ماذا تنتظر البشرية.. نظامًا بديلًا أم عصرًا جديدًا؟

يدرك كبار قادة الأعمال جيدًا أننا في عصر جديد من الاستهلاك الرقمي
العصر الجديد لم تكتمل معالمه بعد والعمل جارٍ نحو بناء عالَم جديد ينتظر تحديد صانعيه (غيتي إيميجز)

قال بابا روما السابق بنديكت السادس عشر عام 2016: "لم أعد أنتمي إلى العصر القديم، لكن العصر الجديد لم يبدأ بعد"، بحسب ما ذكرته صحيفة لوبوان الفرنسية.

ما قاله البابا قد يكون له دلالات روحية مرتبطة بالإيمان، ولكن من المؤكد أنّ قوله هذا، يطرح النظرة المستقبلية لما ستكون عليه البشرية من تغيّرات، وسط "خربطات" تشهدها الأسس التي بُني عليها النظام الحالي، في سبيل إعادة ترتيبها من جديد. فالدخول إلى نظام جديد يكون فقط بقلب النظام العالمي من قطب غربي أُحادي إلى آخر متعدّد الأقطاب، ولكن هل ينطبق هذا على العصر الجديد الذي تحدّث عنه البابا بنديكت؟

عدم الانتماء إلى العصر القديم دليل على أنّ هناك شيئًا ما بدأ يتغير، ولكن من المؤكد أنّ العصر الجديد لم تكتمل معالمه بعد، وإنّ العمل جارٍ نحو بناء عالَمٍ جديدٍ ينتظر تحديد صانعيه

قال هذا في العام 2016، عندما كانت الهيمنة الأميركية على العالم ما تزال متجلية بأبهى صورها، وكانت البشرية مأخوذة بما ذكره الكاتب الأميركي فرانسيس فوكوياما في كتابه: "نهاية التاريخ والإنسان الليبرالي الأخير"، إذ لم يكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولا لنظيره الصيني شي جين بينغ جرأة المجاهرة بمخططهما الهادف إلى أن يُستبدل بالنظام القائم آخر مختلف، ولم تكن القيم الغربية المنحرفة في طريقها نحو التعولم، وكان الذكاء الاصطناعي مجرد فكرة في مختبرات الغرب.

إنّ عدم الانتماء إلى العصر القديم دليل على أنّ هناك شيئًا ما بدأ يتغير، ولكن من المؤكد أنّ العصر الجديد لم تكتمل معالمه بعد، وإنّ العمل جارٍ نحو بناء عالَمٍ جديدٍ ينتظر تحديد صانعيه.

أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن شراكة روسيا مع الصين لا تستهدف دولًا ثالثة، لكن موسكو وبكين يمكن أن "توحّدا قدراتهما إستراتيجيًا" إذا واجهتا عدوانًا. تصريح زاخاروفا تزامن مع المحادثات التي جرت بين زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون مع الأمين العام لمجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو، اللذَين ناقشا تعزيز "الحوار الإستراتيجي" بين البلدين.

إعلان

سياق مستمر لصنع "تحالف إستراتيجي".. هذا ما تعمل عليه روسيا ومجموعة من حلفائها علنًا، بهدف ردع أي عدوان، تحديدًا الأميركي. فما بات واضحًا هو فرملة عصر الهيمنة الأميركية، الذي فُرِض على النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، وإحلال نظام مرتبط بعصر جديد محله، وهنا تكمن التحديات.

واضح ذلك الإصرار للدخول إلى النظام الجديد، لكن ما ليس واضحًا هو ترتيب العصر الذي سيلاقي النظام. فالضربة التي نفّذتها إسرائيل على عناصر حزب الله في 17 و18  سبتمبر/ أيلول الماضي، كشفت عن تفوّقٍ نوعيٍّ تكنولوجيٍّ بارزٍ، ترك بصمات من الاستغراب والذهول. فإن إقدامها على عملية تفجير الأجهزة اللاسلكية (البيجر) التي كانت في يد عناصر الحزب أدّت إلى مقتل 32 بين محارب ومدني، إضافة إلى وقوع آلاف الجرحى، بحسب ما ذكر وزير الصحة في الحكومة المستقيلة فراس الأبيض.

لم يبالغ بايدن في جوابه؛ لأنّ بلاده تضع اليوم كل تركيزها على كيفية إدخال العالم في العصر الجديد الذي تسعى واشنطن لإيجاده.. لقد أكّدت إدارة بايدن على هذا مرارًا، فتوجّهت إلى الأميركيين بأنّ عليهم أن يكونوا قادرين على بنائه إذا كان لديهم ما يكفي من الجرأة والثقة بالنفس

نقلة نوعية للحرب التي أصبحت غير تقليدية، تحاكي الجيل الخامس وربما السادس، وترتكز على عنصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أكثر من آلة الحرب العسكرية. فأن يأمر بوتين جيشه بتسريع وتيرة صناعات الطائرات المسيرة إلى 10 أضعاف ما كانت عليه العام الماضي، فهو دليل على التفوّق الميداني الذي سبّبته تلك التكنولوجيا أمام الآلة العسكرية التقليدية.

لا تتوقّف مشهدية التغيير على القوة العسكرية التي يستند إليها "الحلف الإستراتيجي" لقلب النظام، بل تذهب إلى إحداث ثغرات على الصعيد الاقتصادي، عبر دعم وتعزيز حضور مجموعتي "بريكس" و"شنغهاي" الاقتصاديتين لمحاكاة الغرب في مواجهة مجموعة "مجموعة الدول السبع". كما أنّ التحايل على العقوبات الأميركية، والتفكير جديًّا بالتخلي عن الدولار في التبادلات التجارية، يشكلان خطوة على طريق التغيير.

لم تكن زيارة الرئيس الروسي إلى بكين في مايو/ أيار الماضي للمشاركة في الاحتفال بالذكرى الـ 75 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما فقط، بل كانت مناسبة للتباحث في كيفية تطوير العمل، وتوسيع مهام مجموعة "بريكس" التي أنشئت عام 2009، في محاولة لتوجيه الديناميات الجيوسياسية في العالم، بعيدًا عن الهيمنة الأحادية للغرب بعد انتهاء الحرب الباردة، وبصفتها مجموعة تطمح لأن يكون لها ثقلها السياسي ودورها في صناعة ورسم معالم السياسة الدولية، مثل مجموعة الدول السبع، وتوحيد العالم نحو نظام متعدّد الأقطاب.

"لا أفكر كثيرًا في بوتين".. كان هذا جواب بايدن على أحد الصحفيين حول التهديدات الأخيرة التي أطلقها نظيره الروسي، بعد تحذير من أن "سماح الغربيين لأوكرانيا بضرب الأراضي الروسية بواسطة صواريخ بعيدة المدى، سيعني انخراط دول حلف شمال الأطلسي في حرب مع روسيا".

لم يبالغ بايدن في جوابه؛ لأنّ بلاده تضع اليوم كل تركيزها على كيفية إدخال العالم في العصر الجديد الذي تسعى واشنطن لإيجاده.. لقد أكّدت إدارة بايدن على هذا مرارًا، فتوجّهت إلى الأميركيين بأنّ عليهم أن يكونوا قادرين على بنائه "إذا كان لديهم ما يكفي من الجرأة والثقة بالنفس".

الدخول إلى العصر الجديد ليس مهمة سهلة.. لهذا، جميعنا -وليس بابا روما وحده- نعيش اليوم حالة "الانتظار"، مع المخاض في انتظار الولادة

السيد بايدن صريحٌ في طرحه؛ فواشنطن نفسها باتت بحاجة إلى تغيير هذا النظام، لهذا هي اليوم لا تلتفت إلى التهديدات العسكرية؛ لأن عسكرها قادر على محاكاة أي حرب. ولكنها تسعى من خلال احتواء القوة الصاعدة، عبر إلهائها بحروب جانبية، للاستئثار بالجانب التكنولوجي الذي سيكون عنوان المرحلة القادمة من الهيمنة والسيطرة.

إعلان

صدق بايدن فيما قاله، فبلاده لا تريد توسيع دائرة الحروب من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط، بل جلّ ما تعمل عليه هو الإدارة الحكيمة للأحداث في سبيل التهيئة للعصر الجديد. هي تحتاج إلى المزيد من الوقت لإنجازه، حيث إن الأمر لا يقف عند استخدام القوة العسكرية والقوة الاقتصادية فقط، بل أيضًا يصل إلى تحديد الثقافة والهوية للعصر المزمع الوصول إليه. فإن الغرب أصيب بالصدمة مع حالة الرفض لتقبل ثقافته وقيمه، على رأسها إعطاء حقوق المثليين، أو تلك المتعلقة بترك الولد يحدّد هويته الجنسية، وغيرها.

الدخول إلى العصر الجديد ليس مهمة سهلة.. لهذا، جميعنا -وليس بابا روما وحده- نعيش اليوم حالة "الانتظار"، مع المخاض في انتظار الولادة. فهذا "التلبّك" الحاصل على الساحة الدولية مردّه إلى الإصرار على تغيير النظام، وهذا بات بحكم الواقع، ولكن ماذا عن العصر الجديد وكيف ستتحدّد معالمه؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان