شعار قسم مدونات

هند.. الحرب في حدقات الأطفال

واصلت طائرات الجيش الإسرائيلي، فجر اليوم الأحد، قصف مخيمي "النصيرات" و"البريج" وسط قطاع غزة، ومدينة خان يونس جنوبي القطاع. مراسم صلاة الجنازة والتجهيز لدفن عدد من الشهداء في مستشفى شهداء الاقصى بدير البلح وسط قطاع غزة. ( Ashraf Amra - وكالة الأناضول )
حسرات لا تنتهي وأسئلة كثيرة عن الطرق غير القابلة للحصر التي اجترتها آلة القتل المتوحشة هذه لتشرب من دماء الأطفال (وكالة الأناضول)

هناك شيء غير مستحب في بدء الحديث بـ "لا النافية"، لكنني حقا لا أدري ما إذا سبق للتغطية الإعلامية أن نقلتنا نحن معشر المراقبين عن بعد إلى مقربة كهذه من أي حدث على الإطلاق فضلا عن مجزرة، وقد لا تكون هذه المجزرة على وحشيتها هي أوسع جولات الإبادة التي خاضتها آلة القتل الكولونيالية على شعبنا من حيث النطاق الجغرافي المستهدف، لكن ألم ما حفرته في وجداننا يعادل حتما -إذا لم يفق- ألم كل ما عرفناه عن مئة شهباء مكفهرة من تاريخ هذه البلاد الرهيبة.

عثر قبل أمس على جثمان هند، هند الطفلة ذات الست سنوات التي ركبت ظهيرة التاسع والعشرين من يناير الماضي سيارة عم والدتها وعائلته لتنزح معهم إلى مكان أكثر أمانا من تل الهوى، إلا أن وابلا من رصاص الاحتلال حال دون ذلك، وأدى لاستشهاد العم وعائلته

ما الذي يفعله انسان بالغ في ظرف طبيعي إذا رأى طفلا يبكي؟ وما الذي يفعله طفل غير باكٍ أذا رأى طفلا يبكي؟ أظن أن الأول سيندفع نحوه ويضمه أو يربت على كتفه حتى فروغه من البكاء، ثم يستمع لشكواه الممزوجة بالدموع ويشرع بمواساته قبل أن يفهم شيئا، نعرف جميعا هذا الاجتماع بين حنية الكبار واستخفافهم السائد بما يمكن أن يخدش قلبا كبيرا، أما الطفل ولغياب عامل الاستخفاف بطبيعة الحال، فسيلح لمعرفة السبب ومسببه وحيثياته لتتخذ ردود فعله بعدها منحى صعب التوقع، لكن ماذا عن ظرف المجزرة؟ ما الذي يمكن أن يفعله الكبار الباكون للأطفال البكاة؟ وما الذي يمكن لكل منهم فعله على ضفاف أنهار جارية من الدم المسفوح؟ كبارا لكبار وصغارا لصغار؟ مشهد يا لقبح العالم الذي لا يستكفي به وحده دليلا دامغا على الإبادة.

عثر قبل أمس على جثمان هند، هند الطفلة ذات الست سنوات التي ركبت ظهيرة التاسع والعشرين من يناير الماضي سيارة عم والدتها وعائلته لتنزح معهم إلى مكان أكثر أمانا من تل الهوى، إلا أن وابلا من رصاص الاحتلال حال دون ذلك، وأدى لاستشهاد العم وعائلته، وبقاء هند مخضبة بدماء الكل من حولها رفقة قريبتها ريان، التي لا تكبرها إلا بتسع سنوات، والتي تمكن الهلال الأحمر من التواصل معها بعد مناشدات عديدة تلت محادثتها مع جدها، قالت ليان في المكالمة "للعمو" العامل في الهلال أن الجنود يطلقون النار صوب السيارة، وأن الدبابة إلى جانبها، فسألها هل أنتن مختبئات؟ فقالت نعم، ثم بعد صرخة مدوية من قعر القلب صمتت ليان، توقفت عن طلب النجدة، ربما رأت الموت من أقرب مسافة ثم خطف صوتها، ربما ماتت، كان الاعتقاد الأرجح هو الثاني، وأكدته هند لجدها الذي استطاع الاتصال بها وسألها عن الكل فأجابت أنهم كلهم في السيارة موتى ولا حي إلاها.

ماذا مر على هند في هذه المدة بين مكالمتها مع جدها ومفارقتها الحياة؟ نعلم أن مسعفين اثنين من الهلال الأحمر توجها للنجدة، وأنهم استشهدوا في سيارة الاسعاف على مقربة من السيارة التي عثر فيها على جثمان هند والبقية، لم يتمكنوا حتى من مغادرة السيارة لتقديم النجدة، لكن من استشهد قبل من؟ ماذا تراها رأت وكم مرة أغمضت عينيها وتمنت لو أنها فارقت الحياة معهم بدلا من البقاء حية في بركة دم لا نعلم لكم من الوقت؟ هل حاولت الكلاب والقطط الدخول للسيارة لتنهش الجثامين من حولها بينما هي غير قادرة على الحركة؟  هل كان عليها أن تمر بشيء كهذا أيضا قبل أن تسلم الروح؟ كم صنفا من روائح الموت كان عليها أن تستنشق كلما مر الوقت؟ كم مرة تفاداها الموت تحت هذا الوابل من الرصاص؟

نحن لا أدري لحسن الحظ أم لسوء الحظ لا زلنا بشرا، ينمي لدينا الظلم والعجز عن وضع الحد له شعورا قاتلا بالغبن والقهر، في حين أن كثيرا من المستوطنين كان ردهم على قصة هند أن الشفقة لديهم على كل الجنس العربي ماتت في السابع من أكتوبر.

حسرات لا تنتهي وأسئلة كثيرة عن الطرق غير القابلة للحصر التي اجترحتها آلة القتل المتوحشة هذه لتشرب من دماء الأطفال، وقناعة تترسخ أن أكبر نجاح سجله هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني الفريد على أرض فلسطين لم يكن قضم هذا الحد من أرضنا، ولا سفح هذا الكم من دماءنا، بل كان صناعة المسخ الذي يقوى على رؤية كل هذا يقترف باسمه ولا يكتفي بالصمت بل يبرر، ولا يكتفي بالتبرير بل يحرض، ولا يكتفي بالتحريض بل يتشفى، لم أكن أتخيل أن تكون إحدى أوجه انعدام التكافؤ بين الضحية والجلاد في هذه القصة نفسية. نعرف الفروقات المادية الملموسة، لكننا اليوم في مواجهة غير الملموس أيضا، نحن لا أدري لحسن الحظ أم لسوء الحظ لا زلنا بشرا، ينمي لدينا الظلم والعجز عن وضع الحد له شعورا قاتلا بالغبن والقهر، في حين أن كثيرا من المستوطنين كان ردهم على قصة هند أن الشفقة لديهم على كل الجنس العربي ماتت في السابع من أكتوبر.

نعلم أن هذا كذب، ويتأكد على مدار اليوم والساعة أنه كذب، لم نكن قد اقترفنا شيئا حيالهم في أوروبا حين حيكت خيوط النكبة، ولم نسمع عن أي شفقة تحول بيننا وبين كل ما عصف بنا من مآسي قبل السابع من أكتوبر، هذه هرتقات واقية من الأرق ومن نوبات الضمير، مثلها في الماضي والحاضر مثائل وتتفاوت في صراحتها وفجاجتها وفق موقع أصحابها على الخريطة السياسية، فمثلا لن يقول اليساري الصهيوني أن الشفقة لديه انتهت، لكنه سيقول أن هند وذويها والمسعفين وكل نفس بريئة أزهقت في غزة كانت عوارض جانبية لحرب أخلاقية ومحقة، سيقولون أن الجيش يمطر السماء إنذارات للمدنيين قبل الإتيان بأي حركة لكن المقاومة تتخذهم دروعا بشرية، أين كانت في غزة المساحة التي يمكن فيها حصر الصراع بين المقاومة والجيش إذا "توفرت الرغبة" بعدم اتخاذهم دروعا؟ نحن نتحدث عن شريط ساحلي هو المنطقة الأكثر كثافة في السكان على مستوى العالم، هذا كله قبل أن تحول إسرائيل جله إلى ركام على الأرض أو "إلى مصف سيارات" كما طالبت الجماهير الاستيطانية عشية إعلان الحرب.

أقرأ التقارير الإسرائيلية عن الحرب ويتضاءل إيماني بالإنسان، تتزايد كل يومٍ المآسي وتحضر في ذهني صديقتي الغزية وهي تقول "عالم ليس لنا"، ثم أنظر إلى كل هذا بعين الرفاهية وأزدريه، لأن المبصر طفله أمام فوهة دبابة يفعل كل شيء باستثناء أن يكتب، أعلم أن أطفال غزة بعد هذا العويل الطويل سيصمتون كثيرا، وسيكتفون بدلا من الجلبة بالتحديق مليا في عيون الآخرين، وأعلم أنه ما من وجه حق في مطالبتهم بالغفران لأنهم ليغفروا يتعيّن عليهم النسيان، وهل من وقاحة في الدنيا تكفي لمطالبتهم بهذا؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.