شعار قسم مدونات

الإصلاح الأسري في سورة الطلاق (6)

كل هذه التوجيها القرآنية الدقيقة جاءت لكي تحفظ للبيت هيبته حتى ولو في الترك (بيكسلز)
  • (ومن يتق الله يجعل له مخرجا)

من ضيق الأحكام الربانية في الطلاق وتفصيلاته إلى سعة المآلات في الحياة الدنيوية والأخروية، فأنت حرصت على الطلاق من غير ضرر يقع عليها فكان الرفق بك مخرجا من ضيق نفسك بها.

لا يرد عما يريد، ولا يحجب عما يرغب ولا يحاسب عما يفعل، وأمر الله يصلحك لزوجك، ويعينك على برها.

  • (ويرزقه من حيث لا يحتسب)

مدد في الدنيا من هدوء وسكن وسكينة يجيء، وهو يعلم أن أجمل العطايا ما جاءت بلا ميعاد،
مددت لها بيتك وهو بيتها لكي تقيم فيه في عدتها فجاءك انكشاف تعجلك في تطليقها، فأقر الله لك بها عينك.

  • (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)

يتكىء على الحق والذي بيده الملك فهو كافيه ومواليه ومحاميه، فأخذت بأسباب من يقيم الشهادة رغبة في الحق ولو على نفسك، فكان الله كافيك هم الرزق والعيال.

  • (إن الله بالغ أمره)

لا يرد عما يريد، ولا يحجب عما يرغب ولا يحاسب عما يفعل، وأمر الله يصلحك لزوجك، ويعينك على برها.

كل هذه التوجيها القرآنية الدقيقة جاءت لكي تحفظ للبيت هيبته حتى ولو في الترك، أو الرجوع، بعد هذا كله كانت المكافأة على قدر المهمة الموكلة، وكانت المجازاة على مقدار استحضار الرب في تفاصيلها المخفية عن عيون الناس

  • (قد جعل الله لكل شيء قدرا)

موازينه توصلك إلى مبتغاك، وموازينك تحملك على قصر نظرك، وقدره في هذه الأيام أن ييسر لك طرائق الحب والود والرحمة لتحقيق السكن بها ولها وعليها وفيها وقد كان.

إنها خمس بوابات مفتوحة على مصراعيها، خمس حدائق غناء ترحب بك عندما تزلف إليها، خمس علامات للفرج تتسابق نحوك عندما تلوح لها، بعد اثني عشر توجيها ربانيا في بناء طلاق صحي يبني ولا يهدم، يرقى بالكرامة الإنسانية ولا يمسها بسوء، يرتب البيت بانتظام، يصنع من المحن منح، وينقل التحديات إلى فرص، فعندما تعلن كل الظروف أن النهاية قد أزفت يفتح لك القرآن بداية جديدة، ومن خلال الضيق في تفاصيل الطلاق والانتظار للعدة وتتبعها كما ونوعا، وأن تخرج من بيته وهو بيتها، ولا تخرج هي إلا في ظرف استثنائي يتجاوز الحدود والأعراف، والالتزام بحدود الله ولو كانت بشق الأنفس، والشهداء العدول ومن ذوي القسط، وترجع أو تمسك بمعروف فيه التقوى وعين الله الحاضرة.

إن كل هذه التوجيها القرآنية الدقيقة جاءت لكي تحفظ للبيت هيبته حتى ولو في الترك، أو الرجوع، بعد هذا كله كانت المكافأة على قدر المهمة الموكلة، وكانت المجازاة على مقدار استحضار الرب في تفاصيلها المخفية عن عيون الناس، ولكنها المكشوفة لعين الله، فكانت التعبيرات القرآنية الخمس في غاية الدقة، والعجب كل العجب أن يكون هذا التكثيف القرآني لمن التزم التقوى والتوكل خلال هذه المسيرة المضنية له ولبيته ولأولاده ولزوجه، وهنا ينسرب القرآن إلى أخص خصائص النفس الإنسانية لكي يهمس فيها أن الأمر ليس محض تعذيب لها ولا محض ترغيب بها، ولكن الأمر منوط بمستقبل البيت، وفي تقلبات لروح، وفي مزاج يحتاج معه الإنسان إلى ضبط البوصلة من غير عجلة ولا تردد ولا جرأة تودي بصاحبها إلى ندم لا مناص بعده، فكان ضابط التقوى هو مراقبة لله، وكان ضابط التوكل الأخذ بالأسباب في التأني عند النطق بالطلقة الثانية بعد الأولى، ومراجعة الذات بعد الطلقة الأولى وعدم ترك النفس أن تقود صاحبها في ترك زوجته تخرج من بيتها، وأن يمسك زمام الشهادة أن لا يحيف أحدهم لأي جانب، بل وأن يجعل كل قوله وفعله في ظل مصلحة البيت، أي في ظل مراقبة الله فلا يشطط في الإسراع من أجل تعذيبها، ولا يترك الأمر من غير حزم في القرار ولطف في الطلب ومراجعة للذات، وهنا جاءت تلك الخماسية معلنة ولادة في ولادة للطف يد الله، فهناك الهبة بالمخرج من الضيق، ثم الهبات التي أجملها ما جاءت من مكان لا يرجى، ويد الله تعين، وحضوره يبصر حاجتها وهو وكيل لكل ما يجري من ظلم أو عدل، والله كفيل بأن يفي بوعوده لمن استوفى الشروط، والله يتعامل مع الوقاع من خلال ميزان محدد ومقدار لا يختل.

هذه خماسية تضبط للزوجين حركة الطلاق، وتعينهما على أن يكونا على مقدار ثقة الميثاق الغليظ الذي بدءا به وهما يعبران طرق الانفصال أو الرجعة، فهما يحتاجان لمن يضع لهما خطط المستقبل والواقع فها هو الله ذاته يقول لهما: اتبعاني في تفاصيل تحملكم على العدل الذي هو ميزان المودة والرفق، ويبقى جماع كل هذه التراتبية القرآنية البديعة تضيء عندما ننظر إليها من خلال الحكمة السادسة والعشرون من حكم أبي عطاء الله الإسكندري عندما كتب عنوانا بديعا لهذه الخماسية: من علامات النجاح في النهايات، الرجوع إلى الله في البدايات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.