شعار قسم مدونات

طوفان الأقصى والأمة في مذكرات شارون

فلسطينيون يعتلون دبابة إسرائيلية غنموها يوم السابع من أكتوبر خلال الهجوم المباغت للمقاومة (أسوشيتد برس)

إن كان أرسطو يجعل من معرفة النفس بداية الطريق لإدراك الحكمة، فإن معرفة النفس أيضا هي بداية تحقيق النصر، وإن كان المثل السائر يؤكد بأن الفضل ما شهدت به الأعداء، فإن هذه الشهادة تتربع في الصدارة إن كانت توصيفا للشخصية وتعريفا بنفس الآخر.

لا شك أن الدماء الزكية التي قدمها طوفان الأقصى تطرح دائما وأبدى سؤالا وجوديا عن جدوى الطوفان ونتائجه، وهو ما يستدعى مراجعة للنفس أولا، ومتابعة العد ثانيا، وهذا ما دفعنا إلى تصفح مذكرات أرييل شارون الذي استهل حياته في عصابة الهاغاناه وهو ابن 14 سنة، وقام بمجزرة صبرا وشاتيلا 1982 ودنس القدس في 2000، والذي كان له أيضا دور بارز في ثغرة الدفرسوار في حرب 1973.

ومن الحكم المشهورة تلك الحكمة القائلة: "اعرف عدوك" وإن كانت الغاية من قراءة تلك المذكرات هي معرفة العدو بيد أن تلك قادتنا إلى معرفة النفس، ومنها تولدت حكمة مفادها "اعرف نفسك من عدوك"، ولا ريب أن السفاح شارون يعد نموذجا مثاليا لشخصية العدو وطبيعته سواء على مستوى المنطلقات الإيديولوجية أم على مستوى العقلية العسكرية.

الجندي العربي قدم تضحيات وحارب ببسالة بأقل الإمكانيات مقابل ترسانة عسكرية مزودة بأحدث الأسلحة، ولكن هيهات بين قلب يقاتل وقد اتخذ من الإيمان والعقيدة ترسا وحائط صد، وبين جسد يقاتل خلف جدار ومصفحات

ولعل ما خطه في مذكراته يفسر تلك الإبادة الجماعية الممنهجة في غزة وسط ذلك التواطؤ العالمي البين والتخاذل العربي الفاضح، ولعله أيضا يكشف بعضا من أسرار السعي إلى تصفية القضية من خلال التطبيع مع الكيان الصهيوني والتجاوز عن جرائمه.

أول ما يلفت الانتباه تأكيد شارون بأنه أمام جنود أشاوس، فهو يقر ويعترف بذلك لا سيما وقد أثخنته المقاومة بالجراح والهزائم، وعلى رأسها خروجه يجر أذيال الهزيمة من غزة الأبية في 2006، فقد ذكر ما نصه: على رغم نجاح هذه العمليات (يقصد المجازر ضد المدنيين والجرائم ضد الجنود والأسرى) لم أغير رأيي وما زلت أعتقد أن العرب جنود جيدون" (ص: 152).

فالحق أن الجندي العربي قدم تضحيات وحارب ببسالة بأقل الإمكانيات مقابل ترسانة عسكرية مزودة بأحدث الأسلحة، ولكن هيهات بين قلب يقاتل وقد اتخذ من الإيمان والعقيدة ترسا وحائط صد، وبين جسد يقاتل خلف جدار ومصفحات، ومن ثم فإن شجاعة الجندي العربي وبسالته هي أول ما ينبغي أن ندركه عن أنفسنا ونفخر به، ولا بد أن يترسخ في أذهاننا ووجدان الأجيال القادمة، وإن كان ثمة انتكاسات وهزائم فهي نتيجة سوء التخطيط ومكر السياسة، وهو ما رأيناه اليوم في طوفان الأقصى وما شاهدنا سلفا في حروب ومعارك سابقة في عدة جبهات ومن عدة جنسيات عربية.

تلك الشجاعة وما اكتنفها من ثبات وصمود هو ما دفع شارون أن يغير قناعته من هدف العمليات التي يخوضها ضد العرب والفلسطينيين من أنها للانتقام والردع إلى "إيجاد نفسية انهزامية عند العرب"، وهنا يشخص حقا ذلك الوهن الذي تعيشه الأمة وتلك الإستراتيجية التي اتبعها العدو وأذنابه في بث الانهزامية في نفوس الشعوب والأجيال الناشئة، مما أصابها بحالة من اليأس المؤدي إلى الخنوع والأنانية، وهو ما يفسر كيف أن الإعلام الغربي والإعلام الذي يدور في فلكه في الوطن العربي يروج للقدرات الخارقة للكيان الصهيوني وتطوره عسكريا واقتصاديا واجتماعيا وتعليميا…إلخ، في حين أنه في الواقع يعاني من مشاكل جذرية وتفكك ينذر بانهياره، وقد كشف الطوفان عن وضع هشاشته وإشكالياته الوجودية.

وعود على بدء، فإن المذكرات تشير إلى نقطة مهمة تفسر سبب الإبادة الجماعية التي يقوم بها العدو حاليا على غزة وشنه المجازر الواحدة تلو الأخرى، وقصفه المستمر بلا هوادة للمدنيين، فإنه يقول صراحة بأنه "يجب أن يكون الهدف إيجاد نفسية انهزامية عند العرب بضربهم بلا هوادة وبحيث يصل بهم الأمر إلى التخلي عن إرادتهم لقهرنا ذات يوم" (ص 152).

توازن القوى لا يسمح لأمتين عدوتين بالتعايش "وأن الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها الكيان هي إقناع العرب بعدم جدوى الحرب التي لا تجلب لهم سوى الدمار والخراب والمذلة"

فإن الوسيلة الناجعة كما يرى شارون هي الضرب بلا هوادة بغرض كسر إرادة الشعب الفلسطيني، والتخلي نهائيا عن الرغبة في هزيمة الكيان الصهيوني، ويستطرد شارحا ذلك فيؤكد بأنه ينبغي تكبيد الفلسطينيين والعرب خسائر فادحة عمدا (وانتبه إلى كلمة عمدا) فإن قصف المستشفيات والمدنيين هو أمر مقصود في ذاته وذلك بغرض "تحطيم إرادة العرب في خوض الحرب ضدنا وملاشاة رغبتهم في القتال" على حد قوله.

وينتهي إلى نتيجة مفادها أن توازن القوى لا يسمح لأمتين عدوتين بالتعايش "وأن الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها الكيان هي إقناع العرب بعدم جدوى الحرب التي لا تجلب لهم سوى الدمار والخراب والمذلة"، وهذا هو عين ما يردد الإعلام المتصهين وأبواقه، فبعدما فضح الطوفان هشاشة الجيش الصهيوني وخوار جنوده خرج من يُقيِّم الحرب بالمنطق الرياضي فيقارن بين أعداد الشهداء وقتلى العدو وبين الخسائر المادية، متناسيا ومتجاهلا أن الغرض الأساسي والأسمى للطوفان هو كسر أنف العدو وصد جموحه وإنهاء غطرسته ثم تأكيد الإرادة والعزيمة في أن تحرير فلسطين قادم من البحر إلى النهر، وأن التدمير الذي يقوم به العدو لن يزيد أهل الرباط والأمة إلا عزيمة وإصرارا، فإن مرآة الطوفان برهنت على نفاسة المقاومة وخساسة العدو وأكدت ما طفحت به مذكرات السفاح من مخططات باتت تسوق جهرة وعلانية.

وأخيرا فإن الأمة لن تنتصر إلا إذا تغلبت عن الهزيمة النفسية وعرفت نفسها حق المعرفة، وأيقنت بقدراتها وإمكانياتها أمام ذلك العدو المتغطرس الذي لا يملك إلا الأبواق الإعلامية والبطولات الدعائية ودعم المتخاذلين والمتواطئين، فإن يقظة الأمة ووضعها العدو في حجمه الحقيقي لكافٍ لتحرير الأقصى والقدس وفلسطين، بل والأمة من ربقة الظلم والطغيان.

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.