حضرة السيد "أبو عبيدة"، الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قبل أقل من عام من الآن كنت قد أرسلت رسالة مفتوحة -عبر هذا المنبر- إلى حضرة القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام، ذكّرت فيها حينها بأن العالم يقف على رجل واحدة، ولم يلتقط أنفاسه حتى ذلك الحين، ولكني لم أتلقَّ أي رد! وأنا أتفهم ذلك لما يعرفه القطاع من ظروف أمنية غير مسبوقة، وهو ما دفعني – بعد عدة أشهر – إلى أن أتوجه إلى السيد يحيى إبراهيم حسن السنوار، رئيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة، بصفته قائدًا سياسيًا، والمسؤول الأول عن حركة المقاومة في قطاع غزة الصامدة.
قلت له حينها: سيدي الرئيس، قد تواترت الأخبار من الأعداء والخصوم والأشقاء على أنك أنت من اتخذ قرار الهجوم النوعي على دولة "إسرائيل" التي تعتقد جازمة أنك مهندس عملية "طوفان الأقصى"، لذلك وضعَتك على رأس لائحة المطلوبين لديها، ولا أحد غيرك يمكن أن يقدم جوابًا مقنعًا على الاستفسارات والتساؤلات التي عمت ملايين المتابعين لهذه الحرب في هذا العالم".
في صباح السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تغير كل شيء في هذا العالم؛ فقد صدمتم العالم، بل قد تجرأتم وعبثتم بإعدادات العالم! فلم تتلاعبوا فقط بأقوى "دولة" في الشرق الأوسط، بل قد جعلتموها فعلًا أضحوكة أمام العالم؟
ومعلوم أنني راسلت السيد السنوار، وهو حينها رئيس حركة المقاومة في غزة، ولم أتلقَّ منه أي رد، فما بالك به بعد أن أصبح هو رئيس حركة المقاومة الإسلامية حماس، بعد استشهاد سلفه "أبو العبد" إسماعيل هنية؟ إنه بحكم منصبه الجديد أصبح يخاطب أصحاب الفخامة؛ إذ بعث السنوار بعد توليه رئاسة الحركة رسالة تهنئة إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، كما راسل أمين عام حزب الله اللبناني الراحل حسن نصر الله، وبعث أيضًا برسالة خاصة إلى زعيم جماعة أنصار الله اليمنية السيد عبد الملك الحوثي.
وها أنا الآن أتوجه إليك بعد عام من الطوفان، وما زالت الأسئلة تتلاطم وتتزاحم في أذهان الملايين من المتابعين الذين ينتظرون ظهورك في أي لحظة وحين، لعلك تبدد بعض الغموض، وتزيل الغشاوة، وتثبّت المؤمنين، وتكشف ضلال المضلين من الأعداء والأشقاء، وكثير من المندسين والملتحين..!
ونحن نعيش أجواء الذكرى الأولى لانطلاق ما أطلقتم عليه "طوفان الأقصى"، لا بأس أن أذكّرك بالاستفسارات التي وجهتها للسيد يحيى السنوار، وقبل ذلك السيد القائد العام، إذ قلت له: "… واسمح لي أن أستفسرك شخصيًا بوصفك قائدًا عسكريًا اتخذ ذلك القرار، ربما باستشارة مع رفيق دربك السنوار! لقد اتخذتم قرارًا خطيرًا بتحطيم صورة رابع أكبر جيش في العالم، في غفلة من مخابرات العالم، واستخفاف بـ"عبقرية" أقوى جيش مدلل في العالم، فهل أنتم مدركون حقًا ماذا فعلتم بهذا العالم؟!".
لقد كان العالم نائمًا آمنًا مطمئنًا في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول، يختزن في ذهنه كل تلك القناعات التي أصبحت من المسلمات: فـ "إسرائيل" رمز العبقرية اليهودية وقبلة تفوق التكنولوجيا العالية، وجيشها "لا يقهر"، وجدارها الذكي لا يخترق، وبرامجها التجسسية تتسابق عليها دول العالم.. ولكن في صباح السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تغير كل شيء في هذا العالم؛ فقد صدمتم العالم، بل قد تجرأتم وعبثتم بإعدادات العالم! فلم تتلاعبوا فقط بأقوى "دولة" في الشرق الأوسط، بل قد جعلتموها فعلًا أضحوكة أمام العالم؟
وقبل أن أختم رسالتي للسيد القائد العام قلت له أيضًا : بالله عليكم، هل فكرتم في ذوي القلوب الضعيفة بيننا؟ أفتّان أنت يا أبا خالد؟
هل تعلم أن من بيننا من لم يصدق حتى الآن أنكم أنتم من فعلها؟ ومنا من يؤمن إيمانًا جازمًا بأنكم وقعتم في فخ إيراني! بل منا من يرى بأن "إسرائيل" هي التي سمحت لكم باقتحام الجدار!! وأنكم شاركتم في مؤامرة هدفها "نكبة" جديدة في غزة! أرأيتم ماذا فعلتم بالأمة بعد طوفان الأقصى؟
ألم يطلقوا عليك لقب "الناطق باسم الأمة"؟ فقد ترك كثير من الملتحين وصيتك، بل تحمسوا لعكسها تمامًا؛ فبدل أن يوجهوا الأمة لعدوها الأوحد، ها هم بعض "العلماء" والدعاة يحولون أنظار الأمة بعيدًا عن المعركة الأهم، ويصطفون مع المعتدين الصهاينة ويفرحون معهم
جاء دورك يا أبا عبيدة
وأنا أتابع "معارك" التطاحن والتنازع بين أبناء الأمة الواحدة، وإصرار البعض على إثارة الحروب الطائفية في عز استهداف العدو الصهيوني من محور المقاومة الإسلامية، تذكرت كلمتك التي وجهتها للعلماء في الذكرى 35 لانطلاق حركة حماس، إذ ذكّرتهم بأن "واجب الوقت اليوم هو الذود عن مسرى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومعراجه، وأن أهل الثغور في فلسطين يعملون الليل والنهار من أجل كرامة هذه الأمة في وجه عدوها الأوحد، فكونوا لإخوانكم المجاهدين والمقاومين سندًا ونصيرًا، واشحذوا سيوف أقلامكم في اتجاه المعركة الأهم، ووجهوا الطاقات الكامنة والكبيرة في هذه الأمة نحو فلسطين، وصوب معركة اقتلاع هذا المرض الخبيث من قلب الأمة، بدلًا من التطاحن والتنازع والفرقة، والمعارك الجانبية التي لم تزد أمتنا إلا وهنًا وتراجعًا، وأعطت الوقت لأعدائنا ليصلوا إلى مرحلة خطيرة من المساس بأقدس مقدسات أمتنا".
أدرك أمتك يا أبا عبيدة!
ألم يطلقوا عليك لقب "الناطق باسم الأمة"؟ فقد ترك كثير من الملتحين وصيتك، بل تحمسوا لعكسها تمامًا؛ فبدل أن يوجهوا الأمة لعدوها الأوحد، ها هم بعض "العلماء" والدعاة ذوي الأفق الضيق يحولون أنظار الأمة بعيدًا عن المعركة الأهم، التي هدفها اقتلاع ما أسميته "المرض الخبيث"، ويركزون بحماس غريب على رفاق الدم والسلاح، وينخرطون بجهل أو بعمالة في المعارك الجانبية، ويصطفون مع المعتدين الصهاينة ويفرحون معهم، مبررين ذلك بأنهم يذودون عن الصحابة – رضوان الله عليهم – ومنهج الصحابة براء من هؤلاء!
ففي الوقت الذي باركت فيه الردّ الإيراني الذي طال كامل جغرافيا فلسطين المحتلة، ووجّه ضربةً قويةً للاحتلال المجرم، تولى الشيطان فجمع كيده ثم أتى، فخرجت علينا قنواته، وجوقة إعلامييه، والكثير من الحشرات الإلكترونية مدعومة من بعض الوجوه الملتحية ودعاة الحروب الطائفية؛ فقد ركزوا جميعًا على تبخيس الصواريخ الإيرانية، ووصفوا العملية كلها بأنها مجرد مسرحية!
فأنت وصفت يوم الرد الإيراني بأنه "يومٌ استثنائي في تاريخ الصراع، إذ تقاطعت فيه نيران مقاومي الأمة في سماء فلسطين، وتعرّضت فيه تل أبيب لضربات المجاهدين من لبنان واليمن وفلسطين وإيران". وهنا تميز الصفان، وبرز من يحزن مع العدو الأوحد ويفرح معه إذا سقط رفيق الدم والسلاح !
إنها المصالح العليا للأمة، يجري الآن تجريفها على الهواء مباشرة على لسان العملاء .. فماذا أنتم فاعلون؟
سمعنا حماس ترحب بالقصف الإيراني، بل قد وصفته بـ "الرد المشرّف"، إضافة إلى تسجيل اعتزازكم بالإخوة في إيران، وتقديركم لوقوفهم في وجه الغطرسة الصهيونية المنفلتة، وانحيازهم إلى قيم العدالة ومظلومية شعبنا الفلسطيني، والشعب اللبناني ومصالح الأمَّة العليا".
إنها المصالح العليا للأمة، يجري الآن تجريفها على الهواء مباشرة على لسان العملاء وبعض "العلماء" ذوي الأفق الضيق.. فماذا أنتم فاعلون؟
في انتظار ردكم.. تقبلوا فائق التقدير والاحترام.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

