شعار قسم مدونات

المتدينون اليهود والفرار من الزحف

أغلبية اليهود الحريديم يقطنون في القدس ومستوطنات الضفة الغربية وأصبحوا قوة مؤثرة في الحكم (الجزيرة)

الصمود الأسطوري للمقاومة في غزة والخسائر الكبيرة وغير المسبوقة لجيش الاحتلال بالإضافة لتلقيه ضربات موجعة ومذلة في غزة المحاصرة والمدمرة، رغم فارق الإمكانيات المادية والقدرات التسليحية الكبير بين الطرفين ارتد فعله ليترجم إلى انقسامات داخل مجتمع الاحتلال وخلافات حادة بين مكوناته الهجينة وغير المتجانسة. كان إحدى أبرز هذه الصور المشادات والاختلافات بين المتدينين  والعلمانيين حول التجنيد العسكري والذي يرفضه عموم المتدينين.

في يوم الإثنين 18 مارس هاجمت الشرطة الإسرائيلية مظاهرة لليهود الحريديم (المتدينين)، أمام المحكمة العليا في القدس، تزامنا مع انطلاق جلسات استماع في المحكمة بشأن المبررات الملزمة لليهود المتشددين بأن يخدموا في الجيش الإسرائيلي، وقالت الشرطة الإسرائيلية إنها استخدمت القوة ضد المتظاهرين مثيري الشغب في القدس، الذين اتهموا عناصرها بالنازية وطالبوهم بالذهاب للموت في غزة (لاحظ كم هي سهلة توجيه الاتهام بالنازية!).

يرفض المتدينون الخدمة العسكرية، ويطالبون بالحق في الدراسة بالمعاهد اللاهوتية عوضا عنها طوال السنوات الثلاث. وآخر تجليات تلك الخلافات والانقسامات ما صرح به كبير حاخامات السفارديم (طائفة اليهود الشرقيين) في إسرائيل يتسحاق يوسف والذي قال إنه في حال أُجبر المتدينون على الخدمة العسكرية فإنهم سيسافرون جميعا إلى الخارج.

يشعر عدد كبير من الإسرائيليين بالاستياء جراء إعفاء اليهود المتشددين من الخدمة بالجيش في ظل سقوط أكبر عدد من القتلى بصفوف جيش الاحتلال منذ عقود وحاجته إلى مزيد من المقاتلين الجنود مع خسائره المتعاظمة، جراء المقاومة الشرسة والتي يواجهونها في قطاع غزة. يرفض المتدينون الخدمة العسكرية، ويطالبون بالحق في الدراسة بالمعاهد اللاهوتية عوضا عنها طوال السنوات الثلاث. وآخر تجليات تلك الخلافات والانقسامات ما صرح به كبير حاخامات السفارديم (طائفة اليهود الشرقيين) في إسرائيل يتسحاق يوسف والذي قال إنه في حال أجبر المتدينون على الخدمة العسكرية فإنهم سيسافرون جميعا إلى الخارج. وأضاف يوسف إن العلمانيين يضعون الدولة على المحك، يجب أن يفهموا هذا كل العلمانيين الذين لا يفهمون هذا الأمر.

هذا الحاخام المتطرف ورث التطرف عن والده عوفاديا والذي توفي في 7 أكتوبر 2013 (يتوافق مع تاريخ طوفان الأقصى)، والذي عرف بكرهه الشديد للعرب، وبلغ حد دعوته إلى إبادتهم جميعا بالصواريخ في يوليو/تموز 2001، قائلا في إحدى مواعظ السبت في كنيس بالقدس بمناسبة عيد الفصح اليهودي يجب ألا نرأف بالعرب، ولا بد من قصفهم بالصواريخ وإبادتهم واعتبرهم أشرارا وملعونين، وفي أحد دروسه الدينية قال إن العرب صراصير، يجب قتلهم وإبادتهم جميعا وأنهم أسوأ من الأفاعي السامة.

يتسحاق يوسف -والذي يريد أن يهجر الدولة العبرية ويهاجر منها إذا ما طلب من المتدينين الخدمة العسكرية- اشتهر بإصدار فتاوى محرضة ضد العرب والفلسطينيين، إذ دعا إلى نفي الفلسطينيين وإلى تنفيذ إعدامات ميدانية للمقاومين الفلسطينيين فور القبض عليهم بدلا من سجنهم. كما حرض في فتوى دينية يهودية على قتل كل فلسطيني يحمل سكينا، وعدم الخوف والاكتراث للمحكمة العليا، مضيفا أنه حلال، وتقرب من الرّب. وفي مارس/آذار 2016، عارض توجيهات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غادي أيزنكوت "المعلنة"، حول احترام قواعد الاشتباك وعدم قتل المهاجمين بعد استسلامهم، حيث قال إن على الجنود قتل أي مهاجم بغض النظر عن العواقب.

أصحاب الحق من أهل غزة ومقاوميها يتسابقون للشهادة في سبيل الله ويحتفون بها، وشتان بين تعامل الفريقين مع الموت في سبيل قضاياهم، إن كان للمحتل في فلسطين قضية سوى التدمير والظلم والنهب.

الحاخام المتطرف ينشر ثقافة القتل في المجتمع الإسرائيلي ويحرض عليها، ثم يعلن عزمه عن الفرار عما يزعموه بالأرض الموعودة، احتجاجا على قانون يطالب من المتدينين القتال دفاعا عما يتشدقون بأنه مشروعهم الرباني! الفلسطينيون المحاصرون والذين يجوعون حتى الموت ويواجهون القصف المدمر ليل نهار وقد دمر الاحتلال منازلهم وقطع عنهم كل شرايين الحياة يتشبثون بأرضهم ويرفضون كل عروض الهجرة والإغراء، فيما الحاخام الأكبر والذي ينشر ثقافة القتل في المجتمع الإسرائيلي يريد أن يترك بلاده احتجاجا على قانون ليخدم مشروعه "الرباني" عسكريا.

(لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ).

إذا كان هؤلاء يؤمنون بأنهم أصحاب حق، فلماذا يخافون الموت ويفرون من ملاقاة أعدائهم؟ أصحاب الحق من أهل غزة ومقاوميها يتسابقون للشهادة في سبيل الله ويحتفون بها، وشتان بين تعامل الفريقين مع الموت في سبيل قضاياهم، إن كان للمحتل في فلسطين قضية سوى التدمير والظلم والنهب.

(قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون).

 

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.