أحمد يرى كل واحد منا ما يريد أن يراه في ذكرياته، يرى كل واحد منا أهله الذين حرم إياهم، وأصدقاؤه الذين تربى معهم، وفرقت بينهم المسافات والحاجات والملمات، الكل يهرب يا أمي من واقعه ليصنع واقع في مخيلته، وكلنا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فآه وما هو ببالغه، فمهما كان الود، ومهما كانت المحبة، ومهما طالت العشرة، ومهما توطدت الأواصر، وتقاربت الصلات والقلوب يا أمي فإن هذه الروح التي تركنا والنسيم الذي حرمنا لا يعوضه شيء، فحتى وإن وزعت الهدايا والحلوى على الأولاد، وحتى إن تعالت الضحكات، وحتى وإن تعانق الأصحاب، فإن شيء ما دوما ناقص.

الغربة يا أمي رحلة لا تأخذنا بعيدا عن أوطاننا، بل هي رحلة تأخذنا بعيدا عن أرواحنا، فنصير أجسادا معلقة أرواحها في مراتع الصبا، وفي ذكريات صحبة الأهل وأصحاب والجيران، كبيرهم وصغيرهم، عظيمهم ورقيقهم، تلك الذكريات التي تترك في قلوبنا أثرا عميقا من الحنين، فرغم المناظر الطبيعية الخلابة في هذا البلد الساحرة، وعلى الرغم من أن هذه البلد الطيب وأهله الطيبون يحتضنوننا كمصريين، ونلقى منهم من الحفاوة ما يهون علينا غربتنا، ومع أننا نلقى إخواننا العرب في مصلانا ومتنزهاتنا، ما يجعلنا في حالة دفء يحتوي الجميع، إلا أن الكل يشعر بأنه قفز للمجهول فتمتزج الفرحة والبهجة بالترقب الممزوج بتحدي الانتصار على الذات وتحقيق الآمال، حتى تمثل تحاربنا لأولادنا منارة في مجتمعهم الجديد، ويطمئنهم على مستقبلهم ليمضوا فيه بخط ثابتة، وليشدد كل مغترب عضد أخوه أكثر من كون هذا التجمع لأداء صلاة وتنفيذ طاعة، آلو.. آلو يبدو أن الخط انقطع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.