شعار قسم مدونات

ما بين الاحتفال بالفالنتين ومحرقة غزة.. وقفات وتأملات

يحتفل العديد من الشباب في بلدان العالم بهذا اليوم بطرق مختلفة (غيتي)

ما إن تذكر كلمة الحب حتى تتداعى إلى أذهان من يسمعها معان سلبية، ويتبادر لعقولهم صور نمطية، وخيالات تتعلق بالهوى والأهواء وبعلاقات العشق الآثمة. صور رسخها غزو فكري وهيمنة إعلامية غربية في زمن العولمة والتي تصف العلاقات الجنسية غير المشروعة بالحب، وعززت تلك الصور جموع متكاثرة ممن يتصيدون المشهد الإعلامي العربي من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في مجتمعاتنا ومجمعاتنا، من خلال روايات وأعمال فنية وبث للمسلسلات مدبلجة تشيد بالعلاقات المحرمة وتظهر مقترفيها على أنهم أبطال رومانسيون وشخصيات جديرة بالإعجاب والتقدير والاقتداء.

الهزيمة النفسية والشعور بالدونية والنقص، حدت بكثير من العرب والمسلمين إلى التقليد الأعمى للغرب ونقل صرعاته كالاحتفال بما يسمى عيد الحب أو الفالنتين، وهو عيد يمجد ما يزعمونه حبا بأسلوب مادي ممتهن وتجاري رخيص، إنه منهج جحر الضب والذي أصبح المنهج الأكثر انتشارا واتباعا في عصر التخلف والذي ما نزال نعيش في جنباته،  ففي الحديث الصحيح المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: فَمَن؟، فما إن يهل علينا شهر شباط/ فبراير حتى تمتلئ مراكز التسوق في عواصم ومدن العربية بقلوب وورود حمراء تحتفي بالعشق والعشاق بمعانيها السلبية والشهوانية على الأرجح، لتشكل المناسبة موسما تجاريا للبعض وفي المجمل تكريسا للهيمنة الغربية بأبعادها الثقافية والأخلاقية والمعنوية.

وصف العلاقات المحمومة وغير المشروعة بالحب فيه تعسف كبير وظلم بيّن، فالعلاقات التي دافعها النزوة والشهوة وحاجة كل فرد للآخر ليطفئ شهوة جسمه من خلاله أو يترع من كؤوس اللذة هي أبعد ما تكون عن الحب، فهي غالبا ما تنقلب بعد أن ينتهي كل طرف من شهوته وينهي من الآخر حاجته إلى خصومة وجفاء. فالحب بمعناه الإنساني النبيل علاقة تقوم على العطاء والتجرد والتضحية، كالحب الذي تحمله الأم لرضيعها والذي يدفع بها إلى السهر والمعاناة وهي راضية في داخلها، مسرورة في مشاعرها.

التفكر في مفاهيم الإسلام وتوجهاته تظهر وبجلاء أن للحب في الإسلام موقعا متميزا وبارزا، بل قد لا يكون المرء متعسفا أو مبالغا إذا ما وصف الإسلام بدين الحب. فللحب وتفرعاته في الإسلام مكانة بارزة إن كان في العقيدة أو في السلوك أو في التعامل مع الآخرين.

كما أن من صور الحب الحقيقي بر الإنسان بوالديه في الكبر وقد استغنى عنهما ماديا غير أن مشاعر البر والحب تدفعه لأن يخفض لهما جناح الذل ويتحمل بكل الود رغباتهما، بل ونزواتهما في بعض الأحيان رغم أنه قد يكون في موقع العطاء لهم، والقيام بحاجاتهم وشؤونهم. الحب الراقي النقي والإيماني، هو ذلك الذي يدفع بالإنسان ليقدم ماله وروحه في سبيل الله حبا لله، ذلك الحب والذي لا يكتمل إيمان المسلم حتى يكون هو الحب الأول في قلبه، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الأمام أحمد في سنده: لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

التفكر في مفاهيم الإسلام وتوجهاته تظهر وبجلاء أن للحب في الإسلام موقعا متميزا وبارزا، بل قد لا يكون المرء متعسفا أو مبالغا إذا ما وصف الإسلام بدين الحب. فللحب وتفرعاته في الإسلام مكانة بارزة إن كان في العقيدة أو في السلوك أو في التعامل مع الآخرين. فحب الله ورسوله وتقديم هذا الحب على ما سواه شرط لازم لاكتمال إيمان العبد. بل إن العلاقة بين الله سبحانه وتعالى وعباده الصالحين قائمة على الحب "يحبهم ويحبونه". أما أرقى العلاقات في المجتمع الإسلامي فتلك المبنية على الحب الخالص في الله، هذا الحب والذي يدفع بأصحابه للتجرد والعطاء وإيثار المحبوب فيما يحبون ودفع عنه ما يكرهون، وعلاقة الحب هذه شرط لتمام الإيمان ودخول الجنة، "لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا" كما قال صلى الله عليه وسلم.

كما إن هذا الحب يحمي أصحابه من أهوال يوم القيامة ويجعلهم في ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، ليناديهم المولى سبحانه بقوله: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي. وحتى تتعمق علاقات الحب في المجتمع الإسلامي وتترسخ مفرداتها، يشجع الرسول صلى الله عليه وسلم ويحث المؤمنين بأن يتبادلوا عبارات الحب فيما بينهم "إذا أحب أحدكم أخاه، فليُعلمه أنه يحبه". ومن أخلاق الحب التي نمت ونبتت في واحات الإيمان وتوجهت للآخر وللمجتمع، تتفرع المشاعر النبيلة في الإحسان، والتعاطف والرفق والمودة.

إن المسلمين في عصرنا هذا يخوضون أو بالأحرى تخاض عليهم معارك فكرية وإعلامية تستهدف عقائدهم وقيمهم، وتريد لهم أن ينسلخوا عن هويتهم لكيلا تقوم لهم قائمة، وليبقوا في مرحلة التخلف شعوب مستهلكة غير مصنعة أضعف من أن تعتمد على ذاتها ومقدراتها

العلاقة بين الزوجين في المفهوم الإسلامي -وهي علاقة تعبدية ابتداء- مبنية على الحب الراقي والمستند لحب الله والمتفرع منه، فيما تأتي الحاجات المادية الطبيعية لتخدم هذا الحب وتسنده لا لتسيره وتقوده وتوجهه. فالحاجات الجسدية تصب في صالح المشاعر النبيلة، لتبقى تلك المشاعر حية ومتقدة وإن تقدمت السنون ووهن العظم واشتعلت الرؤوس شيبا. الحب تضحية وعطاء يرقى بالإنسان ويسمو به، فتستمع به الروح ويأنس به القلب وتزداد المتعة، وليتألق رونق الحب في الأنفس والقلوب والأفكار، وليس من الحب في شيء تلك العلاقات الشهوانية والتي تحب في الطرف الآخر ما تريد منه حتى إذا ما انقضت الحاجة تبدلت المواقف وانقلبت المشاعر، وإذا بالأخلاء خصوم وأعداء.

القلب الممتلئ بالحب الراقي لا يتحمل أن يحمل الكبر ولا التعجرف ولا القسوة. فمن مستلزمات الحب ونتائجه ودواعيه حس مرهف لا يقبل بالظلم ولا يستطيع سوى أن يكون نصيرا للمستضعفين وسندا لليتامى والأرامل، وعونا للمحاصرين والمضطهدين والمحرومين. إن من أعظم صور الحب وأنقاها وأرقاها هي تلك التي نشهدها ونشاهدها في غزة، حب أهل غزة ومقاوميها لوطنهم، ولمقدساتهم ولإمة الإسلام والتي تدفع بهم لتقديم أروع الصور في البطولة والتضحية والشجاعة والصبر على ظروف قاسية والتسليم بقضاء الله وقدره وأمره. فهل يليق بنا ونحن نرى من يدافع عنا وعن أمتنا ويعاني ظروفا إنسانية قاهرة في غزة، فيما يحتفي بعيد الحب دول غربية داعمة للاحتلال ومشاركة في تجويع الغزيين خصوصا في مسألة استهداف الأونروا، هل يليق بنا أن نحتفي مع القتلة بعيد الحب وهم يشنون على غزة حرب الإبادة؟

إن المسلمين في عصرنا هذا يخوضون أو بالأحرى تخاض عليهم معارك فكرية وإعلامية تستهدف عقائدهم وقيمهم، وتريد لهم أن ينسلخوا عن هويتهم لكيلا تقوم لهم قائمة، وليبقوا في مرحلة التخلف شعوب مستهلكة غير مصنعة أضعف من أن تعتمد على ذاتها ومقدراتها، وأعجز من أن تستغنى عن الآخرين ولو كانوا ممن اتخذوا دينها لعبا ولهوا. في هذا السياق يأتي سعار الهجوم الغربي علينا في فرض الشذوذ وقيمه علينا في كل مناسبة ومن غير مناسبة. وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه أبو داود وأحمد: "من تَشبَّه بقوم، فهو منهم"، فإننا أشد ما نكون حاجة للتمسك بقيمنا والتميز بأخلاقياتنا وعقائدنا، في معركة الهوية والعقيدة والبقاء أو الفناء.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.