شعار قسم مدونات

النهب في غزة: ماراثون فقط أم ميراث؟

الجيش الإسرائيلي يغوص في مستنقع حرب غزة - تصوير المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للاستعمال الحر لوسائل الإعلام)
الجيش الإسرائيلي في حرب غزة (الصحافة الإسرائيلية)

غزيون على وسائل التواصل الاجتماعي يوثقون سرقات ممتلكاتهم على مدار الساعة، وجنود إسرائيليون يوثقون استيلاءهم على ممتلكات لإهداءها لذويهم وصديقاتهم بعد العودة من غزة، ومتطوعون لإيصال المساعدات اللوجستية للجنود في غلاف غزة يمثلون أمام القضاء الإسرائيلي بتهمة سرقة سيارات تعود ملكيتها لمستوطنين تم إخلاءهم من كيبوتسات الغلاف بعد السابع من أكتوبر، ومحاولة نقلها لأراضي الضفة الغربية، والشرطة الإسرائيلية ترفض "بحجة كونها منطقة عسكرية مغلقة" فتح تحقيق في سرقات تشمل حواسيب ومعدات كهربائية وأسرّة، يتهم فيها مستوطنو الغلاف جنودا إسرائيليين، فهل يميط تزايد التقارير عن السرقات ذات الطابع الفردي في صفوف جنود الاحتلال المنخرطين في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة اللثام عن ظاهرة جديدة؟

قننت إسرائيل واستعانت منذ قيامها بالاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية كأداة مركزية لإحكام السيطرة وتوسيع الاستيطان والدفع بأكبر كتلة من سكان البلاد لمغادرتها

غزة: استباحة المباح

نشر مدير هيئة الآثار الإسرائيلية قبل أيام، قصة على موقع إنستغرام تظهر مرافقة جنود إسرائيليين لخبير آثار في موقع تم الاستيلاء عليه في غزة، شاكرا إياهم على ما وصفه بالعمل الجيد رغم مخالفته القوانين الدولية التي تحظر بوضوح كافة أشكال الاستهداف للمواقع الثقافية والدينية، وفي الأسبوع ذاته انتشر مقطع لجنود يوثقون محاولة رفيقهم فتح خزنة في إحدى المنازل التي نزح منها أهلها للاستيلاء على ما فيها وسط نوبة من القهقهة، ومقاطع لا نهائية لجنود يقيمون الولائم في مطابخ الناس ويسرقون الحلي ويتلفون الأثاث، واللافت للانتباه هو أن جيش الاحتلال لم يقر بعد إلا بمصادرة 20 مليون شيكل بحجة أنها لدعم الإرهاب، في حين يؤكد المرصد الأورومتوسطي بناء على إفادات الناس أن قيمة المسروقات المادية تتجاوز عشرات ملايين الدولارات، هذا بالإضافة للمسروقات الأكثر وحشية وفداحة والتي شملت وفق تقرير آخر نشره، سرقة الأعضاء البشرية من جثامين الشهداء في ظاهرة ليست جديدة بل جرى توثيقها بالصور بعد الانتفاضة الثانية، هذا غيض من فيض أو لمحة من كل، تكفي لاستنتاج أن حالات النهب التي وصفت بالفردية ليست فردية بالفعل، ولا وليدة انفعالات لدى هذا الجندي أو ذاك جراء أحداث السابع من أكتوبر الاستثنائية، بل هي ممنهجة وممأسسة، يرتكب المتورط بها تعدياته ضمن سياق شامل تُعينه فيه كل أذرع الدولة بل وتتفوّق عليه أحيانا.

المؤسسة والفرد: إباحة الاستباحة

قننت إسرائيل واستعانت منذ قيامها بالاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية كأداة مركزية لإحكام السيطرة وتوسيع الاستيطان والدفع بأكبر كتلة من سكان البلاد لمغادرتها، حيث استولى الصندوق القومي اليهودي أو رأس المال الدائم للأمة الإسرائيلية على أملاك وأراضي الفلسطينيين الذين هجروا جراء مذابح النكبة، لتنقل ملكيتها في الستينات لدائرة أراضي إسرائيل الحكومية وتفرزها بدورها على المشاريع التي تستقطب مستوطنين جدد أو توسع مستوطنات قائمة، أو حتى لإقامة منتزهات فارغة لا لشيء سوى لتجريف شواهد القرى الفلسطينية المهجرة في الجليل مثالا والحيلولة دون أن يطالب مالكوها الأصليون بها، ولضمان استمرارية العملية حتى في ظل "السلم" أو الهدوء النسبي فعّلت للحد أقصى قوانين مثل قانون أملاك الغائبين الذي لا زال مستخدما في قضم منازل المقدسيين حتى بعد مرور كل هذه السنوات على سقوط المدينة، وذلك عبر جعل تعريف "الغائب" فضفاضا للحد الذي يشمل من يسافر عن بيته بضعة أيام في رحلة عادية، ناهيك عن إعطاء المحاكم صبغة شرعية لوثائق مزيفة تقدمها جمعيات الاستيطان المدعومة حكوميا كما في حالة حي الشيخ جراح والأحياء السكنية التي تسكنها الأقلية الفلسطينية الباقية داخل الخط الأخضر في يافا، رغم وجود وثائق أصلية تدحضها سواء تلك المتوفرة بأيادي الأهالي أو التي زودتهم بها المملكة الأردنية أو حتى السلطات التركية من الأرشيف العثماني.

خمس وسبعون عاما من اجتراح آليات السرقة وشرعنة الاستيلاء والهيمنة رسخت فيهم إسرائيل لدى كل من يعيش في أرض فلسطين التاريخية، فلسطينيين ومستوطنين، أن السرقة في منظومتها القيمية ليست جريمة في المطلق، بل هي جريمة إلى حد ما، أو بتعبير أصح في بعض السياقات التي لا داعي له،; الدولة تشرع الاستيلاء والمصادرة وتقضي بهما وتنفذ قضاءها وما من مكان للشكوى منها إلا لها.

أقدم متطوعان كان دورهما نقل الدعم اللوجستي للجنود في الغلاف على سرقة سيارات ومحاولة تهريبها للضفة الغربية، أي إلى حيث يمكن الإفلات من الشرطة وتفكيك هذه السيارات وبيعها قطعا

من الأطراف إلى المركز: نيران صديقة

تسربت منذ السابع من أكتوبر محادثات بين المراسلين والعاملين في غرف الأخبار في مختلف القنوات الإسرائيلية، وظهرت فيها جدالات حادة تشي بأن هناك توجه واضح بالكذب على الجمهور وتضليله بشأن مجريات الأحداث في ظل وصول التقييد الأمني على نشر المعلومات في إسرائيل إلى أقصى مراحله عملا بقانون الطوارئ، لكن على الرغم من ذلك وفي إفلات محدود، انتشرت تقارير عن عمليات نهب عديدة تورط فيها جنود إسرائيليون في مستوطنات غلاف غزة التي تحولت لمنطقة عسكرية مغلقة وأفرغت من السكان، أحد هذه التقارير نشر في "ذي ماركر"، الملحق الاقتصادي لصحيفة هآرتس المتعاطفة مع عائلات الأسرى المحتجزين لدى حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ونقل عن بعض مستوطني الغلاف أنهم حين أخلاهم الجيش الإسرائيلي من تلك المنطقة كانوا قد أصلحوا كل الأبواب التي اخترقها المقاتلون الفلسطينيون، لكنهم عندما تمكنوا من دخول الكيبوتسات مجددا لتفقد منازلهم بعد شهر من اندلاع الحرب، فوجؤوا برؤية الأبواب مخلوعة مجددا ليتبين أن المنازل قد نهبت وسرقت منها معدات تكنولوجية وأثاث ومقتنيات ثمينة، وأن الشرطة رفضت التحقيق في الأمر بحجة أن كل ما يحدث في المناطق العسكرية المغلقة هو من صلاحيات الجيش الذي وعد بدوره بفتح تحقيق في الأمر.

وفي ملف آخر حققت فيه الشرطة بالفعل وقدمت للنيابة لائحة اتهام، أقدم متطوعان كان دورهما نقل الدعم اللوجستي للجنود في الغلاف على سرقة سيارات ومحاولة تهريبها للضفة الغربية، أي إلى حيث يمكن الإفلات من الشرطة وتفكيك هذه السيارات وبيعها قطعا، أما في تل أبيب، فقرر جندي احتياط عائد من المعارك في غزة إطلاق النار على صديقه وإردائه قتيلا جراء شجار دار بينهما، أشعلت الحادثة ومن بعدها مشاهد لأم القتيل تصرخ في المحكمة مطالبة القاضي بحكم الإعدام (غير الموجود أصلا) جدلا شعبيا حادا حول وحشية الحرب الدائرة في غزة والأمراض النفسية والعقلية التي من المتوقع أن يعود بها الجنود من هناك، بل بات واضحا حتى بالاستماع إلى هتافات المستوطنين المطالبين بوقف الحرب، أن الخيالات المتعلقة بإمكانية ممارسة الوحشية والهمجية في غزة ثم دفنها هناك وإكمال الحياة من حيث توقفت في السابع من أكتوبر بدأت تتبدد، لصالح فهم أن آثار السادية المكتسبة والاضطرابات الذهانية تصبغ شخصية الفرد ككل، وتذهب به كما رأينا سواء في حوادث القتل أو السرقة إلى حيث لا يفرّق بين جهتي الجدار.

ميراث السرقة

توثق الأراشيف الإسرائيلية، أو ما أفرج عنه منها للاطلاع العام على الأقل، حوادث نهب لا تعد ولا تحصى جرت في النكبة التي لم يعثر على وصف أدق لها من "أكبر عملية سطو مسلح في وضح نهار القرن العشرين"، وصنفت هذه السرقات إلى سرقات قرى، وسرقات مساجد، وكنائس، ومكاتب وإلى آخره كما أرخ لها الكاتب الإسرائيلي آدم راز في كتابه "نهب الممتلكات العربية في حرب 1948" الذي أقتبس منه رسالة إحدى عناصر الكتيبة الثالثة في عصابة "البلماح" في صفد، التي خاطبت بكل وضاعة والديها قائلة "أحضرت بعض الأغراض الجميلة من صفد، فوجدت لي ولسارة فستانين عربيين مطرزين بشكل فائق الجمال، ربما سوف يلائمان لنا. كما أحضرت ملاعق ومناديل وأساور وخرزا وطاولة دمشقية، وطقم فناجين قهوة رائعا مصنوعا من الفضة، وفوق هذا كله فقد أحضرت بالأمس سجادة فارسية كبيرة جدا وجميلة وجديدة تماما. لم أرَ مثل هذا الرونق من قبل، مثل هذا الصالون بإمكانه التنافس مع أفضل صالونات أغنياء تل أبيب. على فكرة، هذه الورقة هي أيضا تعود للعرب".

أما المؤسسات المنبثقة من صلب هذه العصابات على شكل دولة، فهي لم تترفع عن سرقات الأفراد "المحدودة" اكتفاء بغنيمة الأرض ومواردها، بل زاحمتهم على نفس النوع من السرقات أيضا، تعج المتاحف والمعارض الإسرائيلية حكومية وغير حكومية بمسروقات كهذه تحت مسمى المتروكات، ولا شيء يدعو للاستهجان في أن يتبع كيان استعمار استيطاني سياسة كهذه سيما أن سرديته التاريخية تحمل في مضمونها مسوغات كـ"الاستعادة" و"التحرير"، أعود على ذكر هذا والتذكير به بينما تجوب السرقات الحاصلة في غزة العالم كله بالصوت والصورة، والتي وصلت حتى لسرقة طفلة صغيرة وإحضارها من غزة ثم التحدث عن ذلك بكل أريحية على الإذاعة، لأقول أن هذا الارتياح غير الواع يؤكد على ما لا يمكن أن يغطى بغربال، وهو أن السرقة والإفلات من العقاب عليها في القواعد الشعبية التي يقف عليها هذا المشروع هو ميراث عريق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.