إنّ الهزائم التي تتوالى في اللحظة الراهنة في المنطقة هي في لبّها وجوهرها هزيمة حضارية.. وإذا ما أردنا اقتفاء أثر هذه الهزيمة فادحة النتائج وهائلة الخسائر التي يعيشها العالم العربي، وجب التعرّف بالضرورة أوّلًا إلى مفهوم القوّة.
سياسة الدول الوصيّة، التي يمارسها العالم الغربي، رحّبت بها الدول العربية وتبنّتها على مدار ما يزيد على سبعين عامًا
إنّ مصطلح القوة يعدّ مفهومًا محوريًا ومركزيًا في السياسات الدولية، ويعني قدرة طرف ما على فرض قوته وسيطرته على الآخر، كما أشار إلى ذلك عالم الاجتماع والسياسة كارل دويتش في قوله: "كما أن المال بالتحديد يشكل عملة ضمان الحياة الاقتصادية، فإن القوّة تفهم بأنّها عملة التداول بالنسبة إلى السياسة الدولية".
فالقوة هي التي تحدّد مدى تأثير الدولة على الحكومات الأخرى، بجعلها تتّبع سلوكًا معينًا لم تقم هذه الأخيرة باختياره بمحض إرادتها، وتحدد قدرة هذه الدولة على فرض سلطتها على ساحة العلاقات الدولية، والسيطرة على القرار السيادي، وبسط نفوذها على مسرح الحياة السياسية الدولية.
وهنا، إذا ما أردنا فهم المعادلة السياسية التي تحسم الوضع الراهن في المنطقة فإننا نجد فجوة شاسعة بين القوّة الفاعلة والمسيطرة، وهي الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وبين الدول الخاضعة معدومة الإرادة، كدول العالم العربي والشرق الأوسط، محط أطماع القوى الكبرى.
وهذا الأثر إذا ما عدنا إلى تاريخه فسنجده يضرب في مداه إلى حقبة الاحتلال خلال القرن الماضي، وتقسيم الوطن العربي كما نعرفه اليوم، بشكل يخدم أطماع الدول الغربية في المنطقة، والتنافس على توزيع المناطق الاستعمارية، ومن ذلك الثروات والموارد العربية بما يتناسب وقوة كل منها.
ومن جهة أخرى، يرمي هذا التقسيم إلى إضعاف الوطن العربي كوحدة كلّية كائنة.. كل ذلك بدوره رسم دول حقبة ما بعد الاستقلال باعتبارها دولًا تابعة.
إنّ سياسة الدول الوصيّة، التي يمارسها العالم الغربي، رحّبت بها الدول العربية وتبنّتها على مدار ما يزيد على سبعين عامًا. وهذا الخيار الملوّث بالوحل رغم كل شيء – ونقصد بذلك إشكالية ضعف بنيان الدول العربية كدول حديثة النشأة، ترتبط بطريقة أو بأخرى بالنظام الذي أوجدها – لا نستطيع تبرئة القادة والسياسيين من إرادة الانخراط فيه، والمضي تحت طائلته.
وقد تكون الدول غنية ولكنّها ليست قوية، ولا تمتلك سلطة سياسية إلّا داخليًّا؛ فهي بذلك – وكما أُريد لها أن تكون – ذات نظام تحكّميٍّ داخلي يزيد من السيطرة على شعوبها، وحياديٍ خارجي يضعف قدرتها على التأثير في توجّهات الدول الأخرى. وبالتالي، فهي ليست ذات سيادة حرّة لها منتهى خيارها.
كان من مظاهر وتجليات هذا التراجع غياب تأثير قوى محوريّة في المنطقة كالعراق وسوريا، ما تسبّب في وجود فراغ في القوّة الإقليمية، وأفسح المجال لبروز إيران كقوّة تعديلية إقليمية، وظهور تركيا بصفتها وريثة الدولة العثمانية
إنّ من أهم أدوات الصراع – كما أسلفنا الذكر – توفّر القوّة، والعامل الأهم في هذه المعادلة هو حضور إرادة سياسية قويّة وحرّة في ظل المنافسة المحتدّة بين الدول على المكانة، والحقيقة أنه كان هناك عقب الاستقلال نطفة إرادة حرّة تتشكّل في آفاق الدول العربية، على إثر الإنجاز العظيم الذي صنعه أبناء الوطن العربي في تحرير أراضيهم من المحتل الغربي، ولكن سرعان ما تشوّهت هذه النطفة وأجهضت وسقطت، ومن ثم تهاوت تلك الروح الوطنية القوميّة.
وقد كان من مظاهر وتجليات هذا التراجع غياب تأثير قوى محوريّة في المنطقة كالعراق وسوريا، ما تسبّب في وجود فراغ في القوّة الإقليمية، وأفسح المجال لبروز إيران كقوّة تعديلية إقليمية، وظهور تركيا بصفتها وريثة الدولة العثمانية التي سيطرت على العالم العربي لأربعة قرون، وكلتا الدولتين المتنافستين أبدتا تفاعلًا مع قضايا المنطقة، وما شهدته هذه الأخيرة من حروب ونزاعات وصراعات، كان آخرها حرب غزّة والإبادة الجماعية التي ينفذها الكيان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية.
ومهما تكن النقاط المشتركة التي تجمع هذين البلدين بخصوصية البلدان العربية، حيث يستندان إليها بشكل كبير، وتحديدًا بالنسبة لإيران، التي تقدّم نفسها على أنّها قوّة تغييرية في المنطقة، وبالتالي نذكر الدين من بين النقاط بالإضافة إلى الموقع الجغرافي والأيديولوجيا السياسية، فإنّ ذلك لا يبرر أبدًا تسليم زمام الأمور والتخلي عن الدور المحوري لصالح بلدان لا تمتلك المصير المشترك معنا، وليس لها المصالح الإستراتيجية نفسها، بل لها طموحات أخرى وأطماع محدّدة.. ما يجعلنا نصف ما يحدث بالخذلان الكبير من الجانب العربي.
ضربة 7 أكتوبر/ تشرين الأول كانت مكلفة إلى أبعد حد، ولكنْ رغم ذلك لا تسقط بأي حال من الأحوال مشروعية المقاومة في نضالها ضد العدو، بوصفها حقًّا طبيعيًّا وقانونيًّا في الأعراف الدولية
إنّ صراعات دول الشرق الأوسط السياسية، القائمة على تحالفات سياسية خارجية سعيًا منها لكسب ودّ ومساندة الدول الكبرى والاحتماء بظهرها، متنكّرة بذلك للصراع الحضاري القديم الذي طبع العلاقة معها ولحقيقة أطماع الدول الحاضنة الوصيّة، ليعكس بوضوح صريح الضعف وفتور الإرادة وجفاء الحميّة الذي سيطر على الوضع العربي، وجسّد في أبلغ صورة أخلاقيات الضعيف في استمالة عطف القوي، والمضي تحت إمرته، رغم كل أسباب القوّة المتوافرة له فوق الأرض وتحتها.
إنّنا لا بدّ أن نعترف.. إذا ما نظرنا إلى ميزان الربح والخسارة، آخذين بعين الاعتبار أهداف الهجوم وغاياته المحدّدة، فإنّ ضربة 7 أكتوبر/ تشرين الأول كانت مكلفة إلى أبعد حد، ولكنْ رغم ذلك لا تسقط بأي حال من الأحوال مشروعية المقاومة في نضالها ضد العدو، بوصفها حقًّا طبيعيًّا وقانونيًّا في الأعراف الدولية.
وإنّ تذرُّع بعض البلدان العربية بعدم مراعاة أساليب المقاومة للعرف الحربي، واستحقاق أن تتحمل نتائج تهوّرها مع الكيان الصهيوني، وعدم أخذ أي خطوة جدية للضغط السياسي، أو أي إجراء فعلي لوقف نزيف الدم الهادر.. ذلك شكّل محفزًا للمحتل على التمادي في عدوانه وتوغّله في تطبيق إجرامه.
وكردّ على هذا الافتراض، الذي قُدّ من زور ذريعة لخيار الأنظمة المتخاذلة، نقول إنّ التاريخ النضالي هو صيرورة متراكمة من الكفاح والتحدّيات والتضحيات المتواصلة، التي تستمدّ شعلتها من العزيمة والإصرار والضمير، وإنّ الإخفاقات في هذه المسيرة ليست إلّا نقطة البداية وفجر النّصر، ولا بدّ أنّ المقاومة قد فهمت الدرس وأخذت العبرة في هذه المرحلة الولّادة لجيل جديد من المقاومين الملهمين، سيكونون حتمًا أكثر إدراكًا من آبائهم وأجدادهم للطريقة الصحيحة، وأكثر نضجًا وأوسع حيلة. كما سيبقى التخاذل العربي حيال القضية الفلسطينية على كثافة رمزيّتها، يجسّد سقوطًا ذريعًا للسيادة العربية.
عدم فهم هذا النظام الكوني العام سيجلب للفرد هلاكه وسيهدم أركانه ويشقيه، كما سيكلّف العربَ بصمتهم ثمنًا باهظًا
إنّ الحياة مبنيّة على الصراع بين الإرادات وبصورة دائمة كما يرى نيتشة، وذاك في صميم الطبيعة، ولو لم يكن الأمر كذلك ما وجدنا الله -عزّ وجلّ – الإله الواحد الأحد، يثبتها في كتابه الكريم وهو يردّ على فرضيّة المشركين: {ما اتَّخذ الله من ولدٍ وما كان معه من إلهٍ إذًا لذهب كلُّ إلهٍ بما خلق ولعلا بعضهم على بعضٍ سبحان الله عمَّا يصفون}.
يُظهر أن الصراع نحو القمّة والأفضليّة إنّما هو من عرف الطبيعة ونواميس الكون، وهو حقيقة مطلقة جوهرية في فطرتها، سرمدية في قاعدتها.. وإنّ عدم فهم هذا النظام الكوني العام سيجلب للفرد هلاكه وسيهدم أركانه ويشقيه، كما سيكلّف العربَ بصمتهم ثمنًا باهظًا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

