شعار قسم مدونات

سؤال الأهلة؟!

صورة مرفقة بالخبر من المشروع الاسلامي لرصد الاهلة لغايات استخدامها في الجزيرة نت
بذل علماء الفلك جهود في مراحل مبكرة من توسع الدولة الإسلامية في رصد ظواهر الفلك من حركة للشمس والقمر واستعمالهم الجداول الفلكية لتحديد إمكانية رؤية الهلال خلال السنة (الجزيرة)

سألني وقد جلس مصغيا منتبها خلال كلمة ألقيتها عن علم الفلك في التاريخ الإسلامي عن رأيي في الخلافات المتكررة حول إثبات دخول الشهر القمري. فكيف أجبت؟

يتجلى الخلاف حول الأهلة غالبا في إثبات بدايات شهري رمضان وشوال (بداية الصيام ونهايته). وهو في شق منه خلاف فقهي حول تفسير النصوص الشرعية المتعلقة ببدء الصيام والفطر منها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غمّ عليكم فاقدروا له". حيث يرى البعض أن إثبات بداية الشهر القمري لا تصح إلا بالرؤية البصرية للهلال فهي مقصودة بذاتها في الحديث بينما يرى آخرون إمكان اعتماد الحسابات الرياضية لتقدير إمكانية الرؤية ودخول الشهر، وهناك شق آخر للخلافات إلى جانب الشق الفقهي مرتبط بالتطبيق العملي للحساب والرؤية متعلق بأين ومتى وكيف نرصد الأهلة.

شاهدنا حالات كثيرة يعلن فيها عن بدء رمضان في بلد لا يرى فيه الهلال لأن فقهاءه يقولون باتحاد المطالع ويثبتون دخول الشهر حين يرى الهلال في بلد بعيد عنهم

الهلال رؤيته وحسابه

الهلال الذي نبحث فيه هنا هو الهلال الذي تراه العين في الأيام الأولى من الشهر وليس لحظة اقتران القمر بالشمس التي تعلن اللحظة صفر في دورة حياة القمر الشهرية وتسمى الاقتران ويحسبها علماء الفلك بدقة. والحساب ضمن هذا السياق هو حساب إمكانية رؤية الهلال خلال سويعات من تولده وتختلف هذه الإمكانية وفق ظروف عديدة منها عمر القمر بعد لحظة تشكله، وبعده الزاوي عن الشمس التي يغلب نورها ضوء الهلال الرقيق فتحجبه، ومدة مكث الهلال فوق الأفق بعد مغيب الشمس. ويدخل فيها حال الغلاف الجوي من غبار وتلوث واستخدام الراصد لأدوات بصرية كالمنظار وغيره.

ويمكن اعتبار الحساب المعني هنا وسيلة لتكميم إمكانية الرؤية بحيث ترشد (أو تستبدل) الخروج للبحث عن الهلال في السماء نعرف من خلالها أن رؤية الهلال مستحيلة أو ممكنة في مكان وزمان معينين، وقد وضع لها الراصدون معايير اختلفت وتطورت عبر الزمن يجمعها خط عام هو تحري ظروف الرؤية الممكنة لرصد الهلال الجديد بعيد الغروب بلحظات. ويستغرب -كون الحساب ضابطاً لظروف الرؤية البصرية- أن يختلفا في النتيجة ولكن نرى عند التفحّص أن اختلاف نتائج الرصد مع الحساب تحدث في حالات منها:

  • خطأ الراصد: وهو شائع أكثر مما يتخيل البعض حيث يتوهم الراصد أنه رأى الهلال وهو إما غير موجود أصلا أو تستحيل رؤيته في تلك المنطقة ويعرف خطؤه بسؤاله عن حال الهلال لما رآه (جهة تحدبه مثلا) واتجاه الرؤية وزمانها. وقد يدل عليه لاحقا حدوث كسوف شمسي يعرف بها لحظة الاقتران.
  • إشكال في معايير الحساب: وظني أن هذا نادر. فمعايير إمكانية الرؤية وإن تعددت لكنها في الزمن الحديث وصلت لدرجة غلبة الظن وتواترت من خلال خبرة الراصدين التراكمية.
  • اتحاد واختلاف المطالع: وهو فرق تحكمه القواعد الفقهية بين من يرى دخول الشهر إن أمكنت رؤية الهلال في أي مكان ولو في بلد بعيد، ومن يرى أن رؤية الهلال يجب أن تكون محلية أو في قطر قريب.

وقد شاهدنا حالات كثيرة يعلن فيها عن بدء رمضان في بلد لا يرى فيه الهلال لأن فقهاءه يقولون باتحاد المطالع ويثبتون دخول الشهر حين يرى الهلال في بلد بعيد عنهم، بينما يتأخر عنه بلد يجاوره لأنه يعتمد الرؤية المحلية وهي غير ممكنة فيه، وهو خلاف لا بأس به لأنه على الأقل يستند لقواعد منضبطة.

لا ننكر أن تقدم العلم وتوفر وسائل بصرية (من كاميرات ومناظير) وبرامج الحاسب ووسائل التواصل وغيرها كان لها دور كبير في التوصل إلى فهم أعمق لحركة الأجرام ودقة أعلى في تحديد مواضعها وأحوالها

قديما وحديثا

أتعمد عند الحديث عن تاريخ علم الفلك عند المسلمين أن أذكر جهود علماء الفلك في مراحل مبكرة من توسع الدولة الإسلامية في رصد ظواهر الفلك من حركة للشمس والقمر واستعمالهم الجداول الفلكية لتحديد إمكانية رؤية الهلال خلال السنة. وذلك لأن البعض يتصور أن الإشكال في تحديد بدايات الشهور هي تعارض بين قديم وحديث، وبين جمود وتطور. بين عقلية دينية متصلبة تصر على اتباع أساليب قديمة وأخرى متطورة متقبّلة لأدوات التكنولوجيا والعلوم الحديثة. لكن علماء الفلك المسلمين منذ القرن الثالث الهجري امتلكوا أدوات تقدير إمكانية رصد الأهلة وبدقة مقبولة. إضافة إلى أن كثيرا من علماء الشرع أصبحوا في فترات لاحقة متمرسين بعلم الحساب والفلك. لكن ما منعهم من تبني الحساب لإثبات الشهور هو تأويلهم للنصوص الشرعية بأن الرؤية مقصودة لذاتها وأن شعائر الإسلام ميسرة لعموم الناس فلا تكون معرفة بدايات الشهور حكراً على من يملك آلات الحساب فقط.

ولا ننكر أن تقدم العلم وتوفر وسائل بصرية (من كاميرات ومناظير) وبرامج الحاسب ووسائل التواصل وغيرها كان لها دور كبير في التوصل إلى فهم أعمق لحركة الأجرام ودقة أعلى في تحديد مواضعها وأحوالها ولكن الاختلاف جوهره فقهي والعلم دوره خدمة الدين وفق قواعد الشرع وليس استبدالها.

في أميركا وكندا حيث يقطن بضعة ملايين مسلم فلا يوجد مرجعية موحدة لها سلطة عامة لإثبات الشهور بل ترى كل مدينة أو حتى كل مسجد يعلن الصيام والفطر تبعا لمرجعية مختلفة، حتى يصل الأمر إلى اختلاف الناس في صيامهم في المدينة الواحدة وفي الأسرة الواحدة

شرقا وغربا

تحمل بدايات الشهور في القارة الأميركية الشمالية نكهة لم أعرفها في الشرق العربي. فعلى الرغم من اختلاف بعض البلاد العربية في إعلان بدايات الشهور ولكن على الأقل يوجد في معظمها مرجعية دينية موحدة مثل دار الإفتاء أو هيئات مماثلة تتبنى قواعد ترتضيها لتحديد بدايات الشهور وتتولى الإعلان عن بداية الصيام والعيد وتتبعها المساجد والناس جميعها في هذا البلد.

أما في أميركا وكندا حيث يقطن بضعة ملايين مسلم فلا يوجد مرجعية موحدة لها سلطة عامة لإثبات الشهور بل ترى كل مدينة أو حتى كل مسجد يعلن الصيام والفطر تبعا لمرجعية مختلفة، حتى يصل الأمر إلى اختلاف الناس في صيامهم في المدينة الواحدة وفي الأسرة الواحدة، فمنهم من يتبع الرؤية وبعضهم يرى الحساب والبعض ترك هذا كله وتبع إعلان بلد معين يصومون بصومه ويفطرون بفطره فترى التركي يتبع تركيا والباكستاني يتبع باكستان والبعض يتبع بلاد الحرمين وهكذا.

وهذه فرقة وتشرذم مذمومين لهما أثر سلبي على مشاعر الانتماء للأمة الإسلامية وخاصة في بلاد فيها المسلمون أقلية مستضعفة ويخشى فيها على الهوية الإسلامية للأجيال الجديدة.

المسلمين هم الأمة الوحيدة الباقية في المعمورة التي من دينها الحض على النظر إلى السماء لإثبات بعض شعائرها الدينية. فهلا توقفنا عند هذا المعنى وكيف أن ربنا سبحانه كرمنا بأن جعل هذه العبادة سببا في رفع رؤوسنا إلى السماء وإجالة النظر فيها وتعلم تفاصيل حركة أجرامها؟

تصحيح الرؤية

يحتاج رصد الأهلة علما ودربة ودراية بالسماء وحركة أجرامها، وقد تصدى لهذا الأمر كثيرون من أهل العلم والخبرة وبذلوا جهودا تشكر لهم في سبيل توعية الأمة وتنظيم الأشهر القمرية والتقويم الهجري، ولا بأس ببعض الاختلاف في بدايات الشهور فهو أمر لا مناص منه باعتبار الاختلافات الفقهية والعملية. ولكن ما نرجوه حقا من أمة اتخذت الهلال شعارا لها واحتفت بالعلم وجعلت من تأمل السماء دليلا على الخالق وبديع صنعه أن تتقن صنعة النظر إلى السماء وتحسن ضبط قواعد رصد أهلتها حتى لا تزل في فوضى إثبات الشهور القمرية.

ولعل المسلمين هم الأمة الوحيدة الباقية في المعمورة التي من دينها الحض على النظر إلى السماء لإثبات بعض شعائرها الدينية. فهلا توقفنا عند هذا المعنى وكيف أن ربنا سبحانه كرمنا بأن جعل هذه العبادة سببا في رفع رؤوسنا إلى السماء وإجالة النظر فيها وتعلم تفاصيل حركة أجرامها؟ هي والله نعمة نفخر بها على باقي الأمم التي أغرقتها المادية حتى فقدت صلتها بالسماء. أسأله تعالى أن يسخّرنا للحفاظ عليها، ولي إلى هذا الحديث عودة إن شاء الله.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.