شعار قسم مدونات

فلسفة الطوفان!

أسر جنود إسرائيليين في بداية انطلاق عملية طوفان الأقصى في السابع من الشهر الماضي (مواقع التواصل الاجتماعي)
أسر جنود إسرائيليين في بداية انطلاق عملية طوفان الأقصى (مواقع التواصل الاجتماعي)

لم تكن تلك اللحظة التي انفجر فيها طوفان الأقصى مجرد لحظة طائشة أو فرصة نادرة استغلتها المقاومة عند اكتشافها ثغرة أمنية في صفوف العدو، بل كان نتيجة طبيعية لاستمرار السياسة الصهيونية بحق الأقصى والمقدسات اعتداء واقتحاما، وبحق الفلسطينيين تضييقا وتنكيلا، وبحق الغزيين حصارا وتجويعا. وكان الطوفان كذلك ثمرة متوقعة لإعداد طويل من جانب أهل غزة بكل شرائحهم، ونتيجة متوقعة لاستعداد واع للمواجهة الحتمية القادمة. من هذه الزاوية تجب مقاربة المشهد وفهم المعركة الجارية.

إن فلسفة الطوفان قائمة على أن جملة الجهود والمشاريع والمبادرات الفردية والجماعية المختلفة التي تعمل في اتجاه واحد لتحقيق هدف محدد، تولد في لحظة ما حدثا انفجاريا خارج المألوف. وبالتالي فالطوفان حالة فيزيائية تعبر عن لحظة التحام الطاقات المتناثرة ثم انفجارها في اتجاه ما بصورة من الصور. وهذا كما أنه ظاهرة طبيعية معروفة فهو سنة كونية مطردة، وكما أنه ملاحظ في المشاهد البيئية فهو حاصل في الحياة الاجتماعية والسياسية للأمم، ولذلك فإن لحظة اندلاع الثورات الشعبية في وجه المحتلين والطغاة هي لحظة مفاجئة يصعب التنبؤ بتوقيتها، لكن يمكن الجزم بحتمية حدوثها.

يذكر البقاعي رحمه الله في تفسيره بأن الطوفان في الأصل يقال لكل فاش طام محيط غالب ممتلئ كثرة وشدة وقوة. فتأمل هذه الصفات التي تكسب أي طوفان هذا الزخم من الفشو والامتلاء والإحاطة والغلبة

والحقيقة أن ما تعرض له الشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية في العقود الماضية على يد المحتلين والطغاة من التضييق والتنكيل، كان مقدمة للانفجار المحتوم في وجه الظلمة الذين ساموا الشعوب سوء العذاب. فمعركة غزة اليوم ليست معركتنا الأولى ولن تكون الأخيرة، لكنها من أكثر الحلقات إيلاما وقسوة، وفي هذا السياق لا بد أن نقرأ المعركة لمعرفة خلفياتها وأبعادها وآثارها القادمة. وما أبدع تعبير هاشم الرفاعي في قصيدته: رسالة في ليلة التنفيذ، حيث ساق هذا المعنى بقوله:

دمع السجين هناك في أغلاله .. ودم الشهيد هنا سيلتقيان

حتى إذا ما أفعمت بهم الرّبا .. لم يبق غير تمرد الفيضان

ومن العواصف ما يكون هبوبها .. بعد الهدوء وراحة الربّان

إن احتدام النار في جوف الثرى .. أمرٌ يثير حفيظة البركان

وتتابع القطرات ينزل بعده .. سيل يليه تدفق الطوفان

فيموج يقتلع الطغاة مزمجراً .. أقوى من الجبروت والطغيان

ويذكر البقاعي رحمه الله في تفسيره بأن الطوفان في الأصل يقال لكل فاش طام محيط غالب ممتلئ كثرة وشدة وقوة. فتأمل هذه الصفات التي تكسب أي طوفان هذا الزخم من الفشو والامتلاء والإحاطة والغلبة، بحيث يكون وافر العطاء كثرة، عظيم التماسك شدة، بالغ التأثير قوة، وهي معان تشتمل على الإرادة والعزيمة والجرأة والتضحية.

وبالتالي فقبل الطوفان؛ كانت سلسلة الابتلاءات وألوان المظالم وصنوف المحن، وفي المقابل كانت قطرات العمل الدؤوب والمبادرات الفردية والجهود الجماعية التي تجمعت حتى صارت بقعا منتشرة وظواهر مرئية حية، ومع مرور الوقت أصبحت سيلا كسا غزة بألوان البهاء والجمال وصنع عنها صورة مشرقة في أعين الأمة -حتى قبل الطوفان- ونموذجا قدوة في الإعداد والبناء والثبات. وهذا هو ما صنع الطوفان في الحقيقة.

إن استمرار الطوفان -ولا مجال لعودته بعد اليوم- يحتم على كل مسلم على وجه الأرض أن ينخرط فيه بالصورة التي تمكنه من أن يكون مؤثرا في ساحة الفاعلين، لا مجرد مشجع على مدرجات القاعدين

واليوم إذ يتغنى المسلمون بطوفان الأقصى، وينظرون إلى صمود أهل غزة وثباتهم وتضحياتهم نظرة إكبار واحترام، بعد أن أظهروا قدرا رهيبا ومديدا من التحمل والصبر والتمسك بالأرض، على الرغم من تعرضهم لأكبر محرقة بشرية في العصر الحديث، وعلى الرغم من الخذلان العجيب لهم من القريب والبعيد، لا بد أن يعلموا أن هذا المشهد الملهم هو حصيلة جهد ثمين وبناء متين. فالمطلع على واقع غزة يعلم تماما أن هذه اللحظة قد سبقها إعداد طويل؛ إعداد لم يقتصر على الجانب العسكري وحسب بل كان إعدادا متعدد الميادين والمجالات. ولم يكن مجرد إعداد مادي بل أضاف إليه الإعداد النفسي والروحي. ولم يكن مقتصرا على أجهزة الدولة وقدرات الكتائب بل اعتنى بالمؤسسات الأهلية والبنية الاجتماعية والتصنيع المحلي والتعاون الفصائلي، ولم يكن موجها لرجال المقاومة وحدهم بل بنى حاضنة متماسكة وصنع جيلا كاملا مشبعا بقضيته مستعدا في كل لحظة للنفير والتضحية.

والحال هذه؛ فما معنى أن تتغنى الشعوب العربية والإسلامية بالطوفان، وتنظم في مدحه الأشعار وتقيم على شرفه المهرجانات وتعقد لتحليله الورش والندوات، إذا لم يكن كل واحد منا قطرة من قطراته الهادفة، وبقعة في خارطته المتسعة في الميادين والمجالات المختلفة، وسيلا عارما في عبابه الجارف تأثيرا وعمقا؟ ما قيمة أن نتغنى بالطوفان إذا لم نكن فيه ومنه وبه وله؟

إن استمرار الطوفان -ولا مجال لعودته بعد اليوم- يحتم على كل مسلم على وجه الأرض أن ينخرط فيه بالصورة التي تمكنه من أن يكون مؤثرا في ساحة الفاعلين، لا مجرد مشجع على مدرجات القاعدين، بحيث ينخرط في الطوفان كل صاحب منصب أو اختصاص أو مهارة من موقعه وبمقدار استطاعته. فطوفان الأمة اليوم يحتاج إلى القطرات الواعية والبقع المنظمة والسيول الموجهة التي امتلأت طاقة وإرادة وإبداعا، والتي أدركت واجبها وعرفت دورها، والتي فهمت طبيعة المعركة وحقيقة الصراع، وقرأت محيطها وعرفت إمكاناتها، لتجد مسارها في طوفان الأمة الهادر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.