شعار قسم مدونات

كيف تجعل خمسة ملايين قتيل تساوي صفر؟

حروب أميركا تركت أثرا واسعا ومعقدا في العديد من الدول (غيتي)

في مايو/ أيار الماضي، أصدر معهد واتسون في جامعة براون الأميركية تقريره حول ضحايا الحروب التي قامت بها الولايات المتحدة، على مدى ٢٠ عاما، منذ هجمات ١١ سبتمبر/ أيلول ٢٠٠١م، ضمن ما يعرف بالحرب على الإرهاب. حيث بلغ إجمالي عدد القتلى في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن والصومال ما لا يقل عن 4.5 إلى 4.7 مليون شخص، بعضهم قضى في القتال، لكن العدد الأكبر، وخاصة من الأطفال، قتلوا بسبب الآثار غير المباشرة المصاحبة للحرب، حيث يقدر عددهم بنحو 3,6 إلى 3,8 مليون شخص. وقد أشار التقرير إلى أن هذا العدد في ازدياد بسبب أثر هذه الحروب الصحية والاقتصادية والبيئية والخدمية، التي جعلت هذه الوفيات غير المباشرة تزداد على نطاق واسع مع مرور الوقت، وربما تكون قد تجاوزت اليوم الخمسة ملايين إنسان.

 

خمسة ملايين إنسان عربي ومسلم قتلوا على أيدي الولايات المتحدة في ٢٠ عاما، دون أن ينتبه لهم أحد من الدول والمنظمات العربية والإسلامية، والأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية والدولية. ودون أن تأت الولايات المتحدة على ذكرهم، وكأنهم مجرد حجارة ملقاة في صحراء خالية بلا روح أو دماء.

الصدمة والبلادة

خمسة ملايين إنسان عربي ومسلم فقدوا أرواحهم في ٢٠ عاما معظمهم من المدنيين، أي بمعدل ٢٥٠ ألف إنسان سنويا. هذا الرقم الضخم لم يلفت انتباه أحد حتى اليوم، لا من الدول والهيئات والمنظمات العربية والإسلامية، ولا من الأمم المتحدة، ولا مجلس الأمن، ولا من المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان. أما الإدارات الأميركية، فلم تأت على ذكر هذه الملايين من المدنيين الأبرياء الذي فتكت بهم قواتها وما خلفته من كوارث، وكأن شيئا لم يكن، وكأنهم ليسوا بشرا، فلم يدخلوا في حسابات الإدارات المتعاقبة، وكأن هؤلاء الضحايا مجرد حجارة ملقاة في صحراء خالية بلا روح أو دماء.

لم يتقدم أحد من ذوي الاختصاص والمسؤولية بأي شكوى ضد الولايات المتحدة وحلفائها الذين تسببوا بهذه المجازر المتلاحقة على مدى ٢٠ عاما، ولم تصدر أي عبارة تنديد أو إدانة من أي جهة كانت، بل لم تدرج هذه القضية من الأساس ضمن جدول أعمال أي جهة معنية إقليمية أو دولية، ولم يتقدم أحد لمحاسبة المجرمين الكبار على هذه الجرائم، لا في محكمة العدل الدولية ولا محكمة الجنايات الدولية، وبالتالي لم يتقدم أحد لمطالبتهم بالتعويض والاعتذار.

فأي بلادة هذه التي يتعامل بها العالم الغربي الذي يدعي التحضر والمدنية والرقي والتطور، مع البشر والإنسانية؟ وبأي ذريعة يقدمون على قتل هذا العدد الهائل من المدنيين الأبرياء، ويستسيغون القيام بهذه الجرائم، وكأنهم في نزهة سياحية أو ألعاب ترفيهية؟ وتحت أي شريعة أو ميثاق أو قانون يتم التغاضي عن هذه الجرائم، وكأنها لم تكن؟

ودائما كان المبرر الوحيد الذي تسوقه الولايات المتحدة وحلفاؤها، هو الادعاء بأن هذه حرب دولية ضد الإرهاب، وأن الحروب دائما لها ضحاياها من المدنيين والأبرياء الذين يسقطون عن غير عمد أو قصد. وهي المبررات ذاتها التي تسوقها الولايات المتحدة في الدفاع عن جرائمها وجرائم الكيان الصهيوني في قطاع غزة، والتي دفعت بجون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي ليعلن بكل بلادة وكذب، أن عدد الضحايا المدنيين في قطاع غزة هو صفر، وأنه لا يوجد أي مؤشرات على أعمال الإبادة الجماعية هناك. وهذا يعني أن حصيلة هذه الملايين الخمسة التي سقطت في المغامرات الأميركية وتحالفاتها في ست دول عربية وإسلامية على مدى ٢٠ عاما تساوي صفر.

 

إن ما قام به معهد واتسون في تقريره، جهد يستحق كل الإشادة والتقدير والتكريم، من الدول العربية والإسلامية المعنية، ومن جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأفريقي، وغيرها من الهيئات والمنظمات والجامعات والمعاهد والمراكز البحثية ذات الصلة.

الإشادة الواجبة

لم ينتبه أحد من قبل إلى أن عدد ضحايا هذه الحروب القذرة ضد ما يسمى بالإرهاب، يقدر بالملايين، ولولا الجهد الكبير المشكور الذي قام به معهد واتسون في هذا الصدد، لظل حجم الجريمة مجهولا، ولبقيت التقديرات حول ضحايا هذه الحروب لا تتجاوز بضع مئات من الآلاف.

إنه جهد يستحق كل الإشادة والتقدير والتكريم، وعلى وجه الخصوص من كل دولة من الدول العربية والإسلامية المنكوبة التي ارتكبت فيها هذه الجريمة، ومن جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأفريقي، وكذلك من الهيئات والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان وإحلال السلام وإيقاف الحروب والنزاعات، ومن الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية ذات الصلة، من أجل التشجيع على القيام بمثل هذه الدراسات التي تساهم في إضاءة الظلام وكشف الحقائق الكلية التي قد تغيب وراء الانشغال بالجزئيات المفككة في كل دولة على حدة، ما قد يضع حدا في المستقبل للظلم والجرائم التي تقترفها الدول الكبرى والإمبراطوريات المهيمنة تحت ستار سميك من الأكاذيب والمعلومات الخادعة المضللة، من أجل مصالح محددة لا تهم سوى النخبة التي تقود هذه الدول والإمبراطوريات، ولا تفيد شعوبها بشيء. وربما يكون غنيا عن الذكر أن هذه الحروب كلفت خزينة الولايات المتحدة وحدها في هذه الفترة حوالي ثماني تريليونات دولار، أي ثمانية آلاف مليار دولار، من أموال وقوت وحياة ورفاه الشعب الأميركي، الذي تسوقه العصا السياسية والإعلامية بسهولة شديدة لدعم مغامرات قادتها وتأييدهم في القيام بهذه الحروب، تحت دعاوى كاذبة عنوانها حماية مصالح الولايات المتحدة والشعب الأميركي، وتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.