شعار قسم مدونات

تجربة الحركة الفلسطينية الأسيرة في السجون الإسرائيلية!

من أدب السجون / رواية عاشق من جنين
رواية عاشق من جنين للروائي الفلسطيني رأفت حمدونة (الجزيرة)

عندما يطلق أدباء الأمة خيالهم، فإنهم يمكن أن يكتشفوا مصادر قوة جديدة للأمة، ليقودوا ثورة عقول تنتج الكثير من الأفكار الجديدة، التي تسهم في زيادة قدرة الشعوب على توظيف تجاربها التاريخية في بناء المستقبل. تلك نظرية جديدة عملت على تطويرها، لتشكل أساسا لمرحلة جديدة من الكفاح ضد الاستعمار والاستبداد، ولتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني.

حاولت أن أبحث عن أدلة تثبت صحة النظرية عن طريق دراسة الكثير من النماذج الأدبية التي قدمها الأدباء والشعراء، والتي تلهم الشعوب، وتفتح مجالات جديدة للتعبير عن مشاعر المقاتلين من أجل الحرية، وأنسنة الكفاح الممتد ضد الظلم والطغيان.

ولذلك تطلعت إلى تجربة الحركة الفلسطينية الأسيرة في السجون الإسرائيلية، فهناك الكثير من الأبطال الذين قدموا للإنسانية تجارب واقعية للبطولة والتضحيات والصمود والإصرار، يمكن أن تضيء للأحرار طريق الكفاح الممتد عبر التاريخ.

وجد خليل في السجن مدارس وجامعات، فالأمي سرعان ما يتعلم القراءة والكتابة، ويتحول إلى مثقف يحب المطالعة، والمتعلم يتوسع في دراسته، فيدرس اللغات ويحفظ القرآن

تجربة: عاشق من جنين

من أهم تلك التجارب التي اكتشفتها في رحلة البحث عن أدلة تثبت صحة نظريتي روايات الأديب الفلسطيني رأفت حمدونة، وسأقدم لكم نموذجا مهما هو روايته "عاشق من جنين" التي كتبها في سجن نفحة الإسرائيلي.

هذه الرواية توضح أن هذا العالم الأديب يسير في الاتجاه نفسه، وأنه يمكن أن يكون قد فكر في تحويل التراث الإنساني الحضاري للحركة الفلسطينية الأسيرة إلى مصدر لقوة الأمة الإسلامية.

يقدم رأفت حمدونة نموذجا إنسانيا من خلال قصة خليل الحفيد في السجون الإسرائيلية، الذي تعرض للسجن بعد قيامه بعملية فدائية، وتعرض لأنواع مختلفة من التعذيب لمدة خمسة أشهر، فلم ينكسر ولم تضعف عزيمته، ليتم الحكم عليه من محكمة عسكرية ظالمة هو وصديقه محمود بالسجن لمدة 7 سنوات.

مجتمع ديموقراطي في السجن

خاض خليل الحفيد تجربة الإضراب مع الأسرى في السجون، وأعجب بتراث الحركة الوطنية الأسيرة، والتي تعبر عن مجتمع ديموقراطي مسؤول، فكانت وحدة من خلال التعدد، من خلال انتخابات نزيهة، أدت لإفراز قيادة كل تنظيم، ثم انتقاء مناضل ذي خبرة اعتقالية وقدرة قيادية، ليمثل فصيله في اللجنة الوطنية العامة التي تعمل على بناء الأسير، وتحافظ على كرامته، وتكسبه الثقافة والتجربة، وتضع القوانين واللوائح الاعتقالية الداخلية.

التعليم في السجون

وجد خليل في السجن مدارس وجامعات، فالأمي سرعان ما يتعلم القراءة والكتابة، ويتحول إلى مثقف يحب المطالعة، والمتعلم يتوسع في دراسته، فيدرس اللغات ويحفظ القرآن، ويطالع في شتى العلوم والأبحاث، ويتخصص في مجالات يميل إليها، ويشارك في الجلسات التنظيمية والحركية والفكرية والتاريخية، والاهتمامات الأدبية والثقافية داخل الغرف وساحة السجن، ويشهد الكثير من الحوارات والنقاشات والتحليل السياسي، والاهتمام بالقضايا الفلسطينية، والهموم العربية والإسلامية والتطورات الدولية.

وتشرف خليل بالانتساب لهذه الشريحة المخلصة والشريفة من أبناء شعبه، والتي تضم رجالا ضحوا بأعمارهم وشبابهم لنصرة دينهم وقضيتهم، وتحقيق الكرامة والاستقلال، فيتحملون الألم، ويتطلعون بالأمل للمستقبل، ويفخرون بتضحياتهم، ويتطلعون بثقة لتحقيق أهدافهم.

يضيف رأفت حمدونة على لسان بطله خليل: إن هؤلاء الرجال اجتمعوا على محبة الله والوطن، واستعلوا على الصغائر والماديات والمصالح التي شغلت الكثيرين، وتواصوا بكلمة الحق، وتعاهدوا على مسيرة النضال والمقاومة.

تتضح طبيعة المعركة حول الأسرى، فبنيامين نتنياهو يعلم جيدا أن السجون الإسرائيلية تضم الكثير من العقول القادرة على التخطيط الإستراتيجي لمعركة تحرير فلسطين، وأنهم أعدوا أنفسهم بالعلم والثقافة، وأطلقوا في السجن خيالهم، وأهلوا أنفسهم ليصبحوا قادة يلهمون شعبهم بتضحياتهم

واجب الأمة وتحرير الأسرى

يصور رأفت حمدونة حياة الأسرى فيقول خليل: إن كل واحد من هؤلاء الأسرى يحمل هما بحجم الجبال، ومع ذلك يستعلي على الشكوى، ويتحمل ما لا يتحمله الآخرون، فالكثير منهم حكمت عليهم المحاكم العسكرية الظالمة بالسجن مدى الحياة، وقضوا أكثر من عشرين سنة في السجون.

والكثير من هؤلاء الرجال شعروا بالاحباط وخيبة الأمل من القوى الوطنية العاملة، التي تجاهلت واجبها الأخلاقي والإنساني بالعمل لتحريرهم، واللقاء بأحبابهم وتعويضهم عن سنين اعتقالهم، فتعاملت معهم كقطعة أثرية تاريخية نادرة وجميلة وغالية الثمن في متحف يؤمه الزائرون، وجعلت منهم رصيدا للتباهي والتفاخر، حيث مرت على الكثير منهم أكثر من عملية لتبادل الأسرى، وافراجات عملية السلام بعد اتفاقية أوسلو بسبب أحكامهم العالية وبسبب انتمائهم. فمنهم من أصبح جدا وكثيرون منهم فقدوا آباءهم وأمهاتهم وأحبتهم وهدم جيش الاحتلال الاسرائيلي بيوتهم.

لماذا يرفض الاحتلال إطلاق سراح الأسرى

إن ذلك يمكن أن يفسر لنا ما يحدث الآن، فحماس تقوم بواجبها الوطني والأخلاقي في الإصرار على تحرير الأسرى، والتمسك بمبدأ الكل مقابل الكل، في الوقت الذي يرفض فيه بنيامين نتنياهو ، حتى لو أدي ذلك إلى قتل كل الأسري الاسرائليين برصاص وصواريخ الجيش الاسرائيلي، طبقا لبروتوكول هانيبال، حتى لا يكون المقابل خروج الأسرى الفلسطينيين الذين يمكن أن يكون من بينهم سنوار جديد كما يقول نتنياهو.

هكذا تتضح طبيعة المعركة حول الأسرى، فبنيامين نتنياهو يعلم جيدا أن السجون الإسرائيلية تضم الكثير من العقول القادرة على التخطيط الإستراتيجي لمعركة تحرير فلسطين، وأنهم أعدوا أنفسهم بالعلم والثقافة، وأطلقوا في السجن خيالهم، وأهلوا أنفسهم ليصبحوا قادة يلهمون شعبهم بتضحياتهم، وأنهم يستطيعون توحيد الحركة الوطنية الفلسطينية طبقا لنموذجهم الديموقراطي الذي أبدعوه في السجون، والذي يمكنهم من إدارة الخلافات داخل المشروع الحضاري لتحرير فلسطين، وأنهم اكتسبوا الخبرات الكافية لقيادة شعبهم في صراع طويل المدى، فالأسير الذي قضى عشرات السنوات في السجن، يمكن أن يقدم نوعية جديدة من التضحيات، ويقدم المثال للكفاح والإصرار والثبات والتمسك بالمبادئ، لذلك تخشى دولة الاحتلال من قيادة هؤلاء الأسرى لمرحلة جديدة من الكفاح.

تمنى خليل الجد الخروج مع المجاهدين، لكن أمله تبدد بعد أن حاصر الإنجليز الشيخ القسام، واستشهد مع اخوانه في معركة استمرت من الصباح حتى العصر

من الجد إلى الحفيد

يستخدم رفعت حمدونة الرموز للتأكيد على استمرارية كفاح الشعب الفلسطيني، فالجد خليل ولد في عام احتلال بريطانيا للقدس، فأثر ذلك في نفسه، لذلك تطلع عندما أصبح شابا للقيام بدور في مقاومة الاحتلال، وتأثر بالشيخ عز الدين القسام الذي كان يخطب في مسجد الاستقلال القريب من منزله، وداوم على دروس الشيخ بعد صلاة العصر في مسجده الذي كان يعج بالمصلين في حيفا.

تربي خليل الجد علي خطب الشيخ المجاهد الذي طالب الناس بالجهاد، ورأي فيه فريضة كالصوم والصلاة، وطالب الناس بشراء السلاح والتدرب عليه.

انبهر خليل عندما رأى الشيخ المجاهد في إحدى خطبه يرفع سلاحه أمام المصلين قائلا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقتن مثل هذا، فالإنجليز يحرمون عليكم امتلاك السلاح، ويعدون اليهود بوطن على أرضنا، ويمدونهم بالسلاح، وهاهم يلاحقوننا في استقرارنا وأراضينا ومستقبلنا.

تمنى خليل الجد الخروج مع المجاهدين، لكن أمله تبدد بعد أن حاصر الإنجليز الشيخ القسام، واستشهد مع اخوانه في معركة استمرت من الصباح حتى العصر، وشارك خليل في تشييع جثمان الشيخ، لينطلق بعدها للمشاركة في انتفاضة شعبه التي استمرت ثلاث سنوات من 1936 حتى 1939.

الحب في ميدان الجهاد

قرر خليل أن يقوم بعملية فدائية باستخدام السكين، وتمكن من طعن جندي بريطاني ثلاث طعنات، وخطف بندقيته، وتمكن من الهرب، بعد اصابته برصاصة، فاضطر للجوء لبيت فلسطيني، فتحت له بابه فتاة، وشاركت مع أسرتها في اخفائه وعلاج جرحه. فبدأت قصة حب تكللت بالزواج، وأنجب منها ولدين وبنتين.

عاش خليل الجد النكبة، وشهد المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، واستولى اليهود على أرضه وبيته، وتم ترحيله إلى مخيم جنين، كما فقد ابنه عبد الله الذي مات على صدره وبين ذراعيه، وعاش في خيمة بدلا من بيته الواسع الذي سكن فيه مستوطن يهودي. لكنه ظل يحتفظ بالبندقية التي استطاع أن يغنمها من الجندي البريطاني.

تعلق خليل الحفيد وصديقه محمود بقصص الجد التي أسهمت في تكوينه الثقافي، وعندما أصبح شابا قرر أن ينضم للمقاومة، فأعطاه الجد البندقية التي يري فيها رمز بطولته

البندقية والمصحف

تجلى دور خليل الجد في تربية حفيده خليل واعداده للجهاد، وزرع في قلبه حب الوطن والحنين للعودة، وروى له المآسي التي تعرض لها شعب فلسطين. كانت الحياة قاسية وصعبة، لكنه رغم كل الهزائم التي شهدتها الأمة لم يفقد الأمل.

وتعلق خليل الحفيد وصديقه محمود بقصص الجد التي أسهمت في تكوينه الثقافي، وعندما أصبح شابا قرر أن ينضم للمقاومة، فأعطاه الجد البندقية التي يري فيها رمز بطولته، لكنه قال له قبل أن يخرج: إن هذه البندقية لا تكفي، وتبقي ناقصة إن لم يكملها المصحف. وقدم له القرآن الذي يوضح مبادئ الجهاد ومستقبل الأمة.

قصص حب الأبطال

خطب خليل الحفيد ليلى التي أحبها لدرجة العشق، وبعد أن تم اعتقاله، والحكم عليه بالسجن عرض عليها الانفصال، لكنها أصرت على الاستمرار، فطلب من أهله توفير كل احتياجاتها، لكن ليلى عملت سكرتيرة لمدير إحدى المؤسسات، ودفعها ذلك لتغيير اتجاهها، فتخلت عنه، وطلبت الانفصال، فتعامل معها بكرم يليق بالأبطال، وترك لها كل حقوقه، رغم حزنه، وإصرار أهله على استعادة المهر والشبكة، لكنه قال: ما قيمة هذه الأمور أمام خسارتي الكبيرة.

لكن الله أكرمه بزوجة هي أخت صديقه محمود الذي شاركه السجن والكفاح والمقاومة، وتجلت بطولتهما في الدفاع عن مخيم جنين، عندما حاصره جيش الاحتلال الإسرائيلي، فكانت المعركة التي استشهد فيها صديقه محمود بعد أن عاهده على اللقاء على حوض رسول الله، بينما انطلق خليل في مرحلة جديدة من الكفاح بعد أن رأى جده يعلم أطفاله، ويرسم لهم خارطة الوطن قائلا: هذه حيفا، وهذا مفتاح بيتنا فيها، وهذه الأوراق تثبت ملكيتنا لعشرات الدونمات من حقولها وبساتينها، وهي لن تعود إلا بالقرآن والرصاصة.

تحرك خليل نحو الباب قائلا: لا زلنا في بداية الطريق يا جدي، فلا زالت القدس محتلة. فأكمل خليل الجد، وأيضا عسقلان ويافا وحيفا، فهذه حتمية قرآنية، وإن لم نكن من جنودها، فإن أبناءك سيواصلون الجهاد. ابتسم خليل في وجه جده قائلا، لن ننسي وصاياك يا جدي.. ثم امتشق سلاحه وذهب.

بهذه الرموز نسج رأفت حمدونة قصة "عاشق من جنين“، وبها يعيش أبطال المقاومة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.