الحقوق بين السلام والقوة

غارات جوية إسرائيلية متتالية على الضاحية الجنوبية لبيروت (وكالة الأناضول)

منذ زيارة الرئيس الراحل أنور السادات تلّ أبيب عام 1977 مرورًا بتلك المعاهدات التي سُميت بـ "معاهدات السلام"، من كامب ديفيد 1979 إلى اتفاقية أوسلو عام 1993، واتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل في 1994، وصولًا إلى الاتفاقيات والمفاوضات والمبادرات التي طرحت في قمة فاس عام 1981، وفي قمة بيروت عام 2002 عبر "المبادرة العربية للسلام"، التي نصّت على التطبيع الكامل مع إسرائيل، مقابل السلام، وبإجماع عربي كامل العدد.. منذ ذلك التشظّي يزداد الوضع سوءًا وانكشافًا على الخدعة الكبرى التي لم ولن تكون مسارًا سلميًا يراد منه استقرار المنطقة.

فجميع تلك المعاهدات ببروتوكولاتها الباذخة؛ لم تؤتِ ثمارها، لكونها كانت فرضًا تديره الهيمنة الغربية، ويبتعد كل البعد عن وضع  ضمانات لحقوق الشعب الفلسطيني وتحقيق سلام فعلي على أرض الواقع، فجميعها كانت تحت شرط الإذعان، ووعودًا جوفاء بحل القضية المصيرية، مع استمرار سياسة القمع والإبادة ضد الفلسطينيين الذين لم يشتدّ بنيانهم إلا بهم.

القومية الإسلامية في ظاهرها، ومن أرض الواقع؛ هي التي أعادت تشكيل المشهد السياسي في مواجهة الاحتلال، حيث إن الاعتبار في الجنوح نحو الرد بالمثل وبالقوة ذاتها "لكل فعل رد فعل" هو الأجدى والأبقى

مع ذلك التسويف الذي أنهك الزمن، وأعطى الكيان المحتل فرصة لتمديد مساحة الاستيطان، ووضع المخططات التي كانت بدعم أوروبي وأميركي سافر.. كانت القومية العربية تتشظى وتتفكك عبر ظهور قوميات وطنية مهزوزة، ركزت في ظاهرها وباطنها على تحقيق مصالح فردية للدول، بعدما كانت في أوج ثورانها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي لمواجهة إسرائيل، وتوحيد الجهود العربية لدرء التهديدات الخارجية. لذلك كانت التوجهات الشعبوية تبحث عن التفاف فعلي حول قومية أكثر ثباتًا من حيث قوة المحرك والمبدأ المتكئ على التاريخ الحضاري للأمة الإسلامية.

الأحداث تتصاعد بشكل سريع في الأراضي الفلسطينية، يقابلها صمت عربي مهزوم، وانحطاط قيمي وسياسي لا يراعي إلًا ولا ذمة في المبادئ الإنسانية؛ لذا كان من الضروري العودة إلى المنهجية التي تركن إليها الفطرة السوية، وتصحيح مسار القومية الإسلامية التي أنهكتها الخلافات المذهبية والطائفية المقيتة، التي سُلّطت عليها لإضعاف الثقة بين الأجيال بالعقيدة السوية، والنزع بهم نحو الفكر الانحلالي الذي يشبع الرغبات دون تعزيز فلسفة التفكير الروحي، وبالتالي فإن إحياء الأصل المعتمد على وحدة العقيدة والمصالح المشتركة هو الحلّ، والأساس الذي يواجه التحديات، ويعيد الحقوق للشعب الفلسطينيّ.

إعلان

القومية الإسلامية في ظاهرها، ومن أرض الواقع؛ هي التي أعادت تشكيل المشهد السياسي في مواجهة الاحتلال، حيث إن الاعتبار في الجنوح نحو الرد بالمثل وبالقوة ذاتها "لكل فعل رد فعل" هو الأجدى والأبقى، وليس اتباع منهجية سراب السلام، التي لم تكن يومًا مفتاحًا لإرجاع الحقوق المسلوبة، بل كانت حجر عثرة في إيقاظ الشعوب من غفلة طالت وامتدت لأجيال كثيرة.

باتت وجوه الأنظمة العربية تتوارى خذلانًا وخجلًا من إيمانها بخدعة التسويات والتطبيع مع إسرائيل، التي لم تحقق استقرارًا كما كانت تزعم عرابة الحلول السلمية؛ فتلك الأنظمة راهنت على طائرة الورق التي لم تكن يومًا إلا ورقًا مهترئًا

أثر طوفان الأقصى والضربة الإيرانية على ميزان القوى

أكمل طوفان الأقصى عامه الأول، وهو الذي غير مجريات الأحداث، وأعاد تشكيل مسار القومية الإسلامية، لأنه كان ينطلق من مبدأ إسلامي بحت في مقاومة المحتل، وهو رسالة صريحة في إثبات أن التأثير العسكري يبقى الحل الذي لا يمكن أن تحيد عنه المقاومة في إطارها الدفاعي الذي يقف في وجه الانتهاكات الإسرائيلية، ويدفع بمجلس الأمن الدولي لتبني سياسات أكثر ثباتًا ووضوحًا للقضية، ناهيك عن إعادة صياغة الفهم العالمي الحر لما تقوم به آلة الحرب الصهيونية تجاه الشعب الأعزل، بعدما انكشفت الحقائق وبانت للقاصي والداني.

لقد استطاع طوفان الأقصى أن يعيد للذات الإسلامية هيبتها، ويمرغ الهيمنة الإسرائيلية والأميركية في وحل السلام الذي بنوه ريبة فانهار بهم إلى جرف هار، ما أثبت للعالم أن الفلسطينيين قادرون على الذود عن حياض ترابهم، واستعادة زمام المبادرة، وإعادة القدسية للأقصى الشريف؛ فلا خيار إلا القوة التي يجب أن تركن إليها المقاومة وتعرّف بها عن نفسها، وسط مسلسل الخيانات التي لم يشهدها التاريخ العربي قاطبة.. فهي التي أعادت الحسابات من جديد، وأوجدت خيط التوازن الإقليمي في المنطقة.

وجاءت ضربة إيرانية في العمق الإسرائيلي، وبعد صبر طويل واغتيالات لم تزد الطين إلا بلة؛ ومهما كان تفسيرها وتحديد موضع ونقطة انطلاقها المباشرة أو عبر الحلفاء في المنطقة، فهي تؤكد على أن البعد الجيوسياسي لميزان القوى – بعد إن بلغ السيل الزبى – يتشكل من جديد، ويزيح الغمام عن صدق النوايا تجاه قضية الشعب الفلسطيني؛ فتلك الأحداث كانت البيان الأشمل لنقاط الضعف للكيان المغتصب، والتي من المؤكد ستكون الأكثر إيلامًا عندما لا تكون ردًا فقط على ما تقوم به إسرائيل، وإنما تصبح تعريفًا بأن الحق لا يسترد إلا بقوة أصحابه، وأنهم ذوو بأس شديد، وسيدخلون عليهم الباب في ظل إحياء فلسفة الكفاح والمقاومة، التي يجب تفعيلها حتى يأتي أمر الله.

لقد باتت وجوه الأنظمة العربية تتوارى خذلانًا وخجلًا من إيمانها بخدعة التسويات والتطبيع مع إسرائيل، التي لم تحقق استقرارًا كما كانت تزعم عرابة الحلول السلمية؛ فتلك الأنظمة راهنت على طائرة الورق التي لم تكن يومًا إلا ورقًا مهترئًا، لذلك فقد آن الأوان لإعادة النظر والاستفادة من أبجديات الرد بالمثل، بقوة الشعوب التي انكسرت عقودًا من الزمن؛ لأن القوة هي التي تتحكم في طاولة المفاوضات، واستنفار التجهيزات النضالية والأمنية خارجيًا وليس داخليًا.. فالشعوب الحرة تدرك واجباتها حتى وإن كانت قياداتها تسعى لتثبيت أركانها الزائلة.

كل تطبيع أو سلام لا يولد إلا انقسامات هُيئت لها الشعوب واحتضنتها لضحالة الأولويات لديها، وانعدام ارتباطها بمبادئها التي لوّثها صخب الحياة، والجنوح إلى الماديات المبنية على المشاعر السطحية، والوقوع في ثقافة الاستعباد والتبعية العمياء لشعوب لم تعش كرامتها الفكرية والروحية

القومية الإسلاميّة

في خضم تسارع الأحداث والرغبة الشعبية الحرة بالارتكان إلى قومية أشمل وأعمّ، فإنه آن الأوان للعمل وفق مقتضيات البعد القومي الإسلامي من خلال استعادة القومية الإسلامية قوتها ومكانتها التاريخية، باعتبارها مشروعًا حضاريًّا شاملًا يعزز الوحدة، وليس مجرد فكرة دينية تؤطرها الخلافات المذهبية أو العرقية، وقد أثبت الغرب في نواياه الظاهرة والخفية أن هدفه تقويض هذه القومية وتشتيت شملها، لأن حروبه ونزاعاته تبنى على دوافع دينية.. فمتى نعي الدروس ونستيقظ من سباتنا الذي طال كثيرًا؟ ومتى نغرد خارج إطار نماذج قومية العرقيات، التي أثبتت أنانيتها المحددة، وفشلها في مواجهة التحديات؟

إعلان

ندرك جميعًا أنه لا يوجد سلام حقيقي، ولا يمكن أن نتحرك وفق قومية مهزوزة، ولا يمكن أن نعزز موقفنا الإسلامي إن لم يكن هناك سيادة للقرار الإسلامي، بعيدًا عن الهيمنة الغربية التي لم تحقق إلا الانقسامات والتشتت، كما أن تجاوز التأزم التأريخي للقومية الإسلامية الذي يجتره المتربصون ضروري جدًا لرأب الصدع وتجاوز مرحلة الشقاق، وهذا ما يؤكده سماحة المفتي العام لسلطنة عُمان، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، إذ يقول: "إن القضايا التي أتى عليها الدهر وتجاوزها التأريخ لا ينبغي استجرارها في هذا الوقت، فحسبنا إرشاد الله تعالى إلى تناسيها"، داعیًا إلی طي صفحتها وتفادي إثارتها التي لا تؤدي إلا إلی الشقاق.

فكل تطبيع أو سلام لا يولد إلا انقسامات هُيئت لها الشعوب واحتضنتها لضحالة الأولويات لديها، وانعدام ارتباطها بمبادئها التي لوثها صخب الحياة، والجنوح إلى الماديات المبنية على المشاعر السطحية، والوقوع في ثقافة الاستعباد والتبعية العمياء لشعوب لم تعش كرامتها الفكرية والروحية، وإنما باتت رهينة سجن مفتوح تغدو فيه خماصًا وتعود أكثر مسغبة ومخمصة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان