شعار قسم مدونات

الخصوصية في زمن الحرب!

لحظة إخلاء جلسة الكنيست بسبب صفارات الإنذار في القدس
الكنيست الإسرائيلي (مواقع التواصل الإجتماعي)

كان الموقع السياسي للداخل وأهله محط تسائل واستهجان بارزين منذ بدء هذا العدوان الدامي على قطاع غزة، البعض يزايد والبعض الآخر مصعوق حقا من الفجوة بين ما اعتقدنا أنه روكم في الداخل بعد هبة أيار 2021 وبين ما يصدر عن النخب السياسية (إذا صح وصفها بذلك) من خطابات خفيضة السقف وإدانات للذات وتبني لخطاب المؤسسة الإسرائيلية في متعلقات السابع من أكتوبر بلا تعديل، فضلا عن مشاهد مشاركة بعض المتجندين العرب في الجيش الإسرائيلي واحتفاء الإعلام العبري بهم وتسابق السياسيين الصهاينة لتقديم العزاء لذويهم وسط صمت عارم في الداخل، الذي لم يعتد بدوره على مشاهد كهذه أبدا.

كلما استذكرت مضامين الحملات الانتخابية للأحزاب العربية الكنيستية وقدرتها على دفع المرء للصندوق كما لو أنه ذاهب في مهمة وطنية، حتى لو أصبحت الانتخابات بأسرها كما في السنوات الأخيرة نتيجة لتعمق الشروخ بين التيارات الصهيونية، أقرب لفعاليات نهاية الأسبوع.

صحيح أن ظاهرة التجنيد ليست جديدة، لكنها منذ النكبة وحتى اليوم يرفض التعامل معها حتى كظاهرة، على اعتبار أنها قليلة الانتشار جدا، وعلى اعتبار أن مناقشتها عالية الكلفة "قانونيا" باعتبار أن الحض عصيان أوامر التجنيد في الأوساط غير المعفية منه قانونيا كالدروز يعتبر مخالفة قانونية، ولسبب آخر لا يقل أهمية، هو الخشية أن يحول النقاش التجنيد من "تابوه" مستهجن للحد الذي دفع المؤسسة الإسرائيلية للسماح لهؤلاء المتجندين بالخروج من القواعد عائدين إلى قراهم بملابس مدنية، إلى وجهة نظر لا خجل من المجاهرة بتأييدها علنا.

لكن وعلى عكس الإجماع الواسع في مسألة التجنيد، يشق الصف حين يتعلق الأمر في التمثيل العربي في الكنيست، يطفو على السطح مصطلح "الخصوصية" الذي لا أبالغ لو قلت إنه في الأونة الأخيرة يكاد لا يوظف في جملة إلا وتكون عن الداخل، في سياق النقد اللاذع لاستمرار الرقص العربي في سيرك الديموقراطية الاستعمارية حتى في ظل حكومة حرب تستغل هذا الرقص لتغتسل من تهمة التمييز العنصري ونية الإبادة العرقية.

والجيد في عدم إرجاء الحديث عن هذه الخصوصية المتخيلة هو أنها تحولت بمعية التوقيت الحساس للحرب من عنوان "جدي" لمحاضرات تقع في صلب تشويه الذات وتقبل الفوضى والتنكيل بجدوى النضال إلى مجرد كليشيه. كليشيه استهلك نفسه حتى لدى مردديه الذين يوظفه جلهم في تبرير التقاعس والفشل، ذلك لأن التبريرات بطبيعة الحال وأيا كانت جديتها؛ تهزل وتتهاوى أمام عظم المصاب واستحالة تلطيفه، ما بالك بمبرر بهزالة الخصوصية؟ ما الجديد في أن لكل مجموعة تحت حكم معين وظروف معينة أو من ديانة أو قومية معينة خصوصية؟ هذا ينطبق على الجميع، ولا يعقل أن يطرح في سياق اصطفاف وحلم تحرري مشترك إلا في إطار اجتراح الوسائل ومواءمة السبل.

تبدو المقولة الأخيرة بسيطة وانسيابية، لكن توصلي إليها في الحقيقة لم يكن ممكنا قبل المرور أو ربما الوقوف على محطات فارقة شقت طريقها للذاكرة والعقل حتى أيقن أن أكثر ما تنطوي عليه هذه الخصوصية هو "الاستحمار"، قد يبدو التعبير خادشا قليلا لكنني لا أستحيي في استخدامه لأنني لا أجد أدق منه أولا، ولشعور الإهانة الذي يعتريني ثانيا، كلما استذكرت مضامين الحملات الانتخابية للأحزاب العربية الكنيستية وقدرتها على دفع المرء للصندوق كما لو أنه ذاهب في مهمة وطنية، حتى لو أصبحت الانتخابات بأسرها كما في السنوات الأخيرة نتيجة لتعمق الشروخ بين التيارات الصهيونية، أقرب لفعاليات نهاية الأسبوع.

لا شك في أن من يدرس التمثيل العربي في الكنيست دون انحياز، يلحظ أن الخطاب الفلسطيني النضالي في الداخل اتخذ شكل الدالة التربيعية، متصاعدا من صفر الهزيمة وندوب البقاء على أنقاض البلاد بعد النكبة فوق ركام من جثث شهداء المجازر، وصولا لانفجار الغضب في يوم الأرض 30 آذار عام 1767

لا أشك في أن تلك الحملات كانت أكثر إقناعا حين كان أهلنا شبابا، أحزاب ذات خطاب قومي عربي أو إسلامي أو يساري كلها ذات تنظير وطني صرف، مسوغها هو أنه يجب ألا تبقى الساحة خالية للحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي استقطب الناس خوفا حين كانوا بروليتاريا محطمة وعرجاء أنهكها الحكم العسكري، خصيصا بعد اتفاقية أوسلو التي قالت لأهل الداخل بـ"القلم الأشرح" دبروا أنفسكم واعرفوا خلاصكم، مع وضع صيغة هذا التمثيل في الحسبان وكونها مليئة بالمحاذير؛ نحن ممثل للجماهير أمام المؤسسة الحاكمة ولسنا المؤسسة الحاكمة، لا للاشتراك في الحلف الحاكم، لا لكل قانون أو اقتراح صهيوني يضر بالوجود الفلسطيني على طول الخريطة، والأهم هو ما ترسخ آن ذاك بعد أن كانت خطابات "الأسرلة" في عزها والتصويت للأحزاب الصهيونية في أوجه: لا يعقل أن تصوّت ضحية العنصرية للعنصرية.

لا شك في أن من يدرس التمثيل العربي في الكنيست دون انحياز، يلحظ أن الخطاب الفلسطيني النضالي في الداخل اتخذ شكل الدالة التربيعية، متصاعدا من صفر الهزيمة وندوب البقاء على أنقاض البلاد بعد النكبة فوق ركام من جثث شهداء المجازر، وصولا لانفجار الغضب في يوم الأرض 30 آذار عام 1767 التي خاضت فيه جماهير الداخل مواجهات منظمة ونوعية تمخضت عنها تيارات وخطابات ذات مواقف صارمة من الأسرلة ومسألة الانتماء مثل التجمع الوطني الديموقراطي على سبيل المثال لا الحصر، وصولا إلى ما نحن عليه اليوم.

قد تكون للسنوات الأولى من تجربة التمثيل العربي في الكنيست بعض الحسنات أهمها أنه أصبح في الداخل ساحة سياسية فلسطينية، لم نعد مساكين الحزب الشيوعي الإسرائيلي، أصبح هناك مشادات ونقاشات حادة ومزايدات وأكاذيب بشتى أنواعها تدفع المرء للتفكير والمفاضلة، هذا ما لم نكبر عليه نحن الجيل الذي مذ وعينا على الدنيا لا نسمع إلا بالقائمة العربية المشتركة، قائمة تجمع الكل "من الحامض للحلو" بلا جدالات ولا مراجعات، صوتوا لها لكي يكون لكم صوت عربي يقول لا في وجه قوانين مثل منع الأذان، ولقد فرغ اختفاء المنافسة في هذه الحقبة الساحة السياسية لتيارين رئيسين: تيار ينادي بالشعار القديم (لا يعقل أن تصوت ضحية العنصرية للعنصرية) وتيار آخر هو "المقاطعة" تحت شعارين لا ثالث لهما، الأول هو اليأس، أي أننا رأينا  أعلى ما في خيلكم مجتمعين في قائمة واحدة ولا جدوى، والثاني يقع خارج اضطرابات الهوية، يقول منحازا لمركز ثقله الشعبي خارج الخط الأخضر، متحررا من عقلية "الأقلية" التي ترسخ ضمنيا فكرة الرضى بالقليل: لا يعقل أن يكون شعب تحت الاحتلال جزء من العملية الديموقراطية لمحتله.

كانت المقاطعة هي نقطة التقاء اليائسين بالجذريين في الفترة التي انخفضت فيها نسبة التصويت انخفاضها التاريخي، بيد أن تيارا لا يمكن تجاهله من اليائسين نجحت في تلقفه القائمة العربية الموحدة وعلى رأسها منصور عباس الذي انضم للحلف الحاكم برئاسة نتنياهو مقابل وعود بالاعتراف بالقرى العربية المهددة بالإخلاء في النقب، وهذا ليس جديدا فالدوافع لا تقل أهمية عن الخلاصات، الذي يحركه سؤال الجدوى دون محاذير أخلاقية صلبة لا مانع لديه من أن يكون جزء من أي مناورة سياسية، لكن إحدى المحطات الفارقة التي حدثتكم عنها كانت الطريقة التي تلقت فيها القائمة العربية المشتركة هذا التهديد في حين كانت تحشد فيه الجماهير للتصويت لها تحت شعار إسقاط نتنياهو وراج عن قيادات بعض الأحزاب المؤتلفة فيها أنها تعتزم لتحقيق ذلك التحالف مع بيني غانتس، كانت هذه لحظة كوميديّة سوداء بحقّ، هؤلاء يزايدون على عباس لأنه سيتحالف مع اليمين الصهيوني، وهو يرد على المزايدة بمثلها قائلا ما الفرق بين اليمين واليسار الذي تحالفونه؟ لا شيء، وإن كنت أتفق معه في عدم المفاضلة بين يمين ويسار الحركة الصهيونية في عدائها لنا إلا انني وقفت مشدوهة أمام حقيقة أن تحليل المعطيات والوصول إلى تشخيص صحيح لا يعني بالضرورة الوصول إلى خلاصة صحيحة، انطلق منصور عباس من خلاصة "اللا فرق" ذاتها التي يؤمن بها تيار المقاطعة إلى نقيضها تماما، إلى مناورة مدمرة معلومة النتائج، ألا وهي العودة إلى المربع الأول بخفي حنين.

لم أكتب ما كتبته لتقديم إجابة على سؤال أين الداخل فأنا لا أدري، لكنني كتبت لأقول شيئا واحدا هو أن الخصوصية ليست الإجابة، والتمثيل في الكنيست ليس الترياق بل الأفيون، إذا ما قمنا بدراسة جدوى لتجربته مذ بدأت وحتى اليوم نجد أننا خسرنا على مستوى الإنسان وإيمانه بقدراته وشرعية شعوره بجرح الكرامة كدافع كاف للغضب أكثر مما ربحنا

ولا يصح الاعتقاد أن شجاعته هذه تولدت من العدم بل هي مسبحة انفرط عقدها مذ دخل العرب إلى الكنيست وتساقط منها الخرز دفعة دفعة، بدء بالتسليم لأوسلو وخطاب الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة والقدس الشرقية مقابل أقلية ثقافية في الداخل عليها أن تدبر نفسها بنفسها، وليس انتهاء بأن على الأقلية أين ما وجدت بناء التحالفات المصلحية وفي حالتنا مع "اليسار الصهيوني" لأنه أكثر ميلا لتعزيز "سلطة القانون" ويعترف بقراءات "أقل فاشية" من يهود وغير يهود، أو يهود وغوييم، لم نكن لنصل لنقطة الدخول للحلف الحاكم لولا التوطئة المتمثلة بشرعنة بناء التحالفات، ولم نكن لنصل للأخيرة لولا أننا اقتنعنا بأنه لا مفر لنا من اختيار ممثل عنا أمام المؤسسة الحاكمة، وهكذا، حتى بات الانطلاق من أننا أصحاب حق مطلق على الأرض وما تحتها وما عليها ضربا من الهذيان والانفصال عن الواقع، لا عن قناعة بل عن شعور بالضآلة أولا، وكثير من الخوف الذي نتوارثه أبا عن جد منذ الحكم العسكري، عن عودته إذا "شاغبنا"، وعودتنا للموت على قوارع الطريق إذا غادرنا منازلنا بعد الساعة الرابعة عصرا، هذا الأمر الذي اعتقدنا أننا وضعنا له بالترجل من مركبة الخوف في هبة الكرامة حين نصبنا الحواجز بالمثل لمن نصبها لنا، وتبين أن ما انكسر من الخوف ليس أكثر من رأس الصخرة البارز فوق سطح البحر.

نهاية، لم أكتب ما كتبته لتقديم إجابة على سؤال أين الداخل فأنا لا أدري، لكنني كتبت لأقول شيئا واحدا هو أن الخصوصية ليست الإجابة، والتمثيل في الكنيست ليس الترياق بل الأفيون، إذا ما قمنا بدراسة جدوى لتجربته مذ بدأت وحتى اليوم نجد أننا خسرنا على مستوى الإنسان وإيمانه بقدراته وشرعية شعوره بجرح الكرامة كدافع كاف للغضب أكثر مما ربحنا، نسينا أن البديل الممكن والصحيح والأصيل ليس شيء يخترع بل معروف أكدته تجربة عشرات السنين من النضال، وتجارب الشعوب الأخرى: تقوية وتمكين الصالح من الأحزاب ميدانيا، إعادة لجنة متابعة قضايا الجماهير العربية الفلسطينية لتكون جزء من منظومة جامعة للهم الفلسطيني، وتعبئة الجماهير ووعيها من أجل رفع جاهزيتها النضالية لتحقيق مطالبها ومراكمة منجزاتها على المدى البعيد، وبهذا يرجح كلا الخياران معا، لا تصوّت ضحية العنصرية للعنصرية لأنها تجد بديلا، ولا تقع البنى الوطنية للضحية في شرك المؤسسة لأنها لا تستمد منها شيئا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.