شعار قسم مدونات

ما هي نظرية الشهر الحرام؟

صورة تعبيرية لغزوة بدر
قتل المسلمون ابن الحضرمي، قتله واقد بن عبد الله من أصحاب عبد الله ابن جحش وأسروا اثنين ممن معه (الجزيرة)

روى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث عبد الله بن جحش الأسدي، قبل قتال بدر بشهرين وأرسل معه ثمانية أفراد، وجعله أميرا عليهم، وأعطاه كتابا وأمره ألا يفتحه إلا بعد مسيرة يومين، وذلك حتى لا يعلم أحد أين تذهب السرية، وفي ذلك احتياط في إخفاء الخبر.

فلما سارت السرية ليلتين فتح عبد الله الكتاب، وإذا فيه «بسم الله الرحمن الرحيم» أما بعد: فسر على بركة الله بمن معك من أصحابك؛ حتى تنزل بطن نخلة، فترصد بها عير قريش؛ لعلك تأتينا منهم بخبر، فلما نظر في الكتاب، قال سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه ذلك، وقال: إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم؛ فمن كان يريد الشهادة، فلينطلق معي، ومن كره، فليرجع، ثم مضى، ومضى معه أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد، وبينما هم في الطريق ضل بعير لسعد بن أبي وقاص وعقبة بن غزوان، وذهبا يبحثان عن البعير، وبقي ستة مقاتلين مع عبد الله، وذهب الستة إلى «بطن نخلة» فوجدوا «عمرو بن الحضرمي» ومعه ثلاثة على عير لقريش، فدخلوا معهم في معركة، وكان هذا اليوم في ظنهم هو آخر جمادى الآخرة، لكن تبين لهم فيما بعد أنه أول رجب؛ أي أنه أحد أيام شهر حرام.

الحق سبحانه أراد أن يقرر حرمة الشهر الحرام، وأن القتال فيه كبير، نعم! ولكن وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله. والفتنة أكبر من القتل

وقتل المسلمون ابن الحضرمي، قتله واقد بن عبد الله من أصحاب عبد الله ابن جحش، وأسروا اثنين ممن معه، وفر واحد، فلما حدث هذا، وتبين لهم أنهم فعلوا ذلك في أول رجب، عند ذلك اعتبروا أن قتالهم وغنائمهم مخالفة لحرمة شهر رجب. وثارت المسألة أخذا وردا بين المسلمين قبل أن تتحدث فيها قريش حيث قالوا: إن محمدا يدعي أنه يحترم المقدسات ويحترم الأشهر الحرم، ومع ذلك قاتل في الأشهر الحرم، وسفك دمنا، وأخذ أموالنا، وأسر الرجال، وأكثر الناس في ذلك، فامتنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الغنائم والأسرى حتى يفصل الله في القضية فنزل حكم السماء في القضية، فأنزل الله قوله- تعالى-: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولائك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 217].

فكأن الحق أراد أن يقرر حرمة الشهر الحرام، وأن القتال فيه كبير، نعم! ولكن: «وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله. والفتنة أكبر من القتل»، أي الذين وقع منهم الصد عن سبيل الله، والكفر به وبالمسجد الحرام. لقد صنعوا كل كبيرة لصد الناس عن سبيل الله. ولقد كفروا بالله وجعلوا الناس يكفرون. ولقد كفروا بالمسجد الحرام. انتهكوا حرمته فآذوا المسلمين فيه، وفتنوهم عن دينهم، وأخرجوا أهله منه، وإخراج أهله منه أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، وفتنة الناس عن دينهم أكبر عند الله من القتل، فلا تفعلوا ما هو أكبر من القتال في الشهر الحرام، ثم تأخذكم الغيرة على الحرمات، إن هذه الأمور الآثمة هي عند الله أكبر جرما وأشد إثما من القتال في الأشهر الحرم. لقد كانت كلمة حق يراد بها باطل. وكان التلويح بحرمة الشهر الحرام مجرد ستار يحتمون خلفه، لتشويه موقف الجماعة المسلمة، وإظهارها بمظهر المعتدي، وهم المعتدون ابتداء، وهم الذين انتهكوا حرمة البيت ابتداء.

نظرية الشهر الحرام، يتعين السير عليها في التعامل مع طغاة المجتمع الذين يتسترون وراء الأشهر الحرم.

وفي هذا السياق، تطبيقا على واقع حياتنا اليومية، قد تجد شخصا يحرص على صلاة الجماعة ويحج ويعتمر، ويصوم نافلة، وقد يعفي لحيته باعتبار تطبيق السنة، ويجتنب الكبائر، ولكنه يقع في هفوة مخالفة الآداب العامة، ثم يأتي من يعيب عليه ويؤلب الناس ضده وهذا الذي يعيب على الأول يكون أصلا ممن يغش ويماطل إن كان تاجرا، ويقبل الرشوة إن كان موظفا، ويأكل حقوق الناس بمن فيهم أقرب المقربين إليه، والبخل سجيته، وسوء الخلق دأبه، أو يمارس العنصرية والتعامل الفوقي على الضعفاء، وهنا يكون المأخذ عليه، فكيف ينكر على الناس وفيه ما فيه من استباحة المحرمات والقبائح!

مثله كمثل ما فعلته قريش بارتكابها عظائم الذنوب، ثم الإنكار على النبي وصحبه ما حدث في الشهر الحرام دون تعمد، فهم من أخبرت عنهم الآية الكريمة بأنهم قوم طغاة بغاة معتدون، لا يقيمون للمقدسات وزنا، ولا يتحرجون أمام الحرمات، ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من العادات، والضوابط، ويفتنون المؤمنين ويؤذونهم أشد الإيذاء، ثم بعد ذلك كله يتسترون وراء الشهر الحرام، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها باسم الحرمات والمقدسات، ويرفعون أصواتهم: انظروا ها هو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام! ويستنبط مما ورد في الآية الكريمة نظرية مهمة وهي "نظرية الشهر الحرام"، يتعين السير عليها في التعامل مع طغاة المجتمع الذين يتسترون وراء الأشهر الحرم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.