بعض الدعاة والمثقفين يقسمون المسلمين إلى فسطاطين في الأحداث الجارية اليوم، ويصرون على تصنيف الناس بحسب مساطرهم المزدوجة، ويقرؤون سردية صراع المشاريع بلغة الشعر والأدب، وينظرون بعين الريبة في كل من انتقد رأيهم واستدرك على قولهم!
أقول لهم: حنانيكم، فلا تعيبوا على الآخرين ما تبيحونه لأنفسكم! فتضيقوا واسعًا على آراء الناس، وتمارسوا الوصاية الخفية، كأنكم وحدكم من يفهم في المصالح والسياسة، والمآلات والمقاصد، والسلم والحرب، وموازين القوة والضعف، والتاريخ والجغرافيا والطبّ!!
منطق العدل يوجب علينا إعمال موازين العلم والموضوعية، وعدم تضخيم أحد أطراف المعادلة حتى تصبح ورمًا يحجب عن عين البصيرة الرؤيةَ المتزنة؛ فلا نمنع أصحاب الحقوق الذين سُفكت دماؤهم
الأحداث ولّادة تأتي بكل عجيب، بخاصة إذا كانت "القابلة" هي الأنظمة السياسية التي لا دين يمنعها، ولا منطق يردعها. كما أن تاريخ النضال لا يقاس بأعمارنا المحدودة وإن طالت، ولا يستجيب لعواطفنا المحمومة وإن تسامت.. أما ثمراته ونتائجه، فلا تظهر إلا على مُكثٍ، عبر تراكمات متوالية تتأبى أحيانًا حتى على الرصد والعد، فضلًا عن الجزم والحد.
رسالة العالِم والمثقف رسالة عظيمة متعددة الأنحاء، ومن واجباته تخفيف حيرة الناس، وتجنب كل ما يزيد طينهم بلة، فلا يتعجلْ هؤلاء الأمر قبل أوانه، حتى ينجلي غبار هذا الحدث الكبير، ولا يستجِب أعيانهم لمنطق تسجيل المواقف، وتحشيد الأتباع، وتأجيج الجماهير في اتجاهات ليست في وسع عموم الناس!
ما نحتاجه اليوم – بحسب تقديري – هو وزن الأمر بالقسطاس المستقيم، وتقديم "مقاربة سُنية"، توحّد الجهود العملية لنصرة غزة ومُشاغلة العدو، ومعالجة آثار الحرب على أهلنا، من أي طرف أتت، دون إنكار ولا تنكّر لدماء المسلمين وأعراضهم وترابهم، التي ولغ فيها – وما زال – حليف هذه الجولة "العابرة".
هي "معادلة" حرجة دون أدنى شك، ولكن منطق العدل يوجب علينا إعمال موازين العلم والموضوعية، وعدم تضخيم أحد أطراف المعادلة حتى تصبح ورمًا يحجب عن عين البصيرة الرؤيةَ المتزنة؛ فلا نمنع أصحاب الحقوق الذين سُفكت دماؤهم، وانتُهكت أعراضهم، وأُخرجوا من ديارهم، وسُجِن أخيارُهم، استجابة لمنطق أصحاب "التشيع السياسي"، ولا نشتت الجهود ونبدد الطاقات ونمنع التحالفات خوفًا من "سياسة التشيع".
خارطة "إسرائيل الكبرى"، التي أعلنها نتنياهو، تتجاوز حدود فلسطين، لتشمل إعادة تشكيل جغرافيا الشرق الأوسط
الحقيقة التي ينبغي التذكير بها، هي أن الصراع ينطوي على بُعد "قومي إثني" عميق، وليس مجرد سنة وشيعة، وعلى شيعة العرب – قبل سُنتهم – أن يتفطنوا لذلك، ويحسبوا له حسابه.
كما أن إيران ليست جمعية خيرية لرعاية الضعفاء والمستضعفين من أهل القبلة، كما يظن بعض الطيبين!! بل هي دولة لها مشروعها السياسي والعسكري والتوسعي، الذي لا يحابي أحدًا إذا تقاطع مع مشروعها ومصالحها، حتى لو كان "حزبها" التي أنشأته! وهي تحسن تمامًا توظيف العاطفة الدينية والبعد الأيديولوجي والتاريخي في إدارة الصراع، وهي على تواصل دبلوماسي – إن لم يكن هناك تنسيق – مستمر حتى مع خصومها!
كما أن الكيان الصهيوني دولة لها مشروع سياسي عسكري توسعي كذلك، وتحسن توظيف العاطفة الدينية وأحلام اليهود في صراعها.
أما نحن فنعاني من الاثنين معًا؛ فلا دولةَ ولا مشروعَ!!
خارطة "إسرائيل الكبرى"، التي أعلنها نتنياهو، وهي تتجاوز حدود فلسطين، لتشمل إعادة تشكيل جغرافيا الشرق الأوسط، لعلها تكون ناقوس خطر حقيقي، كي تتجاوز أنظمة المنطقة خلافاتها مع بعضها، وتعيد استيعاب نخبها وحشد طاقاتها، للخروج بمشروع ردع إسلامي قومي قبل فوات الأوان، يمنع رضوخ المنطقة لتقسيم أميركي جديد.
طبيعة السنن الكونية غلّابة، لا تستجيب لعواطفنا ولا تتنصر لمظالمنا إلا إذا أخذنا بأسباب القوة والنهوض وفق نواميس الكون
ينبغي أن نعترف – ولو خُفيةً – بأن ما نراه اليوم هو "ثمرة مُرّة" لأزمة باضت وفرخت وامتدت عبر عقود، وتضافرت على غرسها واستنباتها وسقايتها ورعايتها أطراف كثيرة، وأسباب عديدة، ولا يمكن التخلص من هذه العوامل بين عشية وضحاها.
وطبيعة السنن الكونية غلّابة، لا تستجيب لعواطفنا ولا تتنصر لمظالمنا إلا إذا أخذنا بأسباب القوة والنهوض وفق نواميس الكون، التي لا تحابي مؤمنًا على كافر، بل يمد الله بها "هؤلاء وهؤلاء مِن عطاء ربِّكَ وما كان عطاء ربِّكَ محظورًا".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

