شعار قسم مدونات

قفص الصهيونية الافتراضي.. لغة المقاومة

شبان فلسطينيين يقفون أمام دبابة إسرائيلية بعد اختراق الحدود في السابع من أكتوبر 2023 (الأناضول)

عبر تاريخها النضالي ظل تثبيط الجماهير الداعمة للمسألة الفلسطينية وحشرها في مواقع العالم الافتراضي مهمة جماعات أيديولوجية يلاقي "خطابها الديني" القبول من الغرب وأطرافه الوظيفية، فمن تخوينها للانتقال الديمقراطي السلمي زمن الربيع العربي، مرورا بالاستهزاء بصواريخ المقاومة ووصفها بالرشقات العبثية، انتهت إلى الصمت المخزي عن الإبادة الجماعية للفلسطينيين وقصف اليمن، ومع تصاعد حدة الاحتقان العسكري في الشرق الأوسط مع قصف الإمبراطورية جماعة الحوثي، بات يرسم أفق أكثر قتامة للوضع الراهن في الأراضي المحتلة، ما لم تتحرك ضمائر الأحرار لدعم تحركات جنوب أفريقيا لمقاضاة حراس أزهار الفسفور.

فضاءات الصهيونية الآمنة

إن تجييش الجماهير لدعم المقاومة الفلسطينية خارج التوظيف العسكري، يمثل آلية ناعمة وفعالة ضد مشاريع الاستيطان والتطبيع في المنطقة، فالشعوب كانت ومازالت قبلة المقاومة وهي التي قادت تحررها ضد الإمبريالية وأطرافها الوظيفية، وتكمن ماهية التجييش تلك في جميع المناحي الحياتية والثقافية والاقتصادية المعززة لمناهضة الاحتلال في فضاءاته الآمنة، فأن تكون حرا هو أن تكسر الصورة التي تروجها الصهيونية، كون الفلسطيني يعيش حياة أفضل من الشعوب التي تساند قضيته بالمال، لكن السردية الملفقة تلك واجهها مثقفو ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بفضح تلك الصورة المربكة للحقيقة التي ترافقها ادعاءات الاحتلال، بإظهار الجوانب المخيفة لما يعانيه الفلسطيني من ويلات الحصار والقتل والتهجير.

كما أن صياغة معادلات جديدة وقوانين إلزامية من لدن الأحزاب السياسية داخل المنابر العربية والدولية، يساهم بشكل مباشر في ازدياد الضغوطات على القادة الغربيين، فالأوروبيون ليسوا على قلب صهيوني واحد، وتنديد رئيس وزراء النرويج بهجمات الاحتلال المروعة، ووصف الرئيس الروسي حصار غزة بالعمل النازي، تحول نوعي ومهم في نقد ممارسات الاحتلال البربرية، وتهاوي أسطورة معادة السامية المبررة لحق إسرائيل في القتل، بالإضافة إلى الدعم المؤسساتي من طرف اللجان التابعة للهيئات الإسلامية في الغرب والذي يسهم بشكل واضح ودقيق في كسر السردية التاريخية للمحتل، وذلك بالبحث عن منافذ إعلامية آمنة للسردية الفلسطينية، عبر إعادة صياغة الوضع الصهيوني المستشري داخل الفضاءات الإعلامية الداعمة لإسرائيل، فأن يكون الصحفيون وطواقم الإغاثة هدفا مشروعا للاحتلال، في وقت تتغاضى فيه الإمبراطورية والأمم المتحدة بتنديداتها الهزيلة، هو استكمال لمشروع إسرائيل كنظام فصل عنصري يريد طمس أي صورة من شأنها فضح التلفيقات والادعاءات الصهيونية.

كان انطلاق المظاهرات في العواصم العربية والدولية لدعم المسألة الفلسطينية يمثل تحديا كبيرا لبعض الشعوب التي ما زال بعضها مرابطا في العالم الافتراضي، في وقت تقتات فيه الآلة الصهيونية على المدنيين.

تقدم "قنوات دولية قليلة" على كثرتها وفي مقدمتها شبكة الجزيرة دعمها الكامل للصورة الحقيقية لحجم الفظائع المرتكبة من طرف الاحتلال ضد الفلسطينيين، كما أن الأصوات المناهضة له في قنوات "بي بي سي" و " سي إن إن" ، باتت اليوم أقرب إلى تقبلها ودعمها بشكل صريح وواضح، فالبروباغندا الصهيونية التي روجتها منصات العالم الافتراضي ووسائل إعلام مناهضة للحق الفلسطيني، سقطت في دوامة سياسة الأرض المحروقة التي تواجه اليوم مقاضاة من طرف جنوب أفريقيا ضد ممارساتها بالإبادة الجماعية، وأسهمت بشكل قوي في تراجع فوبيا معاداة السامية، مما سهل الانتقاد الصريح لإسرائيل في وسائل الإعلام وملاحقتها دوليا.

من أجل ذلك كان انطلاق المظاهرات في العواصم العربية والدولية لدعم المسألة الفلسطينية يمثل تحديا كبيرا لبعض الشعوب التي ما زال بعضها مرابطا في العالم الافتراضي، في وقت تقتات فيه الآلة الصهيونية على المدنيين، إذ بات منع المستشار الألماني للمظاهرات الداعمة للفلسطينيين وتجريم الجمعيات المساندة لها، شكلا من أشكال الحصار الذي تقوده الصهيونية للتضييق على العمل الفلسطيني في فضاءاتها الآمنة، بالإضافة إلى الدور التشريعي الذي تقوده حكومة ماكرون لتجريم المقاومة وسن قوانيين ضد معاداة الصهيونية للحيلولة دون انفلات دعاة الحرية من أقفاص الصهيونية.
فالمظاهرات وإن كانت تمثل تجييشا للجماهير وتنفيسا للغضب الشعبي، لا تأتي إلا بالفوضى والخراب كما يصورها المرجئون من أدعياء المدخلية المنبطحين، فإنها أهم آلية لبقاء الروح الشعبية والوعي الجماهيري كجدار ضد مشاريع التطبيع لتصفية المسألة الفلسطينية والإبقاء على شعوب منطقتنا الغربية في قفص الذل والاستعباد.

كان العمل على توريد السلاح للمقاومة الفلسطينية ضرورة أخلاقية وفعلا حضاريا للتخلص من نظام الفصل الصهيوني قبل أن تمنح لهم المساعدات الإنسانية، فمن لم تأخذه العزة بأخوة الدين والجغرافيا، حري به أن يقف على عتبات الخذلان كي يساق وأهله إلى حظيرة الطاعة وهو بعد يصرخ في فضاء وهمي من صنع الغربي.

الموت أو الوطن

منذ مآلات الربيع العربي المفجعة والمربكة على حد سواء، ظلت الطبقة الحاكمة بشيعتها المثقفة ترصد تحركات أولئك الذين يتوقون للعدالة والحرية، لتصفهم أبواق الطغمة من على منابر مقدسة بأبشع أوصاف الوهن والخذلان والظلم، فالربيع العربي كان ولا يزال مرحلة تمحيص للأمة التي تعاني من ويلات ديكتاتورية استعمارية، ولعل تتويج تلك المرحلة بانتفاضة فلسطينية وعمليات المقاومة النوعية، يظهر جاهزية شعوبنا العربية واستعدادها للانتقال الديمقراطي والعيش بحرية وكرامة، فأن يصمت منبر النبوة في بلاد الحرمين وتتوالى فتاوى تطعن في المرابطين ببلاد المقدس، لهو أمر محزن، من أجل ذلك كان العمل على فضح العملاء الداخليين والمثبطين لعزيمة المقاومين مهمة حدها السيف والقلم، وشعارها كما أوردها جيل المقاومة الفلسطينية "مش طالعين".

إن إلغاء اتفاقات التسوية وأولها أوسلو، التي مازالت ترسم ملامح الوهن العربي والفلسطيني، والإقرار الكامل بجدوى تسليح المقاومة ورفع التحدي في مواجهة نظام عنصري نازي، لا يعترف مطلقا بحل الدولتين ولا بالمقررات الأممية، فالسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس باتت تمثل "خطرا وجوديا" على تحرر الفلسطينيين والتخلص من الاحتلال، عبر استمرارية تنسيقها الأمني وصمتها المخزي إزاء ما يفترض أنه "إبادة وجرائم" حرب ضد غزة، وبدل إعلان الرئاسة الفلسطينية فشل مساعي السلام الدولية بسبب الغطرسة الإسرائيلية وطبيعة نظامها المعادي للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لم تيأس محاولاته من استعادة وهم السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فأن تعترف بعدو لا يمكنه احترام معاهدة في السلم، لا ضير في أن يبيد شعبا بأكمله في زمن الحرب.

نتذكر عبارة قالها تشي غيفارا حين خطب في الأمم المتحدة وهو يعي أن النظام العالمي محرك فقاعة قانونية لا قبل لها أمام صوت بنادق الحرية، مفادها أن الشعوب التي خسرت كرامتها وأرضها وأحباءها، ليس لديها ما تخسره، فالموت أو الوطن معادلة لا يفقه فحواها إلا أولئك الذين ذاقوا ويلات الاحتلال لسنوات، ولا يكون ذلك إلا بإيماننا المطلق أن ما أخذ بالسلاح لا يسترجع إلا بالسلاح، ولو كانت المفاوضات تمنح الأرض لمن أخذت منه، لكان الجزائريون اليوم يعيشون في منافي كاليدونيا الجديدة.

من أجل ذلك كان العمل على توريد السلاح للمقاومة الفلسطينية ضرورة أخلاقية وفعلا حضاريا للتخلص من نظام الفصل الصهيوني قبل أن تمنح لهم المساعدات الإنسانية، فمن لم تأخذه العزة بأخوة الدين والجغرافيا، حري به أن يقف على عتبات الخذلان كي يساق وأهله إلى حظيرة الطاعة وهو بعد يصرخ في فضاء وهمي من صنع الغربي، ومن لم يدرك أن الغلبة لا تكون إلا بإيمان حفنة من المقاومين بعدالة قضيتهم، فإن ترسانة أسلحته التي يدك بها مضاجع الآمنين في اليمن وسوريا وليبيا سرعان ما سترتد عليه في قصره، ويقتله الرعب والخذلان.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.