في المقالة السابقة وصلنا إلى القول إن الأحاديث الواردة في طاعة أولي الأمر، وقبلها الآيات الكريمات، التي قد تكون من باب المشكل، إذ قد يظهر تعارضها في بادي الرأي، هذه لا تفهم على انفرادها، أو كل حديث منها على حدة، فبالإضافة إلى ما سبق تقريره من الرجوع إلى واقع البيئة التي نزل فيها القرآن، وما كان عليه العرب من الأنفة والتمرد والعصيان، فلا جرم أن جمع تلك الأحاديث والآيات المشكلة هو السداد المنهجي في فهم النصوص المتقابلة والمتعارضة في الظاهر.
إذا فهمنا ما كان عليه العرب من الأنفة وعدم الطاعة، وما ورد من أحاديث في مقابل ذلك أدركنا لا محالة مقصود الشرع من تلك الأحاديث، وسياسته المتبعة في حمل أولئك العرب على الانضباط
وأشرنا إلى أن من أفضل القواعد المنهجية في هذا الشأن قاعدة ذهبية نفيسة سطرها يراع الإمام الشاطبي، نص عليها في موافقاته، وهي من الأهمية بمكان، إذ تحل إشكال النصوص المتقابلة وارتباطها بالواقع التنزيلي، وهي راجعة عنده إلى وسطية الشريعة.. وهنا نأتي إلى بيانها.
قرر – رحمه الله – القاعدة في (المسألة الثانية عشرة) من (النوع الثالث: في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها) بقوله: "الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جارٍ على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال.. فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين، كان التشريع رادًّا إلى الوسط الأعدل، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر، ليحصل الاعتدال فيه".
ثم طفق الشاطبي يبين هذه القاعدة فيما بقي بالأمثلة النقلية، والتجربة الشاطبية، كل ذلك مبني عنده على مبدأ التقابل، غير أنه قعّدها وأصّلها تأصيلًا محكمًا في فصل خاص، فقال: "فإذا نظرت في كلية شرعية، فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلًا إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع، أو متوقع في الطرف الآخر:
فطرف التشديد – وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر – يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين. وطرف التخفيف – وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص – يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا، ولا ذاك، رأيت التوسط لائحًا، ومسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يُرجع إليه والمعقل الذي يُلجأ إليه".
وهذه القاعدة الشاطبية النفيسة، تعبر عن مسلك الشرع في التعامل وحل إشكال المتقابلات الواقعية، والتي لها علاقة بميولات النفوس، التي غالبًا ما تحيد عن الاعتدال والوسطية، من جراء النوازع النفسية الطاغية والجاذبة إلى طرف من الأطراف.
ولا ينفك هذا المنحى من أن يكون منحى معتبرًا عند الراسخين في العلم، عند معالجتهم قضايا الواقع ومستجداته، وهو ما ألمع إليه الشاطبي في آخر القاعدة بقوله: "وعلى هذا إذا رأيت في النقل من المعتبرين في الدين من مال عن التوسط، فاعلم أن ذلك مراعاة منه لطرف واقع أو متوقع في الجهة الأخرى".
وقد ألفيت الإمام الغزالي – وهو من المعتبرين في الدين – قد سبق أن نبّه إلى هذا المسلك، وأوجب على الواعظ أن يعالج أخلاق الناس به، حينما يطغى عليهم سلوك أو خلق على حساب آخر، متجاوزين في ذلك حد الوسط، وفي ذلك يقول رحمه الله: "يجب أن يكون واعظ الخلق متلطفًا، ناظرًا إلى مواقع العلل، معالجًا لكل علة بما يضادها، لا بما يزيد فيها، فإن المطلوب هو العدل والقصد في الصفات والأخلاق كلها، وخير الأمور أوساطها، فإذا جاوز الوسط إلى أحد الطرفين، عولج بما يرده إلى الوسط، لا بما يزيد في ميله عن الوسط".
إذا فهمنا ما كان عليه العرب من الأنفة وعدم الطاعة، وما ورد من أحاديث في مقابل ذلك على ضوء هذه القاعدة الشاطبية، أدركنا لا محالة مقصود الشرع من تلك الأحاديث، وسياسته المتبعة في حمل أولئك العرب على الانضباط، وإلزامهم بمبدأ الطاعة، فإذن هو طرف في مقابل طرف آخر. وإلا فالأصل الاعتدال والتوسط.
الشارع الحكيم، لا يدع تجمعًا بشريًا قل أو كثر من غير ولاية وإمامة وإمارة، ففي الصلاة جعل لها إمامًا وأمر الناس باتباعه
هذه السياسة الشرعية، بناء على هذه القاعدة الشاطبية، يجلّيها إمام المقاصد في عصرنا، فضيلة أستاذنا العلامة أحمد الريسوني حفظه الله بقوله: "إن سياسة الشرع مع أي مصلحة مفقودة أو فيها تفريط وتضييع، أن يشدد فيها ويعظم شأنها، لكي يدفع الناس إلى إقامتها واحترامها. وسياسته مع أي مصلحة يبالَغ في إقامتها وتضخيمها والإسراف فيها، أن يُزهِّد فيها ويُهون شأنها، حتى يعود الناس إلى الاعتدال فيها.
ولما كان العرب قبل الإسلام، يأنفون من الانقياد والانتظام تحت أي إمرة، وألفوا الحياة بدون سلطان ولا دولة، حثهم الإسلام – في عهدهم الإسلامي الجديد – على طاعة أولي الأمر، وكرر ذلك عليهم حتى التزموا به.
فلما خالطوا الفرس والروم، واقتبسوا من نظمهم وعاداتهم، سادهم الاستبداد والإفراط في طاعة أولي الأمر، طوعًا وكرهًا، وفقدوا حريتهم في الرأي والمبادرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فأصبح لزامًا على العلماء والدعاة أن يعملوا على إعادة الاعتدال إلى طاعة أولي الأمر، وأن يحاربوا الاستبداد والفائض الكبير في الطاعة والتطويع".
وإذا أنعمنا النظر في الأحاديث الواردة في طاعة ولي الأمر، وحكّمنا النظر المقاصدي، ظهر لنا أن من مقاصد الشارع الحكيم أن ينتظم أمر الناس تحت ولاية الأمر الشرعية، التي يختار الناس فيها من يلي أمرهم بحرية ونزاهة وشورى حقيقية، لا موجهة ولا صورية، حتى يستقيم حال الناس بالعدل، وتنصلح عمارة الأرض، ويتحقق المقصود الأعظم والغرض الأجلّ، وهو التعبد للمولى الأكرم.
ولهذا ألفينا الشارع الحكيم، لا يدع تجمعًا بشريًا قل أو كثر من غير ولاية وإمامة وإمارة، ففي الصلاة جعل لها إمامًا وأمر الناس باتباعه، وألا يختلفوا عليه، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعين، أقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة".
وفي الجهاد جعل له أميرًا وقائدًا على رأس الجيش، وأمرهم أن يقاتلوا كأنهم بنيان مرصوص، قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّه يحبُّ الَّذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنَّهم بُنيانٌ مرصوص﴾ [الصف: 4]، لأن اصطفاف الجيش وانتظامه مثل البنيان المرصوص يحتاج إلى تدبير وخبرة وحنكة وتجربة، ولا يمكن أن يحصل ذلك من غير أمير وقائد للجيش تجب طاعته.
وعن هذا البنيان المرصوص الذي أمرت به الآية الكريمة، حتى أوجبت محبة الله لعباده المقاتلين في سبيله، يقول الإمام الطبري: "يعني بذلك أنهم يقاتلون أعداء الله مصطفّين. وقوله: ﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾ يقول: يقاتلون في سبيل الله صفًا مصطفًا كأنهم في اصطفافهم هنالك حيطان مبنية، قد رص فأحكم وأتقن، فلا يغادر منه شيئًا".
وقد بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سرايا وأمَّر عليها بعض الصحابة، فأرسل سرية إلى سيف البحر، وأمر عليها حمزة بن عبدالمطلب بن هاشم في ثلاثين رجلًا، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة. كما بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عبيدة بن الحارث بن عبدلمطلب في ستين راكبًا من المهاجرين إلى موطن يدعى بطن رابغ، وكان ذلك أيضًا في السنة الأولى من الهجرة. وكان
هذا هو منهجه ومسلكه – عليه الصلاة والسلام – إما أن يكون هو القائد بنفسه للغزوات، وإما أن يبعث بسرايا ويؤمّر عليها أحدًا من صحابته الكرام، رضوان الله عليهم. ولم يكن من شأنه ولا من سنته أن يتركهم هكذا دون قيادة.
وفي السفر أمر باتخاذ الأمير، الذي يجمع الكلمة ويوحد صف المسافرين، فعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم". قال الإمام الخطابي في بيان هذا الحديث: "إنما أمر بذلك ليكون أمرهم جميعًا، ولا يتفرق بهم الرأي، ولا يقع بينهم خلاف فيعنتوا. وفيه دليل على أن الرجلين إذا حكّما رجلًا بينهما في قضية فقضى بالحق فقد نفذ حكمه".
من مقاصد الشريعة أن تنظّم الناس تحت قيادة أمير، يسوس أمرهم، ويلي شؤونهم، بالعدل والشورى، لا بالاستبداد والطغيان، والمنطق الفرعوني المبني على سياسة "لا أريكم إلا ما أرى"
وبيّن الإمام الغزالي – رحمه الله – الحاجة إلى الأمير في السفر وفي غيره بقوله: "وإنما يحتاج إلى الأمير لأن الآراء تختلف في تعيين المنازل والطرق ومصالح السفر، ولا نظام إلا في الوحدة، ولا فساد إلا في الكثرة، وإنما انتظم أمر العالم؛ لأن مدبر الكل واحد ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾، ومهما كان المدبر واحدًا انتظم أمر التدبير، وإذا كثر المدبرون فسدت الأمور في الحضر والسفر، إلا أن مواطن الإقامة لا تخلو عن أمير عام كأمير البلد، وأمير خاص كرب الدار، وأما السفر فلا يتعين له أمير إلا بالتأمير، فلهذا وجب التأمير ليجتمع شتات الآراء".
فبهذا يظهر أن من مقاصد الشريعة أن تنظّم الناس تحت قيادة أمير، فيسوس أمرهم، ويلي شؤونهم، بالعدل والشورى، لا بالاستبداد والطغيان، والمنطق الفرعوني المبني على سياسة "لا أريكم إلا ما أرى". ولئن كانت بعض الأحاديث قد نصت على الصبر على ولي الأمر أو الحاكم، فلا جرم أن ذلك مرتبط بحفظ وحدة الأمة أو الجماعة – حتى لا يذهب ريحها بالنزاعات وكثرة الخلافات – وإقامة الشريعة وتحكيمها في واقع الناس.
فهذان المقصدان إذا حققهما الحاكم بالرغم من جوره، فينبغي الصبر عليه بعدم الخروج عليه، وهذا ما جنح إليه جمهور العلماء، وبخاصة من أهل السنة. والمقصود بالخروج هنا هو الخروج المسلح، الذي يفضي إلى الهرج وتمزيق وحدة صف المسلمين، وتفريق كلمتهم، وزوال كيانهم. أما الخروج عنه بالمظاهرات السلمية، والاحتجاج على ظلمه، فلا أحد من العلماء يمنعه.
وجملة القول مما سبق بيانه نقيده فيما يلي:
أولًا: إن من مقتضيات البحث العلمي، والمسلمات المنهجية، أنه لا بد من جمع كافة الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد، حتى تستقيم الرؤية، ويتضح المعنى، من خلال تطبيق القواعد الأصولية والمقاصدية، وموضوعنا هذا من الموضوعات التي لا تنبجس معاني الأحاديث الواردة فيه إلا من خلال هذه القواعد.
ثانيًا: طاعة ولي الأمر محددة بنصوص شرعية، ومؤطرة بالجانب العملي المتمثل فيما كان عليه الرسول – صلى الله عليه وسلم – ومسيجة بما جرى عليه عمل الصحابة الكرام من بعده، وهي الطاعة في المعروف. وما عداها، الخارجة عن هذا المقتضى، فهي طاعة فرعونية، محكومة بمنطق فاسد "لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد".
ثالثًا: إن من سياسة الشارع الحكيم، حين يعدل الناس عن الحد الأوسط، أن يضع لهم متقابلات، تكون بمثابة جاذبات تجذبهم في اتجاه معاكس لما هم عليه، حتى يؤوبوا إلى حد الوسط. وهو ما عبر عنه الإمام الشاطبي فيما سلف من القول.
رابعًا: لا بد من التفريق بين الطاعة الشرعية والطاعة الاستبدادية، فالأولى مشروعة حتى تنضبط وتستقيم أحوال الناس، وهي مؤصلة بأصول الشريعة ومنضبطة بقواعدها ومقاصدها. والطاعة الاستبدادية تستند إلى الجور والظلم وإرغام الناس على فعل وإتيان ما يكرهون، مخالفًا لدينهم وعقيدتهم، ومنافيًا لحريتهم وكرامتهم التي منحها الله إياهم، وهي جزء من إنسانيتهم.
والحمد لله رب العالمين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

