كيف وظفت إسرائيل خطاب "الخوف" لتبرير جرائمها في غزة؟ (3)

لماذا تستخدم إسرائيل البراميل المتفجرة لقصف غزة المصدر : الجزيرة / ميدجورني
وصل تشويه صورة الفلسطينيين إلى درجة أن قام المسؤولون الإسرائيليون بالاستشهاد بمراجع عبرية لتبرير إبادتهم في غزة (الجزيرة / ميدجورني)

وصلنا في مقالتنا السابقة تحت هذا العنوان إلى الإشارة أنه حتى الحقل الأكاديمي لم يكن في منأى عن تأثير سياسة الخوف على أحكام الناس في وقت الأزمات، وهي التي وظفتها إسرائيل لتبرير جرائمها في غزة؛ لدرجة أن المفكر الكندي جوردن بيترسون علق على تويتر (سابقًا) قائلًا: "أذقهم طعم الجحيم، يا نتنياهو"..

يضاف إلى ذلك أن مسؤولين أميركيين، مثل وزير الدفاع لويد أوستن، أصدروا تصريحات مشابهة وموالية لمجلس وزراء نتنياهو. فخلال زيارته إلى إسرائيل بعد وقت قصير من عملية طوفان الاقصى، قال أوستن إن أفعال حماس "الإرهابية" تعتبر "أسوأ من تنظيم الدولة".

ومنذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، انتشرت هذه المقارنات والتشبيهات بين حماس وتنظيم الدولة عبر وسائل الإعلام الغربية.. ونتيجة لذلك، تحول النقاش العام إلى أن حماس تستحق المصير ذاته الذي ألمّ بتنظيم الدولة. هذا الخطاب السياسي المبني على الترهيب يتجاهل حقيقة أن حماس هي حركة قومية تحررية، تم انتخابها ديمقراطيًّا، وهي ملتزمة بالكفاح المسلح نيابة عن اللاجئين الفلسطينيين الذين يعانون من حصار شديد منذ عام 2006.

خلال زيارته إلى تل أبيب بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، بدأ الرئيس جو بايدن تصريحاته في إسرائيل قائلًا: "قامت حماس بجرائم تذكرنا بأسوأ ما تعرض له العالم من شرور تنظيم الدولة، حيث أطلقت العنان لنوع من الشر الخالص على العالم"

ومن المؤسف رؤية أن السياسة ووسائل الإعلام الأميركية تلوثت أيضًا بهذه التكتيكات الإسرائيلية؛ إذ لم يقتصر المسؤولون الأميركيون الصهاينة فقط على تكرار نقاط الحديث الإسرائيلية ذاتها، التي لا أساس لها، بل استمروا أيضًا في مقارنة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول بأحداث 11 سبتمبر/ أيلول.

هذا الحدث الخاص هو الذي أشعل وقيد سياسة الخوف- أو ما يعرف بالحرب على "الإرهاب الإسلامي"- والتي استمرت لمدة عقدين، وكان نتاجها هو ضخ موجة ضخمة من الإسلاموفوبيا في الغرب. ومن الجلي أن الغرب لا يرى في حملته على حماس سوى استئنافٍ لحربه المقدسة على أية جماعة إسلامية مناهضة لهيمنته الإمبريالية.

إعلان

ومن خلال استحضار الذكرى الأليمة لأحداث سبتمبر/ أيلول، فإن السياسيين الأميركيين يتيقنون أنهم لن يكونوا محل مساءلة من طرف الشعب الأميركي حول دعم بلادهم الأعمى لنظام إبادة جماعية؛ إذ تهدف مقارناتهم بالتحديد إلى خلق تعاطف أميركي أعمى تجاه الإسرائيليين، الذين صورهم الإعلام كإخوة للشعب الأميركي لكونهم ضحايا لـ "الإرهاب الإسلامي" أيضًا.

لهذا، نجد أن كُلًّا من الساسة الإسرائيليين والأميركيين على السواء قد استغلوا ذكرى المحرقة واضطهاد اليهود، وجعلوها سلاحًا سيكولوجيًا إضافيًّا لتبرير إبادتهم في غزة، حيث تمت مقارنة أعمال حماس باستمرار بالمحرقة النازية؛ هذا الحدث خصيصَى يثير صدمة وجودية في سيكولوجيا الشعب اليهودي خاصة والغربي عامة.

فخلال زيارته إلى تل أبيب بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، بدأ الرئيس جو بايدن تصريحاته في إسرائيل قائلًا: "قامت حماس بجرائم تذكرنا بأسوأ ما تعرض له العالم من شرور تنظيم الدولة، حيث أطلقت العنان لنوع من الشر الخالص على العالم".. ثم أكد أن هذا الشر "لا يمكننا عقلنته أو تبريره.. نقطة".. وبعدها أضاف: "كان بإمكان هذه الوحشية أن تحل بأي مكان بالعالم، لكنها حلت هنا في إسرائيل، فأصبح السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، والذي كان يومًا يهوديًّا مقدسًا، أكثر يوم دموي للشعب اليهودي منذ المحرقة النازية".

ملوثًا بالمصالح السياسية لإدارته في المنطقة، ذهب الرئيس بايدن أبعد من هذا، إذ أعلن أن هذا الحادث "جعل ذكريات مؤلمة وجراحًا تركتها آلاف السنين من معاداة السامية وإبادة الشعب اليهودي تعود إلى الواجهة مجددًا".

لكن بايدن تعمد ألا يذكر أن معاداة السامية هذه هي نتاج غربي محض، كما أنه لم يتجرأ على الإشارة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للأراضي الفلسطينية قد بدأ قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول بـ 76 عامًا.. كيف يمكن له ألا يفعل هذا؟ إذ إن عدم إظهار صهيونيته بشكل كافٍ قد يعرّض الكثير من المصالح الأميركية إلى الخطر!

ليس مفاجأة أن ينظر نتنياهو لعدوانه على غزة على أنه "صراع بين أبناء الظلام وأبناء النور، وبين الإنسانية وقانون الغاب"، كما عبّر في تغريدة  قام بحذفها فيما بعد

باتخاذ هذا الموقف المشين، يمكن اعتبار بايدن تتمة لعرف إسرائيلي قديم، تتم فيه مقارنة الفلسطينيين بالنازيين. فقط في 12 من أكتوبر/ تشرين الأول، عندما تمت مساءلة رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت على شبكة سكاي نيوز حول قطع الكهرباء والوقود عن المستشفيات في غزة، التي تحتوي بدورها على حاضنات للرضع، دافع عن سياسة بلاده بالرد صارخًا على مقدم البرنامج: "هل أنت جدي بسؤالك عن المدنيين الفلسطينيين؟".. ثم أضاف: "نحن نحارب نازيين هنا".

ووسط هذه المقارنات الشنيعة، يتم دفن سياق كامل عن حقيقة الاحتلال، التي دائمًا ما يتم حجبها كليًا.. فمن الواضح تمامًا أن قطع الكهرباء والوقود عن مستشفيات تقع داخل قطاع يضم 2.2 مليون نسمة، وقصفها عمدًا، هو فعل إبادة جماعية. ومع ذلك، لم يثر قتل هؤلاء الرضّع الفلسطينيين مثل الهستيريا التي أحدثتها قصة قتل 40 طفلًا رغم زيفها.

إعلان

علاوة على هذا، نجد أن سياسة الخوف متجذرة بعمق في جدلية الثنائيات المانوية لـ "الخير ضد الشر" و"نحن ضد الآخر" و"الأخيار ضدّ الهمجيين"؛ فعندما يلجأ المسؤولون الإسرائيليون أو الأميركيون لهذه الخطابات حول المقاومة الفلسطينية، فيجب أن نتأكد أنهم ينصّبون أنفسهم سيكولوجيًا على الجانب الصالح من هذا المبدأ المانوي.

على سبيل المثال، إنه ليس مفاجأة أن ينظر نتنياهو لعدوانه على غزة على أنه "صراع بين أبناء الظلام وأبناء النور، وبين الإنسانية وقانون الغاب"، كما عبّر في تغريدة  قام بحذفها فيما بعد. ومع ذلك، فإنه فقط عَبر خطاب خَوفٍ مماثل وتقسيمات ثنائية مثل هذه، يمكن لزعيم شعبوي مثله أن يشتت انتباه الإسرائيليين عن فشل حكومته.

عند النظر إلى الوصف المرعب للفلسطينيين من قبل قادة إسرائيل وأنصارهم في الغرب، فلا عجب أن العديد من الإسرائيليين أو الأميركيين يجدون اقتراح وزير التراث الإسرائيلي، اليميني المتطرف عميحاي إلياهو، بـ"إسقاط قنبلة نووية" على غزة خيارًا معقولًا أيضًا

ولا يفاجئنا أيضًا إصرار رئيس الإمبريالية الأميركية – التي تقدم نفسها للعالم بمصطلحات مانوية أيضًا كزعيمة "للعالم الحر" – على القول إن حماس تمثل نوعًا من "الشر الخالص".. بايدن هنا يقدم في طبق طازج جميع الأسباب المحتملة لتمكين المجزرة الإسرائيلية في غزة.

ويشكل هذا السرد في نهاية المطاف تصور المواطن الغربي العادي للصراع؛ إذ إن حماس هي – وفق هذا التصور – شرّ خالص، وإسرائيل هي ديمقراطية بريئة.. وكنتاج مباشر لهذا المنطق المانوي، يجب على الصالحين أن يقضوا على الشر.

أما دانيال هاغاري، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، والذي يُعتبر وجه الدعاية الإسرائيلية طوال فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، فقد أعلن بجرأة، في رسالة اعتبرها جيش الاحتلال الإسرائيلي مهمة، تأكيده أن "حماس مكرسة للموت والدمار، بينما إسرائيل مكرسة ومصممة على تقديس الحياة".

لقد وصل تشويه صورة الفلسطينيين إلى درجة أن قام المسؤولون الإسرائيليون بالاستشهاد بمراجع عبرية من التوراة لتبرير إبادتهم في غزة؛ ففي محاولة أخرى لتحريك الخوف والكراهية اليهودية تجاه المقاومة الفلسطينية، استشهد بنيامين نتنياهو بقصة عماليق العبرية، داعيًا إلى حرب مقدسة لإبادة سكان غزة.. فوفقًا لتعاليم الكتاب المقدس، فقد تم أمر بني إسرائيل بمسح قوم عماليق عن وجه الأرض كفعل انتقامي منهم!. واستشهد نتنياهو بالعبرية قائلًا: "يجب أن تتذكروا ماذا فعل عماليق بكم، كما يقول كتابنا المقدس، ونحن نتذكر".

وكما جاء في تحليل المؤرخ نورمان فينكلستين، فإنه "عندما تعتبر أن عدوك هو عماليق"، في خضم صراع، وفي بلد متطرف و مكرس على تعاليم الكتاب المقدس، فإنك "تدعو إلى تدمير وقتل كل رجل وامرأة وطفل".

عند النظر إلى هذا الوصف المرعب للفلسطينيين من قبل قادة إسرائيل وأنصارهم في الغرب، فلا عجب أن العديد من الإسرائيليين أو الأميركيين يجدون اقتراح وزير التراث الإسرائيلي، اليميني المتطرف عميحاي إلياهو، بـ"إسقاط قنبلة نووية" على غزة خيارًا معقولًا أيضًا.

عندما ننظر إلى الفلسطينيين أنفسهم، فهم شعب أعزل، مسلوب الحق في دولة مستقلة ذات سيادة خاصة به، وبالتالي، ليس للفلسطينيين جيش للدفاع عنهم من اعتداءات قوى الاحتلال المتكررة

وكما حدث مع إدارة جورج بوش، هذا اللجوء اليائس إلى الخوف وشيطنة المقاومة، هو فرصة حكومة نتنياهو الوحيدة للبقاء على قيد الحياة سياسيًا. إذ يمكن القول إن الخوف هو الذي أطال مساره السياسي في المقام الأول، وكان الخوف هو الذي جنبه عزلًا بدا محتومًا لولا أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول.

نتنياهو على علم تام بأنه في أوقات الخوف، يستنجد المواطنون بأي شخص يقدم نفسه لهم كمخلِّص.. ولذلك، لجأ إلى سياسة الخوف لحماية نفسه من الاحتقان المتراكم لدى المواطنين الإسرائيليين تجاه حكومته الفاشلة.

إعلان

وليس من المفاجئ أبدًا كون حكومته عارضت أي نوع من صفقات الهدنة، وذلك لتمديد بقائه في السلطة. بل أكثر من هذا، رفضت حكومة نتنياهو الانصياع لقرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الأمن في 25 من مارس/ آذار، وقررت الاستمرار في جرائمها في غزة، وسعيها لضم رفح وتهجير الفلسطينيين منها.

وكنتيجة حتمية لخطاب الخوف هذا، تم وضع جميع الفلسطينيين داخل إطارات الإرهاب ذاتها التي يوضع فيها أفراد حماس. وبالتالي، يتم تبرير الجرائم في حقهم كعقوبة جماعية لهم، لتصويتهم لحماس، والسماح لها بحكم غزة منذ 2006.

ومن ناحية أخرى، عندما ننظر إلى الفلسطينيين أنفسهم، فهم شعب أعزل، مسلوب الحق في دولة مستقلة ذات سيادة خاصة به، وبالتالي، ليس للفلسطينيين جيش للدفاع عنهم من اعتداءات قوى الاحتلال المتكررة.. إذًا، ظهور أي مجموعة أو أفراد مسلحين في غزة على وجه الخصوص ليس اختيارًا؛ بل هو السبيل الوحيد المتاح لهم للدفاع عن أنفسهم ضد الاحتلال وسياساته.

بل أكثر من هذا، يعترف القانون الدولي بحق أي جماعة أو شعب قابع تحت أي احتلال غير شرعي في الدفاع عن نفسه، ولو عبر المقاومة المسلحة، ما دام أنه لا يُستهدف المدنيون الأبرياء عمدًا. فبالتأكيد، لدى الفلسطينيين الحق في الدفاع عن أنفسهم ضد أي مكون من مكونات الاحتلال الإسرائيلي؛ سواء كانوا مستوطنين مسلحين من جماعات اليهود المتطرفين أو جيش الاحتلال الإسرائيلي. لكن من المؤسف أن يتم تشويه حقهم في الدفاع عن أنفسهم وتصويره بدلًا من ذلك كفعل إرهابي وشر خالص.

تمكنت إسرائيل ووسائل الإعلام الغربية من إقناع العالم بأنه يجب عليه أن يخشى المقاومة الفلسطينية، ويدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضدها، بدلًا من العكس. وهذا مثال جلي على حكاية يتم سردها بالبدء بـ"ثانيًا"

لكن حقيقة الأمر هي أن كل جبهة تحريرية تتم تسميتها من قبل الجهة التي تحتلها ككيان شرير؛ فقد تم تصنيف المغاربة والجزائريين كمتوحشين لمقاومتهم الاستعمار الفرنسي، وتم تصنيف نيلسون مانديلا كإرهابي؛ لاستنكاره نظام الفصل العنصري، والآن يتم تصنيف الفلسطينيين كإرهابيين ونازيين لمقاومتهم للصهيونية والإمبريالية.

وعلى الرغم من أن إسرائيل تدعي أنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، فإن سياسة الخوف تؤدي دورًا حاسمًا في الممارسة السياسية لقادتها منذ نشأتها.

للأسف، تمكنت إسرائيل ووسائل الإعلام الغربية من إقناع العالم بأنه يجب عليه أن يخشى المقاومة الفلسطينية، ويدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضدها، بدلًا من العكس. وهذا مثال جلي على حكاية يتم سردها بالبدء بـ"ثانيًا".

في النهاية، يظل التوصل لأي حل سياسي في فلسطين غير ممكن إلا بعد التخلص من سياسات الخوف والكراهية، واعتماد اللغة الإنسانية للتسامح.. في الوقت الحالي، لا يشير الوضع إلى أن الفلسطينيين سيحصلون على دولتهم المستقلة في وقت قريب، على الأقل ليس مع نتنياهو في السلطة، حيث إن فلسطين محتلة تخدم مصالح القوى المهيمنة بشكل أفضل.

لكن.. إذا كان سيتم حرمانهم من حقهم في تقرير المصير، فإن أقل ما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي هو منحهم كرامة الموت كشهداء من أجل التحرير، وليس كإرهابيين لا يعي بوجودهم إلا عبر مؤشرات حصيلة القتلى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان