شعار قسم مدونات

غزة التي غيرت العالم

صواريخ المقاومة أربكت الدفاعات الإسرائيلية وفي مقدمتها القبة الحديدية (رويترز)

لا يمكن للحسابات المادية أو حتى لجميع مدارس التحليل السياسي والعسكري أو للأكاديميات الدولية العسكرية منها أو الاجتماعية أو السياسية أن تقدم تفسيرا لما حدث ويحدث في غزة وتداعياته والتي غيرت المشهد العالمي في صور يمكن قراءاتها الآن، ولتداعيات وتبعات آخرى، مثلها مثل ما حصل ويحصل في غزة عصية عن التبنؤ وعسيرة على التوقع.

بعد ستة أشهر من تحالف إجرامي عالمي يقف وراء الإرهاب الصهيوني داعما ومساندا يمده بغطاء سياسي، وبدعم مالي لا يكاد يعرف الحدود، وبإمدادات عسكرية لا تتوقف، وبتقنيات لأحدث ما توصل له العلم من أدوات التجسس والرصد والتي تحصي على الناس أنفاسهم وترصد مشاعرهم، ودعم عربي لوجستي ونفطي وإعلامي محموم ومسموم كل هذا وما خفي أكثر وأدهى وأمر، بعد ستة أشهر يتغير السؤال والذي طرح بداية العدوان ومحرقة غزة من: إلى متى يمكن للمقاومة أن تصمد؟ ليصبح إلى متى يمكن لإسرائيل أن تصمد في مواجهة ضربات المقاومة الموجعة، والتمزق الداخلي، والغضب الشعبي العالمي المتصاعد، وغليان الشارع العربي غضبا وقهرا وحنقا والتي بدت بعضا من ظواهره بمظاهرات تزداد زخما وإصرارا على مقربة من حدود فلسطين؟

لعل من أعظم ما يهدد الدولة العبرية والذي هو من تبعات صمود غزة الأسطوري ومقاومتها الاستثنائية، إمكانية سقوط أنظمة عربية يعتمد الاحتلال عليها وجوديا وعلى خدماتها الأمنية واللوجستية والتطبيعية.

دولة الاحتلال ألقت بكل ما في جعبتها من قدرات عسكرية وإعلامية وسياسية وأقترفت تقريبا جميع الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية والتي يمكن للعقل البشري تخيلها، فحرقت الأخضر واليابس في القطاع، وقطعت عن المدنيين والأطفال والنساء كل شرايين الحياة، ودمرت المستشفيات والمباني والبنى التحتية، واستخدمت التجويع حتى الموت سلاحا في حرب الإبادة. فهشمت صورتها دوليا، وأثقلت بفعلها وجرائمها الأحمال على حلفائها في الغرب، وصارت عبئا ثقيلا وعارا عليهم وتهديدا لمكانتهم السياسية بل وحتى أصبحوا عرضة لتهديدات قضائية وقانونية في بلادهم لدعمهم جرائم ضد الإنسانية من أموال دافعي الضرائب في أحوال إقتصادية صعبة غربيا تحرم كثيرا من مواطني تلك الدول من التمتع بخدمات إجتماعية وصحية كما ينبغي ويجب. في حين أن المقاومة ومع كل هذا القصف والتدمير متماسكة صلبة وواثقة من النصر والانتصار، تفاجئ الصهاينة بأسلحة جديدة، وتكتيكات عسكرية مبتكرة، وتبث فيديوهات عن متابعة ضباط الاحتلال ومن ثم استهدافهم عقوبة على جرائمهم وانتهاكاتهم.

تواجه الدول العبرية تحديات كبيرة للغاية، فالتمزق الداخلي وقضية خدمة المتدينين في الجيش وما تعكسه من خلافات طاحنة بين العلمانيين والمتدينين، واحتمالية تصاعد تمرد عسكريين عن القتال في غزة خصوصا مع الملاحقات القانونية الدولية لدولة الإحتلال والتي قد تشمل ملاحقة مزدوجي الجنسية من الجنود الصهاينة حال عودتهم لبلادهم الأصلية ولو في زيارات قصيرة على جرائم ضد الإنسانية اقترفوها وارتكبوها. خسارة الرأي العام الغربي – والذي كان ما قبل طوفان الأقصى بأغلبيته مقتنعا بالروايات الإسرائيلية والتي سقطت في أوحال غزة ومزقتها صور الجرائم والمجازر والتي يقترفها الصهاينة خصوصا بحق الأطفال والمرضى والجرحى- لها تداعيات كبيرة فعلى سبيل المثال ولإول مرة في تاريخ الانتخابات الأمريكية قد يخسر الرئيس الأمريكي منصبه لدعمه الكبير لدولة الاحتلال وجرائمها في غزة.

ولعل من أعظم ما يهدد الدولة العبرية والذي هو من تبعات صمود غزة الأسطوري ومقاومتها الاستثنائية، إمكانية سقوط أنظمة عربية يعتمد الاحتلال عليها وجوديا وعلى خدماتها الأمنية واللوجستية والتطبيعية. قد يرى كثيرون هذا الأمر  مستبعدا، غير أن الغضب الشعبي العربي من الجرائم الصهيونية إضافة لقمع سلطات دول عربية مظاهر التضامن مع ضحايا محرقة غزة، يعملان عمل قدر (طنجرة) الضغط والتي قد تنفجر في أية لحظة من غير سابق إنذار. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأوضاع الإقتصادية الصعبة في دول عربية ومواقف تلك الأنظمة العاجزة أمام ما يحدث في غزة إن أحسنا الظن والمتواطئة كما يراها كثيرون والتي منعتها حتى من سحب السفراء أو تعليق معاهدات السلام والتطبيع مع مجرمي الخرب والإبادة، ومع الإعجاب الشديد في الشارع العربي برموز المقاومة في غزة والهتاف بأسمائهم، فإن طوفان وزلزال سياسي يغير المشهد العربي جذريا أمر قد لا يكون مستبعدا وربما يحدث بشكل مباغت وبطبيعة الحال سيكون له ارتدادات ساحقة وعميقة على المنطقة والعالم.

لقد غيرت غزة، الصغيرة المحاصرة والتي خذلها العالم وخصوصا العالم العربي والرسمي الإسلامي والتي تتعرض لحرب إبادة شرسة وظالمة منذ نحو نصف عام، وجه العالم وصنعت التاريخ وأعادت الوعي وأحيت فكر الحرية والتمرد على الظلم والطغيان عربيا وإسلاميا وعالميا

الإسلام السياسي المحارب في العديد من الدول العربية، أرتفعت أسهمه كثيرا في الشارع العربي حين قارن ويقارن ذلك الشارع صمود مقاومة محاصرة وبطولاتها ومواقف الرئيس الراحل محمد مرسي الصلبة والرجولية من اعتداء الصهاينة على غزة وعبارته الأشهر في نوفمبر 2012 "لن نترك غزة وحدها"، مع عجز إنظمة علمانية عربية وجيوشها ومواقفهم الذليلة والمنكسرة أمام فظائع وأهوال ما يحدث غي غزة. تصاعد العودة إلى الإسلام شعبيا لا بل وحتى الدخول في الإسلام، تفاعلا مع مشاهد الصمود الفلسطيني والصبر والاحتساب في مواجهة ما لا يطيق احتماله البشر من ظلم وعدوان ومحارق وأحزمة نارية، أمور لها تبعات كبيرة فكرية وسياسية واجتماعية.

لقد غيرت غزة، الصغيرة المحاصرة والتي خذلها العالم وخصوصا العالم العربي والرسمي الإسلامي والتي تتعرض لحرب إبادة شرسة وظالمة منذ نحو نصف عام، وجه العالم وصنعت التاريخ وأعادت الوعي وأحيت فكر الحرية والتمرد على الظلم والطغيان عربيا وإسلاميا وعالميا، وأعطت المتخاذلين من متهافتي التطبيع درسا بليغا لو كانوا يعقلون: أن التاريخ والمجد يصنعه الثابتون على الحق المتشبثون به ولو تخلى عنهم القريب والبعيد. لقد أشرقت شمس الحق والحرية على العالم من أنفاق غزة ومن بين أنقاض ركام مساجدها ومدارسها وجامعاتها وبيوت أحرارها.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.