تحديات العدالة في سوريا: لماذا يظل قتلة عثمان دون محاسبة؟

لانتشار قوات إدارة العمليات العسكرية في قرية خربة المعزة بريف طرطوس في محافظة اللاذقية غربي سوريا كالة الأنباء السورية (سانا)
انتشار قوات إدارة العمليات العسكرية في محافظة اللاذقية غربي سوريا (سانا)

المشهد الحالي يعيد إلى الذاكرة أحداثًا مشابهة من التاريخ.. مقتل عثمان بن عفان، الخليفة الثالث، وما نشب بعده من الفتنة العظيمة بين المسلمين.

فقد رأى قسم من المسلمين حينها ضرورة محاسبة قتلة عثمان قبل مبايعة خليفة جديد، وكان المرشح للخلافة علي بن أبي طالب، الذي كان له رأي مختلف، ومعه مجموعة كبيرة من الصحابة؛ حيث رأوا أن من الواجب تثبيت الحكم أولًا، وتعيين خليفة للمسلمين، ثم تتم محاسبة القتلة. وكان هذا الرأي مبنيًا على حالة عدم الاستقرار السياسي، إذ كانت الأوضاع الداخلية في الدولة الإسلامية مضطربة، وكان قتلة عثمان يتمتعون بدعم قوي من بعض القبائل، ما جعل تنفيذ القصاص فورًا أمرًا صعبًا.

إن الإجرام الذي تعرّض له الشعب السوري، والمشاهد التي تقشعر لها الأبدان مما يخرج علينا من مسلخ صيدنايا، تعطينا كل الحق في محاسبة المجرمين الذين شاركوا في عذابات الشعب السوري

هنالك مقاربة كبيرة حاليًا بين تلك الأحداث وما يحصل اليوم في سوريا، إذ تُعتبر الحالة السورية هي الأكثر تعقيدًا في المنطقة لعدة أسباب، أبرزها:

  • موقع سوريا الجغرافي والإستراتيجي في المنطقة، ومجاورتها إسرائيل.
  • تضارب مصالح اللاعبين الدوليين في سوريا، وصعوبة إيجاد بديل للأسد يحقق كل هذه التوازنات للدول، حتى لو كان ذلك على حساب شعبه ومصالح دولته كما فعل بشار.
  • العبء الكبير الذي سبَّبه نزوح ولجوء ملايين السوريين إلى دول الجوار والعالم؛ هربًا من محرقة الأسد.
  • تحول سوريا تحت حكم الأسد وأتباعه إلى معامل للكبتاغون والمخدرات، وتسخير مقدرات الدولة للتهريب والتجارة بهذه الممنوعات.

هذه الأسباب وغيرها جعلت تغيير رأس الحكم في سوريا أمرًا غير مرحب به، ما أخر انتصار الثورة السورية ثلاث عشرة سنة، حتى وصلت الأمور إلى نقطة الغليان، وأصبح نظام الأسد عصيًا على التفاهمات السياسية، ما سمح لقوى الثورة باغتنام الفرصة وبدء تحرير سوريا.

إعلان

هذا الأمر لا يكون دون الكثير من الطمأنات والاتفاقات مع الدول، كي تسمح للثوار أن يصلوا إلى دمشق ويسقطوا الأسد، وذلك تحت المراقبة المشددة لمدى التزام الثوار بهذه الشروط.

"شئنا أم أبينا، لا يمكن للسلاح وحده أن يحرر بدون سياسة، ولنا في عام 2014 مثال، حيث حرر الثوار أكثر من 80% من سوريا، ولم يكن هناك إرادة دولية لإسقاط النظام، فما لبث أن تم إعادة تدويره مجددًا بدعم من كبرى الدول".

وفقًا لهذه المعطيات، أصبح لدينا صورة جيدة عن الوضع السوري، وما يُمكن أن يترتب على القيادة الجديدة من تحديات لتجاوز هذه المرحلة.

هذه الثورة فيها تعب وتضحيات سنين دفعناها من دماء أبنائنا، ومن آهات معتقلينا، ومن عذابات مهجرينا. ومشوار إعادة بناء سوريا ليس سهلًا، يحتاج إلى وعي سياسي عميق وتفكير موضوعي دقيق بعيدًا عن العواطف

ما هي السيناريوهات المتاحة؟

إن الإجرام الذي تعرض له الشعب السوري، والمشاهد التي تقشعر لها الأبدان مما يخرج علينا من مسلخ صيدنايا، تعطينا كل الحق في محاسبة المجرمين الذين شاركوا في عذابات الشعب السوري، وأولياء الدم أحق أن يقتصوا من القتلة، فهذا حق لا يمكن التفاوض عليه.

لكن لنا أن نتساءل عن كيفية تنفيذ القصاص، وكيف سيتم التمييز بين الثارات الشخصية والقصاص المشروع؟ كيف سيتم ضبط حالات الثأر العكسي والدفاع عن النفس؟ ألا يعتبر هذا إيذانًا ببدء حرب أهلية تدمر ما بنيناه وتضع مسيرة الثورة وبناء سوريا الجديدة على المحك؟

وعلى الجانب الآخر، هناك خيار تأجيل محاسبة قتلة عثمان لما بعد لم شمل الشأن السوري وتمكين الدولة، لوضع أسس الحكم وترتيب الشأنين الخارجي والداخلي، ولا أحد يستطيع أن يقف في وجه المطالب المحقة في القصاص من بشار وكل من أجرم بحق الشعب السوري، ما دام الشعب يسلك الطريق الصحيح في تحقيق ذلك. وجر البلاد إلى اقتتال داخلي ليس في مصلحة أحد سوى فلول الأسد، وهو حكم مسبق على فشل الثورة في قيادة سوريا ما بعد الأسد.

هذه الثورة فيها تعب وتضحيات سنين دفعناها من دماء أبنائنا، ومن آهات معتقلينا، ومن عذابات مهجرينا. ومشوار إعادة بناء سوريا ليس سهلًا، يحتاج إلى وعي سياسي عميق وتفكير موضوعي دقيق بعيدًا عن العواطف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان